أبحاث ودراسات

أوروبا كما رآها كلود دلماس – الجهد الفكري

 

ملذات المائدة، صيد الطيور والفرائس، أنقذا الأسياد من علة الضجر، ولكن نساءهم كن ينشدن اللهو الذي أنعش الحياة الاجتماعية وشحذ قرائح الشعراء، مما حمل المسيحية على الاعتراف بمساواة المرأة بالرجل. على أن الأدب الطالع لم يكن الأول في اللغات الوطنية. فقد بقيت الأغنيات الإيحائية وإن اختلفت لهجته وملاحم الأقدمين. إن القلب والنفس، وهما عدة المرأة، احتلا مكانا مرموقا في دنيا الغزل والنسيب.

وإذا كان أبطال الحروب تغنوا بمغامراتهم العسكرية، فإن الشعراء نظموا القصائد لنساء العصر، وأطلقوا لعواطفهم عنان الاسترسال والخيال وبعثوا عقدا عاطفية ومشاكل غرامية، وفتحوا (كما كان عند العرب) سوق عكاظ توزع فيها الجوائز والألقاب. وبفضل هذه النهضة القلمية، بعثت الأساطير القديمة على نغم جديد ووتيرة حديثة. وفي العام 1200، جدد شاعر وفارس نمساوي كتابة تاريخ سيغفريد وبرنشيد بأسلوب يروق لقراء عصره. وتفوق شعر نيبلنجن حتى أن الأمراء ولعوا بالنظم وبالغناء: ألفونس الحكيم، من قشتالة، كان من أبرز الملوك الشعراء المغنين داخل القصور طبعا، وأشاع فنسلاس هذه الآداب على طول ضفة الدانوب حتى مطلع القرن الرابع عشر. ومما لاشك فيه أن هذا الذوق الأدبي كان حديثا في الغرب. (إن الغرب ولا ريب تأثر بالشعر العربي، ثم حول فيه وحوّر).

وتألق نجم الأدب في القصة العاطفية، وجمع بين الخيالات والحقائق الحاضرة والتقاليد القديمة الدينية، فذاعت غراميات تريستان وإيزولت، وتداول الناس كتب دي غرال بشغف وهيام، وأسماء تروى، واشنباش وسواهما ممن أعلوا شأن الشعر في مدحهم أبطال غرال (يظن أن غرال اسم وعاء حوى دم المسيح). تشعبت أوضاع هذه الفترة وتنوعت، وبينما كان أهالي جنوى يتاجرون بالعطور ولاسيما العنبر والفراء على ضفاف البحر الأسود، وأهالي البندقية يتسوقون من سورية، والمعارض الكبيرة تقام على نمط المعارض السابقة والغرام يضرم البيان، والفلاحون يمطون حدود مزارعهم إلى قلب الغابات. وفي حين كان كل مواطن يعمل عمله ظهرت حركة غريبة مآلها أن معرض (لنديت) امتاز ببيع الأدوات المدرسية. ومعنى هذا أن الظمأ إلى المعرفة في القرن الثالث عشر أصبح عظيما وأنه في ازدياد واطراد، وأنه بحاجة إلى المزيد من الوسائل والوسائط. فالمدارس التي كان يديرها الأساقفة نمت وارتقت، وزحزح عنها كابوس الوصاية على غرار بورجوازيي المدن، طالب المعلمون والتلامذة أن يكون للمدارس إدارة مستقلة وشجعهم البابا، فكانت جامعة باريس في العام 1221.

وسادت الروح الوطنية في أوساط التعليم، وتآخى الأستاذ والتلميذ، وأقبل الطلاب من أنحاء القارة إلى ارتشاف مناهل العلم تجمعهم اللغة اللاتينية. ولم يكن ثمة ميزة لجامعة على أخرى إلا من حيث التخصص. ففي جامعات إيطاليا كان المشترع رولندينو، يعلم القانون الروماني وتعاليم جستينياوس التي عثر على نصوصها في مدينة بيزا في القرن الثاني عشر. واتسعت جامعة إنكلترا وأكسفورد وكمبريدج حتى ضاهت سعة المدن، وحطم الرهبان الفرنسيسكان وصية مؤسسهم الذي كان يكره العرفان، فأسسوا مدارس لعلم اللاهوت، واتفقت ظروفهم المتواضعة وأحوالهم التعسة مع أحوال التلاميذ الذين كانوا هم أيضا من الطبقة المدقعة. وقد طارت شهرة مدرسة الفرنسيسكان في أكسفورد إلى أعلى القمم فأخرجت ثلاثة نوابغ: روجيه ياكون، دنس سكوت، وأوكهام. وجارت أكسفورد جامعة باريس في الرقي وتعليم الآداب والفنون والحق الكنسي والعلوم اللاهوتية. ولكن لاهوت أكسفورد شرع يتحدى روما.

إن نشر آثار أرسطو في الغرب سيطر على الحركة الفكرية في القرن الثالث عشر، وهز قواعد الجامعات، وكان قد شرح لقرن خلا طبيب خليفة قرطبة وهو ابن سينا، فلسفة أرسطو وانتشرت شروحه المترجمة انتشارا واسعا، وأثارت جدلا- الأصول والترجمات- بين فلاسفة المسيحية، فانبرى عالمان في جامعة باريس، الأول ألماني القديس ألبير الكبير، والثاني إيطالي القديس توما الأكويني، يردان على آراء أرسطو وابن سينا، فيأخذان للدين المسيحي ما يصلح أخذه من ذخائر أرسطو مع مراعاتهما أن لا يمس الإيمان.

وتخصصت جامعة مونبليه بعلم الطب، وجامعة تولوز التي أنشأتها البابوية صرفت جهودها لتكون أحد أعمدة الأرثوذكسية في بلاد ألبيجوى، وأما جامعة نابولي فقد فتح أبوابها فريدريك الثاني لإعداد صفوف الموظفين. وازدهرت في إسبانيا جامعة سالامنك، وفي البرتغال أمر الملك (دونيس المنعتق) بإنشاء جامعة لشبونة التي حلت محلها جامعة كومبر، وبفضل الألمان أعيد إحياء تقاليد أهالي كرولنجيا، ولكن الجامعات لم تنشأ عندهم إلا في وقت متأخر، ذلك أن عدم الاستقرار السياسي الذي خيم في ربوعهم أعاق قيام جامعة هايدلبرغ (1386)، وجامعة ليبزيغ (1409). ولكي يوحد بين الشعوب الجرمانية والشعوب السلافية، أرسى شارل الرابع قواعد جامعة براغ (1347) وقلده أرشيدوق النمسا في فيينا وملك بولونيا في فرصوفيا.

أما في الشرق، فكان ثمة حواجز وسدود، فالفتوحات التركية حالت دون تقدم العمران، وبعد أن انتصر الترك في كوسوفو، أخضعوا الصرب ثم البلغاريين، وطوقوا بيزنطة فوقعت في قبضتهم سنة 1453، وفي جوار القديسة صوفيا في الأستانة التي تحولت إلى جامع، نهضت أربع مآذن تمجد الله الأوحد.

وعرفت بولونيا في مناطقها الشرقية فترات عظمة وعلاء، وكانت قد تنصرت على أيدي البيزنطيين.

وفي القرن الرابع والقرن الخامس، بنى كازمير الكبير وسلالة جاجللون صروح المجد لبلد عصري مثالي.

ولقد غدت كراكوفيا مركز جامعة أشرقت أنوار معرفتها في سماء شرق أوروبا، ونشرت ثقافة غربية، بينما كانت حكومة بولونيا تبني على أسس مؤقتة مبدأ حرية الفلاحين وحقهم في التملك. وهنا يبدأ الانفعال الإقليمي، فدول إسبانيا المتحدة سنت لنفسها نظاما ديمقراطيا: بزوغ عصر جديد!.

وفي ذات الوقت، أحيا دانتي أليجياري الآداب الإيطالية، ولكنه ظل في ذهنية رجل القرون الوسطى بعكس خلفه بيترارك المعدود بطل البعث إلى جانب جيوتو الذي كان يصور الرجال لا أشباه الرجال.

كانت عدوى النهضة والخلق قد تغلغلت في إيطاليا، لأن فرنسا في محنة، ومثلها إنكلترا، وقواهما في استنزاف. إن رامي النبال الذي خلده الأدباء كشهيد القديس سيباستيان وقد حكمت عليه الكنيسة، انتصر على الشاعر وعلى الكاهن وعلى الفارس.

—-

* نشر هذا البحث في صحيفة الميثاق، العدد 387

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى