أبحاث ودراسات

التعددية الحزبية والسياسية وخصوصية التجربة الديمقراطية

في عيدها الـ46 : الجبهة الوطنية التقدمية كما قرأها صفوان قدسي

 

 

(1)
أريد أن أستعيد كلاما قديما سبق أن قمت بتثبيته في كتابي (تشريح الثورة المضادة) تحت عنوان جريء وعريض هو (أوهام الديمقراطية)، وهو كتاب صدر عام 1983، وقدمت فيه الرد الفكري، وهو رد قومي بطبيعة الحال، على ظاهرة الثورة المضادة التي حاولت في وقت من الأوقات أن تنال من تجربتنا الوطنية والقومية، وأن تسيء إلى هذا الصرح الشاهق في حياتنا الفكرية والسياسية.

(2)
وكان مما قلته في تلك الأيام، وكانت أياما مشحونة بالحوار، لكنه الحوار بالطلقات لا بالكلمات، هو أني أحاول فيما سوف أعرض له الآن أن أتلمس طريقي وسط حقل شاسع مزروع بالألغام.

أحاول ذلك وفي نفسي خشية عظيمة من أن أرتكب خطأ ما فأقع في المحظور.

بل أحاول ذلك وفي أعماقي شبه يقين بأن ارتكاب خطأ ما سوف يؤدي فورا إلى انفجار مجموعة ألغام.

من هنا، فإني حريص منذ البداية على أن أقول كلاما واضحا، وهو أني فيما سوف أعرض له، إنما أعبر عن وجهة نظر قابلة للتعديل والتنقيح دائما وفي كل الأوقات.

بل إن وجهة النظر هذه ليست مما لا يقبل أي خلاف أو اختلاف. إنها وجهة نظر تحاول أن تضع يدها على الحقيقة وهي تعرف مسبقا بأن هذه الحقيقة ليست في قبضة فكرة واحدة، وإنما هي في قبضة مجموعة أفكار.

ومع ذلك فإن الأمر يستحق مثل هذه المحاولة.

ثم أدخل إلى الموضوع دخولا مباشرا فأقول إني أريد هنا أن أختلف مع الكثيرين ممن استهوتهم شعارات معينة فمضوا إلى استخدام هذه الشعارات من دون أن يكلفوا أنفسهم لحظة واحدة عناء التوقف عند هذه الشعارات لمراجعتها ومعرفة موقع هذه الشعارات من فكرهم السياسي.

أريد أن أختلف مع هؤلاء الذين استهواهم شعار الديمقراطية فمضوا إلى استخدام هذا الشعار استخداما لا يترك مجالا للشك في أنه استخدام صادر عن انفعال عابر لا يستقر على حال من الأحوال.

وإذا كان من حقي أن أكتب في هذه المسألة من خلال تجربة شخصية، فإني أبادر إلى القول إن الصدفة جمعتني بواحد من هؤلاء الذين أشير إليهم.

وكان هذا الواحد يفيض حماسة وانفعالا من خلال حديث ساخن عن الديمقراطية وضروراتها. وكان مما قاله هذا الذي كان يفيض حماسة وانفعالا أن علينا أن ننحي جانبا جميع شعاراتنا الأخرى، وأن نستبقي فقط على شعار واحد لا نكف لحظة واحدة عن المطالبة بتحقيقه، ألا وهو شعار الديمقراطية. بل لقد مضى إلى أبعد من ذلك عندما انتهى إلى نتيجة مفادها أنه بالديمقراطية نبدأ وبها ننتهي، وإن حل جميع مشكلاتنا رهن بهذه الديمقراطية.

وكان واضحا أن الرجل يشتعل حماسة في كل كلمة من كلماته. بل لقد كان واضحا أنه يحاول أن يمضي إلى عرض وجهة نظر متكاملة لولا أنه ظهر بعد دقائق معدودات من هذا الكلام أنه إنما كان يدور في حلقة مفرغة.

وأعترف بأني لم أدرك هذه الحقيقة إلا بعد مضي هذه الدقائق المعدودات، وكان ظني كله هو أن وراء هذا الشعار الذي يطلق عليه اسم الديمقراطية، تقف وجهة نظر متكاملة تستطيع أن تضع تعريفا محددا للديمقراطية، وتستطيع في الوقت نفسه أن ترى إلى الديمقراطية في امتدادها الزماني وفي امتدادها التاريخي وفي امتدادها الجغرافي. لكن هذا الظن سرعان ما تبدد وتلاشى تماما. ذلك أن الشعار بقي حيث هو مجرد شعار من دون أن يفلح صاحبه في أن يضيف إليه أي كلام ذي معنى، ومن دون أن يفلح في أن يمضي به إلى حيث ينبغي له أن يمضي به شرحا وتحليلا وتفسيرا.

وكان واضحا أن الرجل إنما كان يصدر بكل تأكيد عن نية حسنة. وكان واضحا في الوقت نفسه أن الرجل إنما كان خاضعا لاستهواء هذا الشعار من دون أن يبذل أي عناء من أجل معرفة حقيقة هذا الشعار.

(3)
وليس يعنيني من هذه الواقعة الشخصية سوى أن أستخلص منها نتيجة محددة، وهي أنه ليس بالشعارات وحدها يحيا الإنسان.

وحين يمضي الواحد منا إلى إمعان النظر في شعار الديمقراطية، فإنه سرعان ما يقع على حقيقة مفادها أن الديمقراطية ليست واحدة، وأن هناك أكثر من ديمقراطية، بل إن هناك مجموعة ديمقراطيات. فأية ديمقراطية من هذه الديمقراطيات نريد؟. وعن أية ديمقراطية من هذه الديمقراطيات نبحث؟.

أختزل فأقول إن الديمقراطية ليست صيغة واحدة لا مجال للخروج عليها، وإنما هي مجموعة صيغ وأشكال، وبالتالي فإنها مجموعة خيارات.

وحين تكون الديمقراطية مجموعة خيارات، فليس معنى ذلك أننا نستطيع أن نختار هذه الديمقراطية أو تلك اختيارا حرا وطليقا.

لماذا؟.

لأن هذا الخيار نفسه محكوم بجملة عوامل لا مناص من مراعاتها وأخذها بالحسبان.

وكما أن الاشتراكية ليست صيغة واحدة مفروضة على كل الشعوب، فإن الديمقراطية ليست شكلا واحدا لا مناص من الأخذ به.

وكما أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه اسم خصوصية التجربة الاشتراكية، فإن هناك في الوقت نفسه ما يصح أن نطلق عليه اسم خصوصية التجربة الديمقراطية.

وإذا كان صحيحا أن الأفكار التي تولد في القطب الشمالي سرعان ما تتبخر وتذوب عندما نقوم بنقلها إلى خط الاستواء، فإن الصحيح أيضا هو أن الديمقراطية المصنوعة لدولة من الدول ليست صالحة بالضرورة لدولة أخرى.

من هنا، يمكن القول إنه إذا كانت الديمقراطية حقا مجموعة خيارات، فإن هذه الخيارات محكومة بالظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية.

(4)
ثم أنتقل بعد ذلك خطوة إلى الأمام فأقول إن الديمقراطية ليست قرارا سياسيا.
إنها تراث يتناقله الآباء عن الأجداد، وهي فكر عميق يعيش في الخلايا والأعصاب الحساسة لشعب من الشعوب.
وما زلت أذكر كيف أن المفكر البريطاني الذائع الصيت (هارولد لاسكي) أشار إلى هذه الحقيقة في كتابه المسمى (تأملات في ثورات العصر)، عندما مضى إلى دراسة الظاهرة الستالينية في التاريخ الروسي واعتبرها مجرد امتداد لتاريخ طويل حافل بالطغيان.
وحين يمضي الواحد منا إلى إعمال العقل في هذه المسألة، فإنه سوف ينتهي إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية تاريخ وحضارة وتراث. إنها ذلك التفاعل بين ماضي شعب من الشعوب وبين حاضره.
كيف يمكن أن نتوقع من تاريخ حافل بالاستبداد والطغيان أن يصنع حاضرا مختلفا كل الاختلاف عن ذلك التاريخ؟.
ولو أن الديمقراطية مجرد قرار سياسي، لكان الأمر في منتهى السهولة، لكن الأمر ليس على هذا النحو تماما.
القرار السياسي وحده لا يصنع الديمقراطية.

(5)
ثم إن الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي. إنها، قبل أن تكون نظاما سياسيا، علاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية.
ولو حاولنا أن نعزل قضية الديمقراطية عن بعدها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، لأوقعنا أنفسنا في مزالق خطيرة.
تعالوا نضرب مثالا واحدا يكون فيه قدر كاف من التوضيح.
تعالوا نتساءل عمّا إذا كان ممكنا قيام ديمقراطية سليمة في مجتمع يمارس فيه المجتمع نفسه سلطة قمعية تفوق في ضراوتها أية سلطة قمعية أخرى.
ومن يمعن النظر جيدا في هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعات العالم الثالث، فإنه سوف يقع على حقيقة مفادها أن السلطة القمعية التي يمارسها هذا المجتمع أو ذاك، تفوق بما لا يقاس تلك السلطة القمعية التي يمارسها النظام السياسي.

(6)
وحين تكون الديمقراطية غائبة عن جميع المؤسسات القائمة في مجتمع من المجتمعات، فإن النتيجة تغدو ناصعة في وضوحها.
كيف نطالب بالديمقراطية ونحن لا نمارس هذه الديمقراطية داخل بيوتنا؟.
كيف نطالب بالديمقراطية ونحن لا نكف عن ممارسة التسلط داخل مؤسساتنا الاجتماعية الصغرى؟.
كيف نطالب بالديمقراطية ونحن لا نستطيع أن نكون ديمقراطيين داخل مؤسساتنا الحزبية والسياسية التي ارتضيناها لأنفسنا طواعية واختيارا؟.
كيف نطالب بالديمقراطية فيما نحن نذعن إذعانا كاملا لسلطة غاشمة اسمها سلطة المجتمع؟.

(7)
وليس معنى ذلك أن نكف عن بذل أية جهود من أجل أن نكون أكثر ديمقراطية.
كل ما أعنيه هو أن علينا أن نبدأ بأنفسنا.
كل ما أعنيه هو أن علينا أن نمارس الديمقراطية داخل بيوتنا، وداخل مؤسساتنا الاجتماعية الصغرى، وداخل مؤسساتنا الحزبية والسياسية التي ارتضيناها لأنفسنا طواعية واختيارا، وداخل مجتمعنا الذي يكاد، بقوته القاهرة، أن يحرمنا من أدنى أشكال القدرة على ممارسة الحرية.
وقبل ذلك كله وبعده، فإن ما أعنيه هو أن علينا أن نتفق أولا على معنى الديمقراطية حتى لا نصاب جميعا بالدوار.

(8)
ثم أعترف بعد ذلك بأني لا أستطيع أن أرى إلى الديمقراطية على أنها مجرد قرار سياسي.
وحين تكون الديمقراطية مجرد قرار سياسي، فإنها سرعان ما تتحول إلى فوضى كاملة.
لماذا؟.
لأن الديمقراطية، بغير امتدادها الزماني والمكاني، أي بغير امتدادها التاريخي والجغرافي، وبغير بعدها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، تغدو مجرد لغو لا طائل منه.

(9)
ثم أمضي بعد ذلك إلى مرحلة أخرى في هذا الحديث، فأستعيد كلاما لكاتب سياسي كبير سبق لي أن وقعت عليه في يوم من الأيام. وأحاول في ذلك أن أعتمد على ذاكرتي وحدها، لأن النص ليس موجودا بين يدي، فأقول إن هذا الكاتب السياسي كان يناقش، في جملة ما يناقش، مسألة الديمقراطية.
وما زلت أذكر كيف أن هذا الكاتب عمد إلى تقديم ثلاثة نماذج أوروبية لكي ينتهي إلى نتيجة مفادها أن الديمقراطية في أزمة. وكانت هذه النماذج= الثلاثة تقود إلى استنتاج مفاده أنه لولا ظروف طارئة، لكان من شأن هذه النماذج الثلاثة أن تؤكد أكثر فأكثر الحقيقة القائلة إن الديمقراطية الأوروبية، وليس الديمقراطية خارج أوروبا فقط، في أزمة.
وعلى سبيل المثال، فإن الجنرال فرانكو حكم إسبانيا أربعين عاما من دون أن يبدو أن حكمه هذا يمكن أن يتعرض إلى تهديد حقيقي. وكان واضحا أن النظام السياسي الذي أقامه فرانكو في إسبانيا لم يكن نظاما ديمقراطيا، ومع ذلك فإنه استمر أربعين عاما. وكان واضحا في الوقت نفسه أن هذا النظام السياسي ما كان له أن يؤول إلى زوال، لولا أن فرانكو نفسه قد آل إلى زوال بفعل الشيخوخة وحدها.
وعلى سبيل المثال، مرة ثانية، فإن سالازار حكم البرتغال سنوات مماثلة من دون أن يتعرض نظام حكمه لأي تهديد حقيقي. بل إن سالازار عمد إلى فرض عزلة سياسية على بلاده كان من شأنها أن تحول دون معرفة الكثير عمّا كان يجري هناك. ومع ذلك، فإن نظام حكم سالازار استمر كل هذه السنوات الطويلة، وكان يمكن أن يستمر سنوات أخرى طويلة، لولا تلك الهزيمة العسكرية والسياسية التي لحقت بالبرتغال في أنغولا، وهي الهزيمة التي كان من شأنها أن تحرك حوافز التغيير داخل البرتغال.

وعلى سبيل المثال مرة ثالثة، فإن اليونان، مهد الديمقراطية وموطنها الأول، خضعت لنظام حكم غير ديمقراطي عقدا من الزمن. وكان يمكن لهذا العقد أن يغدو عقودا، لولا تلك المغامرة العسكرية الطائشة التي قام بها أحد المحسوبين على النظام العسكري في اليونان، والتي كانت تحاول الإطاحة بالأسقف مكاريوس رئيس جمهورية قبرص في ذلك الوقت، والتي أخفقت في تحقيق أغراضها، والتي أدت فيما بعد إلى التدخل العسكري التركي في قبرص، ذلك التدخل الذي أدى إلى احتلال الأتراك لما يقرب من ثلث مساحة قبرص. وكان واضحا أن نظام الحكم في اليونان ما كان له أن يسقط، لولا هذا الذي حدث في قبرص، وكانت أثينا مسؤولة عنه.

(10)
والذين استنجدوا بالنموذج الديمقراطي الأوروبي إنما يقعون في خطأ فادح. ذلك أن هذا النموذج الأوروبي إنما تحقق بفعل تراكمات تاريخية أدت في نهاية المطاف إلى قيام هذا النموذج. كذلك فإن هذا النموذج الأوروبي ليس قابلا بالضرورة للإعارة أو الاستعارة. وأكثر من ذلك، فإن هذا النموذج الأوروبي نفسه إنما يواجه أزمات ليس التقليل من شأنها إلا من قبيل المكابرة.
والذين يستنجدون بالنموذج الديمقراطي الأمريكي إنما يقعون بدورهم في خطأ فادح أيضا.
وليس من شأني الآن أن أمضي إلى الحديث عن التجربة الديمقراطية الأمريكية، ولكن من شأني أن أضع القارئ أمام نص فيه الكثير الكثير مما يمكن أن يفصح عن حقيقة هذه التجربة.
وأستعير هذا النص من مناقشة وقعت عليها لكتاب صدر في الولايات المتحدة عام 1969، من تأليف كاتب أمريكي شهير اسمه نعوم تشومسكي.
يتساءل تشومسكي: لماذا اتسمت حركة الاحتجاج في الولايات المتحدة بطابع العنف والعمل الفوضوي سواء كانت هذه الحركة نابعة من الطلبة أو الشباب أو السود؟.
إن جواب تشومسكي يشكل إدانة صارخة للنظام الأمريكي الذي اقتصر على إبراز المنافسة الفردية على حساب كل عمل جماهيري، إلى حد أصبح معه الأفراد غير قادرين على اكتشاف مصالحهم الحقيقية وكيفية التصرف للدفاع عنها، خاصة وأن الطابع الشمولي الذي اتسم به هذا النظام قد حرّم عليهم أي تجمع حر. وهكذا انعدمت القيم الديمقراطية داخل المجتمع الأمريكي، إذ أن الجماهير قد اعتادت الخضوع للقيم المفروضة عليها من لدن الأنظمة القامعة. ويكتب تشومسكي في هذا الشأن قائلا:
(إن نظامنا الاجتماعي قد ضحى بالمصالح العامة للمجتمع الإنساني في سبيل الحفاظ على مصالح خاصة بأفراد، وبالتالي فهو قد قضى على قيام علاقات حقيقية بين الأفراد. إن الليبرالية التي تنادي بحق الإنسان في التصرف في شخصه قد تعمدت في الواقع القضاء على جميع القيم الديمقراطية التي تفترض المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، وهكذا أخفقت هذه القيم في الصمود أمام الاقتصاد الرأسمالي الذي دأب على توجيه مختلف نواحي المجتمع نحو مفاهيم خاصة تجعله سخرة لمصالحه، وتقضي على كافة الحقوق السياسية للمواطن الأمريكي).

(11)
ثم أتقدم خطوة أخيرة في هذا الموضوع فأقول إنه بدلا من أن نعمد إلى إطلاق كلمات كبيرة في الهواء، وبدلا من أن يكون طعامنا وشرابنا كله شعارات، وبدلا من أن نقول كلاما فيه من العاطفة والاندفاع أكثر مما فيه من المعرفة والحكمة والتعقل، فإننا نستطيع أن نقول كلاما واضحا له ما يقابله في الواقع الملموس.
لماذا لا نكف عن هذا الهذر اللفظي، ونقول بدلا منه كلاما قابلا للفهم، وقابلا للتطبيق في آن معا؟.
لماذا لا نكف، مثلا، عن إطلاق شعار الديمقراطية من دون أن نكون واضحين في تعيين معنى الديمقراطية التي نطالب بها. لماذا لا نكف عن ذلك ونعمد بدلا منه إلى المطالبة بتحقيق هذا الأمر أو ذاك؟.
ولكي أكون واضحا، فإني سوف أبادر إلى القول إن أي كلام نقوله ينبغي أن يضع في حسبانه الحقيقة القائلة إنه لكي يكون هذا الكلام مسموعا، فإنه يجب أن يكون واضحا.
ليكن كلامنا كله مكتوبا في عبارات واضحة نستطيع نحن أولا، وقبل غيرنا، أن نشرحها ونفسرها فيما إذا كانت تحتاج إلى مثل هذا الشرح والتفسير.
ليكن كلامنا كله محصورا في مطالب لها ما يقابلها في الواقع الملموس، كأن نقول إننا نطالب بالمساواة بين المواطنين، أو أن نقول إننا نطالب بتكافؤ الفرص، أو أن نقول إننا نطالب بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، أو أن نقول إننا نطالب بأن تكون كرامة المواطن محفوظة ومصانة.
هذا كله كلام واضح ومفهوم وقابل للتطبيق، أما الكلام المبهم الذي لا يعدو كونه شعارات تستهوينا فنغدو خاضعين لها خضوعا يجعلنا لا نفكر في التوقف لحظة واحدة للتأكد مما إذا كنا نعرف حقا ما الذي نريده من هذه الشعارات، فإنه لا يغدو أن يكون لغوا لا طائل منه.

(12)
ثم أتذكر كلاما قرأته في وقت من الأوقات، وهو أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا في مناخ يسمح بحل المشاكل عن طريق المناقشة الحرة.
إلا إذا كان مجتمع المنتجين قادرا على أن يصنع ثروة تكفي المجموع، وأن يكون توزيع هذه الثروة بين المنتجين على أساس يكفل لكل منهم نصيبا عادلا في الثروة العامة، يكفي لتلبية احتياجاته الأساسية من الغذاء والكساء، والصحة والمسكن، ومن التعليم والثقافة.
مثل ذلك التوازن الاقتصادي الاجتماعي هو القاعدة التي يمكن أن يقوم عليها التوازن السياسي داخل أي مجتمع. التوازن السياسي يعبر عن نفسه بمؤسسات دستورية. المؤسسات الدستورية وعاء الحوار، ثم هي مصدر القرار بعد الحوار.
إن التوازن ليس حالة نهائية أو جامدة، لأن حركة المجتمع متواصلة، وهي تجيء معها بتناقضات جديدة بين المصالح والقوى، ولهذا فإن الحوار يجب أن يكون مستمرا بغير نهاية.

(13)
ويبقى بعد ذلك بضع كلمات، وهي أن النظام السياسي في بلد من البلدان، إنما هو محصلة مجموعة عوامل وجملة عناصر. والقرار السياسي وحده لا يملك، ولا يستطيع، أن يغير أو يبدل من حقائق صنعها التاريخ، وحددتها الجغرافيا، وبلورتها الحضارة، وكرّستها الثقافة، ورسخها وجذّرها التراث الذي يسهم في صنع الشخصية القومية لأمة من الأمم.
وحين يكون الأمر على هذا النحو تماما، فإن العودة إلى التاريخ والجغرافيا والحضارة والثقافة والتراث، هي التي تستطيع، وربما وحدها، أن تحدد خياراتنا الممكنة والمتاحة في رسم معالم الديمقراطية التي تتفق وتتوافق مع هذه الحقائق الثابتة والراسخة.
وأي كلام آخر، فإنه لا يعدو أن يكون هذرا لفظيا، وهرطقة فكرية، ولغوا لا طائل منه.

 —-

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 386

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى