أبحاث ودراسات

أوروبا كما رآها كلود دلماس – مولد الرأسمالية

 

إذا كان (ميشليه) يسمي القرن الثامن عشر بالعصر الكبير، فإن (رينان) احتقره قائلا: (إنه إذا أطلقت فيه حرية التفكير فإن التفكير كان ضئيلا، وليس فيه ما يستحق الذكر). قد يكون إطراء (ميشليه) لا تؤيده الحوادث تأييدا مطلقا. أما (بول هازار) فقد رأى بين 1670 و1700 أفكارا يتباهى بمثلها عصر النور. إن (رينان) بالغ في حكمه المعاكس، والاكتفاء بأقوال المؤيدين والمعارضين يضعنا في مجال ضيق، لذلك لا مندوحة عن التطلع إلى الأعماق وإلى الجوانب فنرى أن القرن الثامن عشر كان مسرحا لثورة مالية كبرى هي حصيلة قرنين سابقين إلى جانب ثورة صناعية، ثورة الآلة.

كان الاعتقاد أن المدنية المعاصرة ترجع إلى عهد الانقلابات الاقتصادية التي حدثت في إنكلترا بين 1760 و1832، أي بين جلوس جورج الثالث على العرش والموافقة على قوانين إصلاح التاج. ولكن لماذا عزوا المدنية إلى إنكلترا وإلى انقلاباتها؟.

إن نهاية القرن السادس عشر يسجل نقطة خطيرة في تاريخ أوروبا الاقتصادي. أولا إن الإسبانيين فقدوا سلطة الإشراف على المعادن الثمينة الأمريكية. وبينما بلغت مخزونات هذه المعادن في القرن السادس عشر ثلاثة أضعافها، لم تبلغ في القرن السابع عشر سوى الضعفين في حين ازدادت الحاجة إلى نقد للتبادل التجاري، وجاء تدني أسعار المنتجات يزيد سوءا إلى سوء فقدان الاستقرار الناتج عن فساد أصيل.

ثم توقف ارتفاع الأثمان ثم هبطت، وتوالت حالات التضخم ووهنت الوثبات الاقتصادية وجهود الرأسمالية، فراحوا يبحثون عن وسائل تقنية، في جو اضطراب الأسعار، ففي كل بلد تدهور وهبوط وتعرقل وفتور وتفكك، من الصعب تحديد أسبابها لأنها كانت خفية سرية، فهل الحروب هي التي أساءت إلى الاقتصاد؟. كلا، إن الأصح أن تنسب هذه النكبات إلى الأحوال الجوية، وإلى التلاعب بالنقود، وإلى كثافة السكان. والخلاصة أن القرن السابع عشر كان عصر أزمات كثرت فيه المشكلات الاجتماعية، بينما كانت إنكلترا تواصل سيرها في تنمية الرأسمالية القائمة على عظم تجارتها البحرية: زيادة التبادل التجاري الخارجي في عامي 1610 و1640، سن أنظمة اقتصادية مرنة، إتقان الأساليب الزراعية.

إن ثورة القرن السادس عشر الصناعية لم تنقطع عن السير.

إن الكنيسة حرمت الربا، في حين كانت هي تستقرض بفوائد فاحشة، وتستعين بالمصارف والشركات المالية، ثم كانت تمنع القروض على رهونات، وإن كانت لا تمنع الاستقراض الكبير، في حين كانت مبدئيا تكافح دخل الرأسمالية. وكانت تحبذ المقايضة: سلعة بسلعة، أو سلعة بمال، يشترى به سلعة أخرى، ولا تحبذ الطريقة الماركسية، إن في التجارة وجوها سليمة، ووجوها ينكرها السلام وتعتبر خطيئة مميتة، ومع هذا فقد شقت الرأسمالية التجارية طريقها، لأن الإنسان- كما حدث في الإقبال على تعاليم كلفن- يميل إلى البحث عن عناصر المسببات والمولدات.

إن الديانة التي استصلحت، أصلحت بدورها الخلق الاقتصادي. لقد كانت تخشى تراكم الثروات، ولكنها كانت تحارب سوء استعمال الثروة لا تجمعها، وحكماء إنكلترا المجددون حاولوا الجمع بين روح الأعمال ومقتضيات العقل، ومن هنا نشأ مبدأ المنافسة والصراع، فما هي العلاقة بين تنمية الإنتاج والأهداف البروتستانتية، وهل المذهب الكلفني هو أب الرأسمالية العصرية؟. إن الصراع قديم جدا. فحسب رأي تاوني، لم يكن البروتستانتي سوى (الخميرة) وسوى (الحافز)، فثمة عوامل لعبت دورها بشأن استعمال الوفر، والتوظيف المالي، والتوسع الاقتصادي، لأن علم النفس تطور بعامل تجمع الصدف وائتلاف الظروف، وأثار تصاعد دخل المشاريع شهية رب الالتزام والمقاول، وتاريخ القروض يثبت أن عهد الازدهار هو عهد (المال الغالي الأجر).

وآمن رجال الأعمال بفوائد التعاون المشترك، وآتتهم أحوال ملائمة، فشجعوا توظيف الأموال ونشطوا الإنتاج وضاعفوا حجم الإنتاجية، وتوسعوا في التبادل. وكانت المكاسب في القرن السادس عشر وليدة ارتفاع عام في الأسعار. والازدهار الاقتصادي من صنع التوسع التجاري ووفرة توظيف رؤوس الأموال ولا صلة لهذه الحالة الزاهرة بالاعتبارات الروحية أو بمساعي فكتوريا أو بتوصيات الأنانيين الرماة عن قوس المنافع بخاصة. إن سبب الرخاء عائد لا إلى جماعة المحتجين بل إلى تطور الأسعار!.

على أنه يجب التمييز بين الحادث الأدبي الذي هو ولادة مثل عليا والحادث الاجتماعي الذي هو انتشاره وشيوعه. كيف تربع المحتجون على سدة التاريخ؟. عندما عجزوا عن شرح الاقتصاد شرحوه اجتماعيا، فهل في المستطاع عزله عن الطبقات التي ترعرع في وسطها؟. لقد كان العقل ينظم المجتمع، ولكن كان ثمة مجتمع ينظم العقل.

في كتاب البروتستانتية والرأسمالية يعتبر (ماكس ويبر) أن الكلفني غير المطمئن إلى انتخابه كان يفتش عن ازدهار أشغاله المثمرة، وحيث أنه لم يكن واثقا من نجاحه لينصرف إلى الراحة، عمد إلى تشغيل أمواله مرات عديدة، وجني أرباح عظيمة بطريقة حسابية دقيقة.

إن ويبر لم يفكر بدحض الماركسية بمعارضتها بنظرية تاريخية للمثل العليا. إنه ثار على مبدأ نشر فلسفة مطلقة التفسير، وعلى زندقة التاريخ على يد الاقتصاد.

ليس من الثابت أن الصيارفة لجأوا إلى جهاز معقد، وقد كان من اليسير لهم حسم أوراق صيرفية لتجنب الدفاع عن الكنيسة، ولكن من العدل التسليم بظاهرة هي أن التجار الصيارفة لم يكونوا يقومون بأعمال الحسم أي القرض، وإنما كانوا يغطون القروض بستار الصيرفة على أنها استبدال نقد بنقد وهما عملان مشروعان.

لقد أهمل الناس طويلا حكمة الأسياد الاقتصادية وأثرها على سوق الرأسمالية. وماذا كانت تعني هذه الحكمة بقولها: الربا المعتدل؟. إن مستوى الربا لم يكن منسقا بل كان السعر هو ما تفرضه منافسة السوق.

إن المذاهب المدرسية لا تمنع نمو المصرف، ولكنها تغير صفة عمله بتحريمها الذين بفائدة، وسماحها بإبدال عملة بعملة من مكان إلى مكان. وبهذا أتاحت للمصارف أن تمارس مهنتها من دون أن تحيد عن نواهي الدين السائد. ويستدل من الاستهلال التضرعي الذي كان يتوج دفاتر الحسابات أن أرباب المصارف كانوا متدينين شأنهم شأن سائر الشعب. وهكذا كانت الفلسفة الدينية تلائم مشاريعها فكانوا يوفقون أعمالهم ومتطلبات الضمير.

وبين العادات والمصطلحات المطبقة عندهم واحدة لعبت دورا جوهريا، فلولا الرأسمالية ولولا التسهيلات المالية لما بلغ الازدهار الصناعي هذا الحد الرفيع. إن رؤوس الأموال أخذت تتراكم وتتضخم، وأساليب الدفع تتزايد والتجارة البحرية وتجارة المستعمرات أرصدتا رؤوس الأموال في أوروبا الغربية التي أصبحت مستودع الودائع الذهبية والفضية العالمية، ومع هذا لم تكن هذه المعادن كافية لتسديد المدفوعات نظرا لبطء تداولها، هنا أتقن الفن الصيرفي. فبين عامي 1275 و1350، قام نوع جديد من العقود مجهول في القانون الروماني: عقد المبادلة، الذي كان من شروطه في مطلع عهده أن يسجل لدى الكاتب العدل. ثم اكتفي بكتاب اسمه (كتاب المبادلة) له صفة التنفيذ والاعتبار. ثم أفضت طريقة التحويل إلى جعل (كتاب المبادلة) سندا قابل القبض والحسم.

من روح هذه الأنظمة استمد الجهاز المصرفي العصري قواعده وأسسه!.

إن القرن السادس عشر لم يزحزح أسس سوق العملة زحزحة جسيمة، فالمصارف ظلت تتاجر بالنقود وتغامر بالرغم من معارضة الأنظمة الكنسية لكثرة صفقات الحسم، والعدول عن التحويل وعرقلة حرية تداول السندات التجارية، فالتبديل الجوهري هو الذي حصل من جراء إطلاق حرية التحويل وحرية الحسم، فالأصول المالية العصرية يبزغ فجرها من القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر.

قبل المسيحية، اضطرت البروتستانتية إلى التنازل عن أشياء كثيرة لروح العصر. ففي إنكلترا درج تحويل السندات التجارية. وكانت المبادلات محفوفة بالشبهات في المحافل الحكومية وفي الأوساط الشعبية، وهي تهمة موروثة. امتدت الحركة بامتداد التجارة والصناعة، بعد معاهدة أتريش سنة 1713، ومعاهدة باريس 1763، إذ وزع مصرف أكوس فوائد بنسبة 20%، وامتازت لندن على أمستردام، واكتظت الأسواق بالشركات المساهمة، وأصدر جون أفريك في 26 آذار عام 1714 أول مجلة مالية. وكانت فرنسا قبل (جون ليه) قد طبقت نظام الشركات المساهمة، والسهم لحامله، والبيع على آجال، على أن حاجات الدولة التجارية كانت أعظم وأوفر من حاجات التجارة الكبيرة، ذلك أن الدولة مهددة بالإفلاس من جراء الحروب التي شنها لويس الرابع عشر، والتي نبهت أفكار (جون ليه). إن العملة لم تكن في نظر هذا الأخير سوى أداة مبادلة، فالمعضلة كانت تدور حول تبادل العملة وهذه الفكرة كانت جازمة، والإصلاح لم يكن مدينا بشيء إلى العقل الفلسفي. إن فريدريك كان يهزأ بمونتسكيو وبفولتير وروسو، مثلما كان يسخر بأتباع سقراط القائلين بإنشاء الثكنات وتوزيع العلف والبذار والماشية.

—-

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 387

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى