أبحاث ودراسات

أوروبا كما رآها كلود دلماس – وطن الأب أو وطن الابن

 

غداة الحرب العالمية الثانية، تساءل بعضهم: هل من الحق التحدث بالدفاع عن أوروبا؟. إنهم كانوا يقيسون هذه القارة بما أسموه الوطن: بلد الآباء، واستفهموا عما إذا كانت أمريكا وروسيا وطن الأولاد وهي الأرض التي كان (نيتشه) يتوق إليها. عوامل سياسية دخلت في الحساب، وتناسى الكثيرون كلمة (أرنست لافيس):

(إن القدرة على تسيير خطى التاريخ غير أبدية. فأوروبا التي ورثت هذه القدرة عن آسيا من ثلاثة آلاف سنة، لن تحتفظ بها دائما).

كما تناسى القوم كتاب (ألبير دومانجون): أفول أوروبا وغروبها.

بين أمريكا وروسيا كانت أوروبا منطقة حرام. ولكن في هذه الفترة علت صرخة الروح الأوروبية، صرخة تناولت السلاسل التي تربط (أينشتاين) بـ(أوقليد)، و(هيغو) بـ(هومير)، وبينما الثقافات الشرقية لا تمتاز بالاستمرار والدأب والمواصلة، ولا تؤمن إلا بالحاضر وبالخلود، ولا تسعى إلى التوفيق بين الوجود والعدم. كانت الثقافة الأوروبية منقادة بحب الجري والبحث، تسيطر عليها فكرة الإنسان لمعرفة ما من شأنه أن يحييها أو أن يميتها.

وهذا ما يعلل كون الماركسية لم تعش العقيدة وإن كانت قد حافظت على قيمتها كأسلوب تقارب بين القضايا الاقتصادية والسياسية. إن في الماركسية مضمون القدر المحتم، وفورة الإرادة. وفي عام 1917، تغلب القضاء المقدر على الإرادة (الأول حتمية التاريخ والثانية إرادة الإنسان في تدبير نفسه بنفسه).

وتساءل الناس أحقا مات الإنسان بعد أن نادى (نيتشه) نداء مفجعا أن الله قد مات؟. ونادى أندريه مالرو (في نهاية القرن التاسع عشر: إن صوت (نيتشه) استعار العبارة القديمة التي انطلقت من شبه الجزيرة: الله مات، ثم أعطى هذه العبارة نبرتها المفجعة، لقد عرف القوم ما معنى هذا القول. إن معناها نشوء مملكة الإنسان. أما نحن فالسؤال المطروح علينا اليوم: هل الإنسان مات أم لم يمت على أرض أوروبا العريقة في القدم؟. إن فوق ما نرى، وفوق هذه المدن الخيالية والمدن الأثرية، يغمر أوروبا وجود أوهى وأفظع، ذلك أن أوروبا المكتسحة والدامية ليست بأحسن حالا من جبين الإنسان المجروف الدامي الذي شاءته أوروبا جميلا رائعا).

ومن غير عناية بالجانب التجميلي، حاول (ألبير كامو) أن يخلق رجلا على مستوى الرجال يشاطرهم حياتهم. أجل إن هذه الأسئلة كانت مطروحة قبل الحرب العالمية الثانية.

إن اكتشاف نبتون على يد (لوفيريه) عام 1846، سجل لدنيا العلم وأهدافه أسمى ذروة في الارتفاع: أنطق الكون بالرسوم والحركات بمقتضى البرنامج الذي رسمه ديكارت، وحسب تفسير الكون الميكانيكي الذي قرر سطوة المادة وبوأها المقام الأعلى.

إن نظرية (أينشتاين) ثم نظرية (كانت) والعلاقات المضطربة لصاحبها هايزنبرغ، واستنتاجات لويس دي بروغلي، شيدت هذا الصرح الباهي. هذا ولا نكران أن الدروس اللاحقة أبانت أن التردد ما هو إلا نتيجة افتقار وسائلنا إلى المعرفة وإلى الآراء، على أن الدروس الجرثومية ودروس الأشياء أضيفت إلى دروس الاختصاصيين بالعلوم الإنسانية المتجددة منذ السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، وزرعت الشكوك في النفوس، ولم تقع الحرب إلا وأزمة الفكر سائدة في الجو.

وبدا أن جوهر القيم الأوروبية لا يكمن في الرأي القائل بنكران الوحي، ولا هو من صنع الرقي، بل أنه صدى إرادة وضمير ورغبة في الاكتشاف. فالحضارة الأوروبية نهضت على إيمان الإنسان. ولوثوق الأوروبيين بأن الفلسفة الإنسانية هي التي ترافقها الفواجع، جابهوا العالم المجهول الذي فتح الطريق أمامهم على تعاقب القرون. كان الموت الواحد يجني رقاب البشر، ولكن هؤلاء نهضوا من عثارهم وتوزعوا ليلا، حسب قول (مالرو) ليبشروا بما في العالم من معضلات وفوضى، ولينقلوا اكتشافاتهم بدلا من أن تبقى أسرارا خافية، وليحاولوا أن يؤسسوا بانتصارهم الموت عالما زائلا، وليعلموا أن الإنسان لا يولد بمحض عزمه بل بالتفاعل مع العالم. قال (مالرو): (سيأتي يوم بعد أن يكون المؤرخون عالجوا فيه بيزنطة وروما وغزوات البرابرة وجميع الفواجع التاريخية التي عمت أنحاء العالم، إن هؤلاء المؤرخين يعتبرون أن الأزمات لا تمثل إلا شيئا ضئيلا إلى جانب الروح الثائرة التي تخاطب الأشباح المهددة والضاغطة عليها بقولها: إننا نستعملك مثلما نستعمل سواك لكي ننقذ الإنسان من التراب).

في نظر المؤمنين إن حوار فلسفة التحول ونظرية البعث تتحدان بصوت إلهي علما منها بأن كل ما في الإنسان من سمو، ملك القوة الربانية. أما غير المؤمنين فإن الحوار يتحد مع صوت إنساني علما منهم أن كل ما في الإنسان من سمو هو ملك الإنسان. إن تاريخ الحضارة الأوروبية يعتصم بالقطبين.

 

—-

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 387

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى