أبحاث ودراسات

أوروبا كما رآها كلود دلماس – ثورة العمال (البروليتاريا)

في منتصف القرن التاسع عشر، عاد العمال إلى ضمائرهم وإلى تعاليم الماركسية، وإلى فصل العالم المسيحي عن عالم العمل، فوضعت الملاكات الاجتماعية بدلا من ملاكات الحضارة الصناعية، ولم ينفك نفوذ الرأسمالية الاقتصادي والسياسي عن التوغل والانبساط، ثم جاء التصويت العام يشرك الجماهير بالحياة السياسية، بعد أن كانت وقفا على بعض أندية وبعض محظوظين وعلى بعض أحزاب ووجهاء كانوا في عراك دائم مع الأحزاب الشعبية.

إن تباطؤ الهجرة الريفية جعل الاحتياطي من سكان الحقول يتجمعون في أماكنهم حتى الاختناق، في وقت انفراج أزمة الغذاء وتحسين وسائل النقل وتعديل قاعدة الضرائب. وهذا الانفراج من جراء تخفيض الضرائب أفاد منه تزايد السكان، ولكن جباية الضرائب شملت الجميع، جميع الفئات الاجتماعية كل بنسبة ثرواته وموارده.

وشغل بال المزارعين شبح البطالة والبؤس ولاسيما أن الزراعة وقعت في براثن الرأسمالية.

ماذا حل بالجماعات الزراعية المرغمة على الرحيل والهجرة؟.

لقد فرض المجتمع الحر على المزارعين نوعا من التبعية لا تلحقهم بالمجتمع، بل تقصيهم عنه. مثلما فرض قيام أجرة العمل على مبدأ العرض والطلب.

إن العامل كان يتمتع نظريا بذات الأوضاع التي كان يتمتع بها جميع المواطنين. ولم يكن وضعه المادي يختلف عن وضع سواه. إن وضع العامل لم يكن يقاس بمستوى الأجر بل بفقدان الاستقرار في عمله، بمعنى أن عامل المعمل كان يختلف عن سائر العمال في القطاعات الاجتماعية ليس فقط من ناحية مستوى حياته، بل من ناحية طراز حياته، وليس من ناحية شروطه المادية بل من ناحية شروطه الاجتماعية. على أنه أي العامل كان محتفظا بمشاركته الحقوقية في الحياة القومية، لكونه كان يقترع وكان ينتفع من حماية القانون، وكان مساهما في الحياة الاقتصادية لكونه كان يعمل لخلق الثروات لقاء تعويضات مستحقة. ولم يكن يشترك بالحياة الاجتماعية لأن قيم المدنية كانت من صنع غيره، وكانت قد سنت من أجل غيره. ولم يكن يفقه من الحياة الاجتماعية ومن مفاهيمها سوى قشور شاحبة ولوحات متخلفة ملائمة لاستعماله ومزاجه. وهكذا وجد العامل نفسه منفصلا عن لب الأمة التاريخي عائشا على الهامش، في مسكن يذكره بالتشرد والاعتقال!.

إن كانت الماركسية قد استطاعت أن تخلق نصا (للحضارة البورجوازية) و(للقيم البورجوازية)، فلأنها كانت تخاطب أقواما أحيت بصدورهم ذكرى النفي، وهو نفي أوجبه المجتمع الذي كان بحاجة إليهم.

هل علم تكوين المجتمع معقد كما تزعم الماركسية؟. إن نظرية ماركس ظهرت في وقت كانت تستفيد فيه من مختلف عقد المظاهر. فما معنى كلمة (تحتم)؟. معناها أن الوجدان الذي اعتمده العمال نظرا لأهميته في المجتمع سوف يتحول إلى وجدان محدود وإلى مرتبة ثانوية من حيث أي نشاط يدوي.

إن الماركسية الخاطئة في تفسيرها التاريخي وجدت نفسها صادقة في اعتمادها مبدأ القوة، فالجماعات الشعبية لم تقتلع من أماكنها، فالملايين من الرجال نزعوا نمط حياتهم التقليدي، وانضووا تحت لواء نمط جديد، ولما طردتهم الطوائف المنظمة، خلقوا أوساطا تعاونية. وإذا هم ساندوا الحركات الغوغائية فليس لأن هذه الثورة كانت هي الأخرى تقف إلى جانبهم، بل لأنهم وجدوا فيها محيطا وبيئة لهم، وصلات فصمت عراها شهوة الأرباح وطمع المكاسب. وكانت الكنيسة إحدى أعمدة هذا المجتمع المنظم الثائرة عليه الجماعات الشعبية المقصية عنه. ولم تجب الكنيسة لا بدافع سياسي ولا بدافع فلسفي عن السؤال المطروح سوى بصمودها تجاه الأسئلة التي يطرحها انشقاق العالم. وهذا ما يفسر قوة الأحزاب الشيوعية في البلدان الكاثوليكية في حين أنها غير قوية في البلدان غير الكاثوليكية، وعلى الأخص في البلدان البروتستانتية، مهما تكن أوضاعها الاقتصادية.

وعندما وجد العامل أنه مبعد عن مجتمع تدعمه الأوساط الكاثوليكية، انضم إلى إكليروس آخر مستكمل التكوين، شديد المراس، ولكنه يسهل الحياة إيجابيا لا عن طريق العناد والخضوع. فالشيوعية ليست هرطقة إلا في نظر رجال الدين التقليديين، أما بالنسبة إلى الدين نفسه فهي ديانة.

لقد تمكن الإنسان من إطالة عمره، واستطاعت العائلات أن تضمن لنفسها مصيرها من غير لجوء إلى العناية الربانية. إن رجل أوروبا يؤمن بتفوق أوروبا. فالآلة التي برهنت على فوائدها في علم الفلك، توجت أميرة المعارف العلمية. إن العالم (غوس) جدد الأصول الحسابية، وأن نظريات (كنت) ما ظهرت حتى طلع أحسن منها، ولم يفتح المجتمع ذراعيه للعلامة صاحب القلم الرشيق، بل فتحها بوجه المهندس الذي يخلق الثروات.

والحساب القياسي صان الحساب العددي من الخطأ. كما أن العلم أوجد فلسفة وأخلاقا مستقلة عن الله. وركز الحق والقانون المواطن في مقام لائق في دنيا الاقتصاد. على أن ما من فن أو قانون كان في وسعهما ضمان السلام الاجتماعي.

 

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 387

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى