أبحاث ودراسات

أجيب من دون أن يسأل سائل

في عيدها الـ46 : الجبهة الوطنية التقدمية كما قرأها صفوان قدسي

(1)

نحن من الذين يرون أن الجبهة الوطنية التقدمية تشكل الإنجاز الأكثر أهمية في حياتنا الوطنية منذ قيام الحركة التصحيحية المجيدة.
ونحن في ذلك لا ننطلق من أية أوهام، وإنما ننطلق من الواقع نفسه. فالواقع هو الذي يقول لنا إن سورية قبل حافظ الأسد كانت تفتقر إلى وحدتها الوطنية، وكانت قواها السياسية، الوطنية والقومية، تفتقد القدرة على استكشاف القواسم المشتركة التي تجمع فيما بينها. وأكثر من ذلك، فإن العلاقات التي كانت قائمة بين تلك القوى إنما كانت علاقات صدامية، إن لم نذهب بعيدا أكثر من ذلك فنقول إنها كانت علاقات تناحرية. وكانت النرجسية، ونزعة الاستعلاء، وعقلية التفرد والانفراد، هي التي تقف وراء محاولات كل طرف إلغاء الطرف الآخر وحذفه وتغييبه. لكن سورية، مع حافظ الأسد، استعادت عقلانيتها، وتمكنت قواها الوطنية، وبفضل حافظ الأسد أولا وثانيا وأخيرا، من أن تستكشف القواسم المشتركة، وأن تغلب ما هو أساسي على كل ما هو ثانوي وهامشي، وأن تتخلى عن نرجسيتها، وأن تسقط نزعة الاستعلاء، وأن تحذف عقلية التفرد والانفراد.
وكان من شأن هذا التحول الحاسم أن يصنع وحدتنا الوطنية، وأن يرتقي بعملنا السياسي إلى مستويات لم يبلغها من قبل، وأن يسقط جميع المحاولات التي بذلت من أجل إرغامنا على التخلي عن هويتنا الوطنية، وانتمائنا القومي، وقناعاتنا السياسية.
وحين نتحدث عن الجبهة الوطنية التقدمية، فإنما نتحدث عن الوحدة الوطنية، لأن الوحدة الوطنية، في الكلمة الأخيرة، هي المعادل الموضوعي لصيغة الجبهة الوطنية التقدمية.
لكني أريد هنا أن أفصح عن حقيقة تحتل مساحات كبيرة من عقلي ووجداني، هي أن حافظ الأسد، هو المعادل الموضوعي لوحدتنا الوطنية، وهذه هي إحدى الحقائق الكبرى في حياتنا السياسية. وإذا كنا في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية قد أعلينا دائما من شأن شعارنا القائل إن حافظ الأسد تجسيد للأمة في رجل، فإننا في ذلك إنما كنا نحاول أن نضع يدنا على حقيقة موضوعية، وهي أن حافظ الأسد إنما يختزل في شخصه قيم الأمة ومثلها العليا وتاريخها القومي وتراثها الحضاري. ومن يختزل في شخصه كل هذه المعاني، فالأحرى به أن يختزل قيمة كبرى من قيمنا التي ينبغي أن نصونها وأن نحافظ عليها، وأعني بها تحديدا وحدتنا الوطنية.
وحين نتحدث عن الجبهة الوطنية التقدمية، فإننا لا نتحدث عن صيغة جامدة، وإنما نتحدث عن تجربة أصيلة وعميقة. وكل تجربة أصيلة وعميقة، تحمل في أحشائها بذور تحسينها وتطويرها وتفعيلها. ولقد تعلمنا من حافظ الأسد أن الحياة أشد اتساعا من أن تحبس في صيغة واحدة، وبأن كتاب الحياة أكثر غنى وثراء من أي كتاب، وبأن الأفكار القابلة للحياة والاستمرار هي الأفكار التي تخضع دائما للمراجعة ولإعادة القراءة.
وفي هذا الإطار، فإن مسألة تطوير هذه الصيغة السياسية التي تعدُّ إحدى الاكتشافات المبكرة التي سبق بها حافظ الأسد عصره بعقدين من الزمن، قد جرى بحثها بعمق وجدية. وهناك أفكار كثيرة في هذا المجال، وهي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة لكي تبلغ سن الرشد وتدخل مرحلة النضج والاكتمال. ولقد تعلمنا من حافظ الأسد، في جملة ما تعلمناه، أن القرار المناسب هو الذي يأتي في الوقت المناسب.

(2)
حافظ الأسد في وصفه الدقيق للديمقراطية، يشخص حالة تستهلك جزءا كبيرا من جهود المفكرين الذين يكتبون في هذه المسألة بالذات، والذين تتباين كتاباتهم بسبب المنظور الفكري، والسياسي أيضا، الذي ينطلق منه كل مفكر من هؤلاء المفكرين.
لقد قدم حافظ الأسد في تعريفه للديمقراطية اجتهادا بالغ الأهمية، وهو اجتهاد ينطلق من فهم عميق لطبيعة هذه المسألة الشائكة والمعقدة. إنه اجتهاد ينطلق من أرض الواقع، ولا يكتفي بالتحليق في سماء الأحلام والأوهام.
إنه اجتهاد يأخذ بالحسبان الحقائق الراسخة التي يحاول البعض ممن لهم مصلحة في ذلك، إخفاءها أو طمسها، لكي يثبتوا أفكارا زائفة ومصطنعة ولا تعبر تعبيرا أمينا صادقا عن الحقيقة التي يجب أن نحترمها جميعا.
لقد اجتهد حافظ الأسد في مسائل كثيرة، لكني أرى في اجتهاده في مسألة الديمقراطية بالذات، إنجازا فكريا بالغ الأهمية.
فالبعض منا ما زال يكتفي باستعارة الأفكار التي تنتقل إلينا عبر وسائل الاتصال المتعددة، من عالم آخر يختلف بطبيعته وتكوينه التاريخي والثقافي عن العالم الذي نعيش فيه نحن العرب وغيرنا من شعوب الدول الآخذة بالتطور. لا زال البعض منا يستورد أفكارا جاهزة، ومعلبة، ومسبقة الصنع، ويحاول إيهامنا بأن هذه الأفكار قابلة للإعارة والاستعارة، متجاهلا الحقيقة القائلة إن الأفكار التي تولد في القطب الشمالي، سرعان ما تذوب وتتبخر عندما تنتقل إلى خط الاستواء.
من هنا فإن اجتهاد حافظ الأسد في هذه المسألة، إنما يمثل كشفا فكريا متقدما أوليناه نحن في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، اهتماما خاصا، وأفردنا له صفحات مطولة من أدبيات الحزب، وخصصنا له بعض الملتقيات الفكرية والسياسية التي يقيمها حزبنا بين وقت وآخر.
كما أن هذا الكشف احتل مساحة واسعة من الوثيقة الفكرية والسياسية التي أقرها المؤتمر العام الحادي عشر للحزب الذي انعقد في شهر تموز من عام 1993.
كذلك فإني شخصيا أوليت هذه المسألة اهتماما خاصا من خلال نشاطاتي الفكرية والثقافية والسياسية.
وأستطيع هنا أن أشير إلى كتابين اثنين، الأول وضعته عام 1983، وهو يحمل عنوان (تشريح الثورة المضادة)، وفيه تحدثت حديثا مسهبا عن الديمقراطية في فصل يحمل العنوان الآتي (أوهام الديمقراطية).
والثاني وضعته في كتابي الأخير الذي يحمل عنوان (الشجاعة العاقلة، والحكمة الجسورة).. تأملات في مدرسة حافظ الأسد الفكرية والسياسية.
في هذا الكتاب أفردت صفحات مطولة للحديث عما أطلقت عليه اسم خصوصية التجربة الديمقراطية.
في هذا الإطار أستطيع أن أقول، تماما مثلما قال حافظ الأسد، إن الديمقراطية ليست سلعة نستوردها من هذا البلد أو ذاك، لأن تجارب الشعوب ليست قابلة للإعارة أو الاستعارة. فلكل شعب تجربته الخاصة، ولكل شعب تاريخه وثقافته وحضارته وقيمه الفكرية والروحية، وهذا هو الذي يصنع هذه الخصوصية التي نشير إليها. من هنا نستطيع أن نقول إن ما يصلح لبلد من البلدان لا يصلح بالضرورة لبلد آخر. وإن على كل شعب أن يكتشف خصائصه القومية التي تميزه عن غيره من الشعوب والتي تمكنه في نهاية المطاف من أن يصنع تجربته السياسية الخاصة به.
ويخطئ من يظن أن الديمقراطية في العالم الغربي تشكل نموذجا واحدا، وقد أشار حافظ الأسد إلى هذه المسألة إشارة ذكية، في خطابه التاريخي أمام مجلس الشعب، بعد أدائه القسم الدستوري لولاية رئاسية جديدة.
ولو أمعنا النظر جيدا في التجارب الديمقراطية للدول التي تنادي بالديمقراطية على الطريقة الغربية لوجدنا أن هناك أكثر من ديمقراطية. وبكل تأكيد فإن الديمقراطية الأمريكية على سبيل المثال ليست مماثلة للديمقراطية الفرنسية. وهناك أمثلة كثيرة تؤكد صحة هذا الكلام، وهو أن هناك أشكالا من الديمقراطية في الغرب، أي أن هناك عددا من الديمقراطيات وليست هناك ديمقراطية واحدة. ويكفي أن نتذكر بأن الديمقراطية في الولايات المتحدة تعتمد على حزبين اثنين، يتناوبان على إدارة شؤون الولايات المتحدة، في حين أن هناك عشرات الأحزاب في فرنسا وفي غيرها من الدول الأوروبية، ونخطئ أيضا إذا ذهب بنا الظن إلى أن الديمقراطية على الطريقة الغربية، هي الديمقراطية المثلى حتى لتلك الدول والشعوب.
فالنظام السياسي في العالم الغربي لا تصنعه الشعوب بإرادتها الحرة والطليقة، وإنما تصنعه مصالح بعض القوى الفاعلة والمؤثرة في تلك الدول، وهي دائما مصالح الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي توظف هذا النظام السياسي أو ذاك في خدمة مصالحها. كذلك فإن هذه الديمقراطية إنما تصنعها وسائل الإعلام التي أصبح بمقدورها أن تمارس تأثيرا خطيرا على عقل المواطن العادي، والتي أصبح بمقدورها أيضا أن تصنع قناعاته السياسية.
فأية ديمقراطية هذه التي تصنعها مصالح الشركات أو التي تصنعها وسائل الإعلام؟.
ثم إن هناك شيئا آخر ينبغي أن يقال في هذا المجال، وهو أن الديمقراطية لا يصنعها قرار سياسي، وإنما الذي يصنع الديمقراطية هو الخبرات المتراكمة عبر مئات السنين لشعب من الشعوب، تماما مثلما تصنعها ثقافة هذه الشعوب وحضارتها وتاريخها. وبالتالي فإن استعارة تجارب الآخرين في هذا المجال تصنع حالة زائفة من الديمقراطية، لأنها ديمقراطية لا تعبر تعبيرا دقيقا عن واقع الشعوب التي تستعير تجارب الآخرين.
ثم إن الديمقراطية لا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون ديمقراطية غير منضبطة، فهناك ضوابط وقواعد لا بد من أن تحكم أية تجربة ديمقراطية. كذلك فإن ممارسة الديمقراطية لا تعني أن يتصارع الناس مع بعضهم وأن تغدو الوحدة الوطنية لشعب من الشعوب مهددة بالانهيار.
من هنا فإني أعود إلى بعض ما قاله حافظ الأسد في هذا المجال، ومن هذا الكلام قوله الشهير: (إننا نريد أن نعيش في حريتنا الحقيقية عبر صيغ تنبع من أرضنا. وإرادة جماهيرنا، تعمق وحدتنا الوطنية، تجذر الغيرة الوطنية، تعزز مصالح الشعب، تفجر إبداعاته وتزيد من طاقاته، نفيد في صيغنا من تجارب الآخرين ولا ننسخ عن الآخرين).
أختصر فأقول إنه يجب على الفكر السياسي العربي أن يقرأ جيدا ما قاله حافظ الأسد في مسألة الديمقراطية، ففي كل ما قاله، هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يساعد الفكر السياسي العربي على الانتقال مما هو عليه الآن من تبعية للفكر السياسي الغربي، إلى ما ينبغي أن يكون عليه وهو أن يحلل الواقع العربي تحليلا صحيحا وأن يقرأ التاريخ العربي قراءة دقيقة وأن يتوصل بالتالي إلى ما ينبغي التوصل إليه، وهو أن الأفكار التي لا تولد من أرض الواقع، سرعان ما تجد نفسها أفكارا تحلق في عالم من الأوهام.

(3)
الجبهة الوطنية التقدمية ليست مجرد إضافة كبرى قدمها حافظ الأسد، إلى فكرنا السياسي، وإلى حياتنا السياسية في الوقت نفسه، وإنما هي، بالإضافة إلى ذلك كله، إحدى الاكتشافات المبكرة التي سبق بها حافظ الأسد عصره بأكثر من عقدين من الزمن. وكما نقول دائما في أدبيات حزبنا ووثائقه الفكرية والسياسية، فإن حافظ الأسد سبق عصره بالقول وبالفعل، وسبقه بالنظرية وبالتطبيق، وسبقه بالفكر وبالممارسة، وسبقه بالتفكير وبالتدبير. وحين كانت فكرة التعددية الحزبية والسياسية تبدو للكثرة الكاثرة منا فكرة غريبة وتستعصي على أية محاولة مبذولة لتحويلها إلى حقيقة محسوسة وملموسة، فإن حافظ الأسد أحدث اختراقا تاريخيا في بنيتنا العقلية وفي تكويننا السياسي. ولم يكن ذلك أمرا ميسورا، وإنما كانت تقف دونه صعوبات كبرى وعقبات جمة. ذلك أن حياتنا السياسية في ذلك الوقت كانت تقوم على نوع من الواحدية.. الحزب الواحد.. التنظيم السياسي الواحد.. الفكرة الواحدة.. الرأي الواحد. وكنا جميعا أسرى لفكرة غريبة ثبت فسادها وبطلانها، وهي أن الوطن لا يتسع لنا جميعا، وأن وجود الآخر يلغي وجودي ويحذفه ويصدر عليه حكما بالإعدام، وأن الحقيقة كلها موجودة في قبضتي وحدها، ولا أحد يستطيع المشاركة في الإمساك بها.
مع حافظ الأسد، حدثت تلك النقلة النوعية في بنيتنا العقلية وفي تكويننا السياسي. ومع حافظ الأسد أمكن الانتقال مما كنا عليه إلى ما ينبغي أن نكون عليه. ومع حافظ الأسد أمكن الانتقال إلى وضع جديد يقوم على الاعتراف بالرأي الآخر، وبالحزب الآخر، وبالوجود الآخر. ومع حافظ الأسد أمكن الانتقال إلى حالة جديدة تقوم على التعددية الحزبية والسياسية، هذه التعددية التي وجدت إطارها السياسي ووعاءها التنظيمي في صيغة الجبهة الوطنية التقدمية، هذه الصيغة التي جسدت وحدتنا الوطنية، والتي حصنت جبهتنا الداخلية، والتي صمدت في وجه العواصف والأعاصير، والتي حطمت محاولات الغزو من الخارج، تماما مثلما حطمت محاولات الغزو من الداخل.

—-

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 386

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى