أبحاث ودراسات

يسأل سائل وأجيب

في عيدها الـ46 : الجبهة الوطنية التقدمية كما قرأها صفوان قدسي

 

| صفوان قدسي

(1)

الجبهة الوطنية التقدمية، كيف تنظرون إليها، وما هو تقويمكم لها؟.

نحن من الذين يقولون، ويلحون في القول، إن الجبهة الوطنية التقدمية ليست مجرد إنجاز من إنجازات التصحيح، وإنما هي الإنجاز الأكثر أهمية من بين جميع إنجازات الحركة التصحيحية. ولا يقلل ذلك من شأن الإنجازات الأخرى، ففي حياتنا إنجازات كبرى تحتل موقعها الطبيعي من حياتنا الفكرية والسياسية، الوطنية والقومية، الإقليمية والعالمية. لكن الجبهة الوطنية التقدمية، من وجهة نظر موضوعية، ووفق معايير ومقاييس علمية، ومن دون أية مبالغات لفظية، أو عبارات إنشائية، تحتل موقعا متميزا من بين جميع هذه الإنجازات.

وما يدعونا إلى هذا الكلام، هو جملة اعتبارات وحقائق لا تخفى عن العين المدققة.

هناك أولا الحقيقة القائلة إن الجبهة الوطنية التقدمية تشكل إحدى الاكتشافات المبكرة التي قدمها حافظ الأسد إلى حياتنا السياسية، وإلى فكرنا السياسي. وكان حافظ الأسد في هذا الاكتشاف المبكر، إنما يقرأ في كتاب التاريخ، وفي كتاب المستقبل في آن معا. وإذا كان التاريخ، عند حافظ الأسد، هو علم المستقبل، فإن قراءة التاريخ تعني استكشاف المستقبل. وقد قرأ حافظ الأسد التاريخ قراءة جيدة، وبالتالي فإن حافظ الأسد أحسن قراءة المستقبل.

لقد وضع حافظ الأسد أمامه تاريخ سورية، تماما مثلما وضع أمامه خريطتها السياسية، وأمعن النظر فيهما جيدا، ثم أمعن النظر في خريطة العالم. وبحسه السياسي السليم وبقدرته الفريدة المماثلة على الإصغاء جيدا إلى وقع خطى التاريخ، فإن حافظ الأسد اكتشف أهمية التعددية الحزبية والسياسية تماما مثلما اكتشف بأن الحقيقة ليست كلها في قبضة تنظيم سياسي واحد، تماما مثلما اكتشف بأن هناك قوى وتنظيمات وأحزابا وطنية وقومية تستطيع أن تسهم، كل بقدر طاقته، في العمل الوطني والقومي العام.

هناك ثانيا الحقيقة القائلة إن حافظ الأسد قدم اكتشافا غير مسبوق. وكما نقول دائما في أدبيات حزبنا ووثائقه الفكرية والسياسية، فإن حافظ الأسد سبق عصره بالقول والعمل، وسبق عصره بالفكر والممارسة، وسبق عصره بالنظرية والتطبيق، وسبق عصره بالتفكير والتدبير. وحين كان العالم، في كثرته الكاثرة، يعيش على فكرة الحزب الواحد، والتنظيم السياسي الواحد، فإن حافظ الأسد فتح الأبواب على مصاريعها على فكرة التعددية السياسية والتنظيمية، وعلى فكرة التعددية الحزبية. وحين وقعت المتغيرات الدولية، وسقطت أنظمة، وتهاوت أفكار، وانهارت دول، وتوارت نظريات، فإن سورية كانت محصنة من داخلها بتعددية حزبية وسياسية بدأت ممارستها الفعلية منذ البدايات الأولى للحركة التصحيحية، ثم اكتسبت إطارها التنظيمي في السابع من شهر آذار عام 1972 حين تم الإعلان عن قيام الجبهة الوطنية التقدمية، وعن ميثاقها ونظامها الأساسي، وحين تم الاعتراف رسميا بوجود الأحزاب والتنظيمات السياسية التي اكتشفت الجوامع المشتركة فيما بينها، والتي وجدت في الجبهة الوطنية التقدمية الصيغة المناسبة والملائمة لممارسة الديمقراطية.

هناك ثالثا الحقيقة القائلة إن الجبهة الوطنية التقدمية تشكل الوعاء السياسي المناسب لتحقيق وحدتنا الوطنية ولتجسيد هذه الوحدة الوطنية على أرض الواقع من خلال مؤسسات ديمقراطية تستطيع الأحزاب والقوى السياسية المنظمة، ومن خلال هذه المؤسسات، أن تمارس دورها الفاعل والمؤثر على ساحة العمل السياسي الوطني، وأن تعبر عن نفسها وأفكارها وتطلعاتها التعبير الحر والطليق.

وحين نمعن النظر جيدا في هذه الحقبة من تاريخنا، فإننا سوف نستنتج، لا محالة، بأن هذه الوحدة الوطنية أثبتت أهليتها وجدارتها في مواجهة محاولات الغزو من الخارج، والغزو من الداخل في الوقت نفسه. واستطاعت هذه الوحدة الوطنية أن تجعل من سورية دولة منيعة، وقلعة حصينة تستعصي على محاولات أخذها من الخارج أو من الداخل.

دعونا نفكر قليلا فيما كنا عليه قبل التصحيح. لقد كنا جميعا، وبغير استثناء، نعلي من شأن التناقضات الثانوية على حساب التناقض الأساسي مع العدو. كانت تحكمنا علاقات صدامية، بل وعلاقات تناحرية، وكنا نتصارع على احتكار الحقيقة وإلقاء القبض عليها، وكنا نعتمد أسلوبا فاسدا ومعطوبا في تعاملنا مع بعضنا البعض، وهو أسلوب يقوم على حذف الآخر وإلغائه.

مع حافظ الأسد، أمكن الانتقال من حال إلى حال، ومن أسلوب في التعامل مع الآخر إلى أسلوب جديد ومختلف، ومن عقلية تقوم على احتكار الحقيقة وسلبها من الآخر إلى عقلية أخرى تقوم على الاعتراف بالآخر، وعلى الإقرار بأن الحقيقة ليست في قبضة حزب بعينه، ومن حالة من التفكير والتنظير تقوم على رؤية قاصرة وعاجزة، إلى حالة أخرى أكثر رحابة وأشد اتساعا.

(2)

ماذا عن الجبهة الوطنية التقدمية؟.

نحن في حزبنا، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، نقوم بين وقت وآخر بعملية تقويم موضوعية للجبهة الوطنية التقدمية، ونمعن النظر مليا في مدى فعالية هذه المؤسسة السياسية القيادية، ونتوصل إلى ما ينبغي التوصل إليه من استنتاجات، ونستخلص ما ينبغي استخلاصه من دروس مستفادة.

وفي حدود ما هو متاح لنا من القدرة على الرؤية الموضوعية التي لا تقع تحت تأثير أية أهواء ذاتية، فإننا نستطيع القول إن الجبهة الوطنية التقدمية تقوم بممارسة مهامها على الوجه الذي يقرره ويحدده ويرسم إطاره ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي اللذين أعلنا في السابع من شهر آذار عام 1972، مع الإعلان عن قيام الجبهة الوطنية التقدمية.

وحين تستعيد ذاكرتنا السياسية بعضا من وقائع التاريخ القريب، فإنها سوف تستعيد، من جملة ما يمكن أن تستعيد، حقيقة ناصعة في وضوحها، فصيحة في تعبيرها، وهي أن هذه المؤسسة السياسية الكبرى هي التي أسهمت في اتخاذ القرارات السياسية ذات الأهمية الخاصة، بل والاستثنائية أيضا. دعونا نتذكر كيف أن هذه المؤسسة السياسية اجتمعت ثلاثة اجتماعات خلال سبعة عشر يوما فقط، وهي الفترة الممتدة من الثاني من شهر آب عام 1990، أي في اليوم الذي قام به صدام حسين باجتياح الكويت، حتى التاسع عشر منه، وهو اليوم الذي سبق انعقاد القمة العربية في القاهرة لمناقشة الآثار المترتبة على هذا الاجتياح. وقد تمت هذه الاجتماعات بدعوة من الرئيس حافظ الأسد، وبرئاسته شخصيا، وكان كل اجتماع يستمر ساعات طوالا، وكنا نناقش كل شيء، بما في ذلك التفاصيل الصغيرة. وأمكن من خلال هذه الاجتماعات والمناقشات التوصل إلى تقويم موضوعي للمسائل التي كنا نناقشها، وبالتالي أمكن التوصل إلى القرار السياسي المناسب. وبطبيعة الحال، فإن قدرة الرئيس حافظ الأسد على قراءة الواقع السياسي قراءة صحيحة ودقيقة، مضافا إلى ذلك رؤيته الثاقبة، وبصيرته النافذة، وحسه السياسي السليم، وقدرته على ارتياد الآفاق البعيدة، وخبراته المتراكمة، ذلك كله كان من شأنه أن يساعدنا على التحليل المناسب للحالة التي كنا نتصدى لمعالجتها.

أحاول أن أقول إنه في المسائل السياسية الكبرى، فإن الجبهة الوطنية التقدمية، ممثلة في قيادتها المركزية، تقوم بدور فاعل ومؤثر. ولا أظن أنه يمكن عمل ما هو أكثر من ذلك. ولكن ما هو ممكن، من جانب آخر، هو تطوير عمل الجبهة في المستويات الأخرى. وقد قمنا نحن في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، تماما مثلما فعلت بقية أحزاب الجبهة، بتقديم اقتراحات مكتوبة يمكن، من وجهة نظرنا، أن تسهم، بهذا القدر أو ذاك، في تحسين وسائل عمل الجبهة، وفي تفعيل دورها في الحياة السياسية السورية.

(3)

كيف تفسرون ظاهرة الانشقاقات التي تحدث بين وقت وآخر داخل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية؟.

بعض هذه الانشقاقات له أسبابه الموضوعية، لكن بعضها الآخر لا يعدو أن يكون تعبيرا عن أغراض شخصية وأهواء ذاتية. ونحن في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي لم نصل إلى حالة الاستقرار التي نعيشها الآن إلا بعد مخاضات عسيرة كان يمكن لها أن تعصف بالحزب، وأن تأخذ به إلى غير المكان الذي ينبغي أن يكون فيه. في عام 1973، اختلفنا حول جدوى العمل الجبهوي، وكان من رأي القلة القليلة أن العمل الجبهوي لا يجدي، وأن الحل هو خروجنا من هذه الصيغة السياسية. لكن الكثرة الكاثرة لم تشاطر القلة القليلة رأيها، وبقي الحزب يعمل في إطار الجبهة. وفي عام 1980، اختلفنا حول الموقف من الثورة المضادة ورأس حربتها عصابة الإخوان المسلمين، وحاول البعض الانحراف بنا إلى مقاصد أخرى غير تلك التي نشأنا عليها وسعينا إلى تحقيقها، لكن هذه المحاولة أخفقت في الوصول إلى أغراضها، وخرج من الحزب هذا البعض الذي أقدم على هذه المحاولة. وفي الثمانينات، اختلفنا حول الناصرية وضرورة قراءتها قراءة صحيحة بحيث نمسك بثوابتها ونحذف من هذه التجربة القومية العظيمة والرائدة ما لم يعد صالحا للبقاء. وكان من رأينا أن هذه القراءة هي التي تستطيع أن تمنع المحاولات المبذولة لوضع الناصرية في متحف التاريخ من تحقيق أغراضها. وكنا في ذلك ننطلق من كلام بالغ الأهمية قاله جمال عبد الناصر في وقت من الأوقات، وهو أن علينا أن ننهمك في الحياة بحثا عن النظرية، لا أن ننهمك في النظرية بحثا عن الحياة. وبالفعل، فإننا قمنا بهذه القراءة، وتوصلنا إلى ما ينبغي الوصول إليه، لكن الذين اعتادوا على الاسترخاء العقلي، والكسل الفكري، لم يستحسنوا هذه القراءة، وآثروا الأخذ بالنظريات الجاهزة، والأفكار المعلبة، والقوالب الفكرية المسبقة الصنع. كذلك فإن اجتهاداتنا الفكرية والسياسية في مدرسة حافظ الأسد كان من شأنها أن تضعنا، في نهاية الثمانينات، في مواجهة مع الذين لا يجيدون قراءة الواقع، ولا يحسنون التخلص من عقد الماضي ورواسبه وموروثاته، بل وجراثيمه أيضا. وكان من رأينا أن الاجتهاد في مدرسة حافظ الأسد الفكرية والسياسية من شأنه أن يصلنا بتجربة جمال عبد الناصر باعتبار أن هناك وشائج قربى وصلة رحم بين حقبة جمال عبد الناصر وحقبة حافظ الأسد. وكان الشعار الذي رفعناه هو أننا من بوابة جمال عبد الناصر دخلنا إلى عالم حافظ الأسد الرحيب.

تلكم مجرد نماذج من حالات واجه فيها الحزب أوضاعا كان من شأنها أن تجعل البعض يخرج من الحزب ويمضي في طريق آخر غير الطريق الذي اخترناه لأنفسنا. ونحن نعتبر أن كل هذا الذي جرى إنما كان بمثابة عملية تطهير للحزب من كل ما يمكن أن يعيق مسيرته وانطلاقه صوب الأهداف التي ارتضيناها لأنفسنا.

هذه النماذج تمثل حالات انشقاقية ذات أبعاد فكرية وسياسية. وكان من الطبيعي أن يواجه حزبنا مثل هذه الحالات، باعتبار أن نشأة الحزب وبداياته الأولى كانت تعبيرا عن تحالف بين قوى سياسية وشرائح اجتماعية متعددة الانتماءات والثقافات، وكان يجمعها هدف واحد فقط هو إعادة سورية إلى الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر. وحين ظهر بأن هذا الهدف متعذر التحقيق، بدأ هذا التحالف يواجه مأزقا كان من شأنه أن يصنع مناخات صالحة لبروز هذه الخلافات حول مسائل فكرية وسياسية.

هناك بطبيعة الحال انشقاقات أقل شأنا، كانت تعبر عن حالات فردية لا تستحق أن نعيرها أية التفاتة. ونحن نصف ما أفرزته هذه الحالات بأنه استطالات غير طبيعية، ونتوءات شاذة، وما هو شاذ وغير طبيعي لا يستحق منا أي قدر من إضاعة الوقت في تحليله وتفسيره.

(4)

هل يمكن رسم صورة لعلاقتكم مع حزب البعث؟.

نحن نتفق مع البعث في الثوابت القومية، وفي المنطلقات الكبرى، وفي الاستراتيجيات العظمى، وبيننا وبين البعث قواسم كثيرة مشتركة في هذا الشأن. وما زلت أذكر أن أحد المؤتمرات العامة لحزبنا، وكان ذلك عام 1984، قد ناقش هذه المسألة مناقشة مسهبة. وكان عنوان المؤتمر هو: (الناصرية والحركة التصحيحية). وقد انتهينا في ذلك الوقت إلى نتائج بالغة الأهمية قمنا بتثبيتها في أدبيات الحزب وفي وثائقه الفكرية والسياسية. وأضيف إلى ذلك كلاما آخر، وهو أن اجتهاداتنا في الناصرية وفي مدرسة حافظ الأسد الفكرية والسياسية، أسهمت إسهاما كبيرا في بلورة معالم خط الحزب السياسي، ونهجه الفكري والعقائدي، تماما مثلما أسهمت في بلورة معالم بنيته التنظيمية القائمة على أساس سليم ومتين من وحدة الفكر ووحدة الرؤية السياسية. وكان من شأن ذلك كله أن يجعلنا أكثر قدرة على الاقتراب من حافظ الأسد والدخول إلى عالمه الرحيب.

(5)

عرف العمل الجبهوي في ظل الحركة التصحيحية تطورا هاما جعل من الجبهة الوطنية التقدمية تجربة رائدة. كيف تنظرون إلى آفاق العمل الجبهوي؟.

يجب أن نعترف بأنه في كل تجربة سياسية جديدة، شيء غير واضح يمكن أن نطلق عليه اسم البدايات الجنينية.

هذه البدايات الجنينية التي أشير إليها هي البدايات التي لا يكون فيها صانعو هذه التجربة السياسية الجديدة قادرين في وقت مبكر على التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه هذه التجربة، وبالآفاق التي تستطيع الوصول إليها، وبالصيغ التنظيمية التي تملك القدرة على اكتشافها ووضعها موضع التطبيق.

وحين نتحدث عن الجبهة الوطنية التقدمية الآن، فإنما نتحدث عن صيغة متقدمة للعمل السياسي والوطني والحزبي والجماهيري، كانت مملوءة بالتجارب المفيدة، والاجتهادات المثمرة، وتحسين وسائل العمل بصورة مستمرة، وتجويد الأداء بشكل متواصل.

ومع ذلك، فإن هذه الصيغة المتقدمة التي نتحدث عنها تحتاج دائما إلى بذل مزيد من الجهود لكي تكتمل وتتكامل ولكي تستجيب لضرورات العمل الوطني ومقتضيات الظرف السياسي، ولكي تتجاوب مع عالم متغير من حولها باستمرار، ولكي تتعامل مع واقع قابل دائما للتصحيح والتنقيح.

من هنا يمكن القول إن آفاق العمل الجبهوي آفاق واسعة وعريضة. وبقدر ما نبذل من الجهد في سبيل تعميق جذور هذه الصيغة الرائدة والمتقدمة في حياتنا السياسية والجماهيرية، وبقدر ما نعمل من أجل تحسين وسائل عملنا ومن أجل تجويد مستوى أدائنا، وبقدر ما نفكر ونجتهد، فإن بلوغنا هذه الآفاق الواسعة والعريضة يغدو أمرا أيسر منالا.

 

 —-

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 386

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى