مقالات

البقرة في الشرق وضرعها في الغرب

| صفوان قدسي

(1)
بعض منا يهرف بما لا يعرف.
من ذلك مثلا أن هناك من يمضي بعيدا إلى حيث لا ينبغي له أن يكون، فيقع في وهم أو توهم بأن أوروبا هي مدرسة كبرى ليس للديمقراطية فحسب، وإنما أيضا للحرية والإخاء والعدالة والمساواة، وما إلى ذلك من شعارات أطلقتها ثورة 14 تموز 1789 التي حاولت الانتقال بفرنسا من عصور الظلام والإقطاع، إلى عصور التنوير والإبداع، فكان ذاك الذي كان من عصور الاستعباد والاستعمار وما إلى ذلك من مفردات قد لا يتسع له قاموس يميط اللثام عن ما يختبئ وراء هذه المفردات من معان ودلالات.

وإذا كانت فرنسا، وهذا مجرد افتراض، تختصر أوروبا وتختزلها، فإن أوروبا لم تترك بلدا، ولا حتى قارة، إلا واستعمرتها وأذلتها وسلبتها ليس حريتها واستقلالها فحسب، وإنما أيضا ثرواتها التي صنعت في نهاية المطاف ذاك التراكم الذي كان من شأنه أن ينتهي إلى بناء نظام اقتصادي أطلقوا عليه اسم الرأسمالية.

ولعل من المباغت للقارئ غير المتبحر أن يقرأ مثلا كيف أن الكثرة الكاثرة من دولها، الصغيرة منها مساحة وسكانا، والكبيرة، أبحرت إلى ضفاف غير ضفافها، واحتلت واستعمرت وسلبت ونهبت، وما إلى ذلك من أوصاف لا تعد ولا تحصى.

(2)

وحين أتكلم على الصغيرة منها، مساحة وسكانا، فإني آخذ مثالا على ذلك دولة في حجم بلجيكا ذات المساحة التي لا تتجاوز الثلاثين ألف كيلو متر مربع إلا قليلا، احتلت واستعمرت وسلبت ونهبت دولة أفريقية هي الكونغو التي تقدر مساحتها بما يزيد على خمسة عشر ضعفا من مساحة بلجيكا، وكان ما كان من مناجم المعادن الثمينة، وفي المقدمة منها الماس الذي نقلته بلجيكا إلى المصانع التي صقلته وحولته إلى سلعة أسست لبناء بلجيكا الغنية.

ومثال ثان هو دولة في حجم هولندا التي لا تزيد على الأربعين ألف كيلو متر مربع إلا قليلا، والتي حذت حذو بلجيكا وانطلقت، بحسبانها دولة بحرية، إلى أقاصي الشرق حيث إندونيسيا التي تزيد مساحتها على مساحة هولندا بأكثر من خمسين ضعفا، وتشكلت الصورة الافتراضية، وأعني بها البقرة الحلوب الموجودة في إندونيسيا، وضرعها الذي يدر حليبا، الموجود في هولندا.

ومثال ثالث هو البرتغال التي تبلغ مساحتها حوالي 92 ألف كيلو متر مربع، والتي مضت في اتجاه أنغولا التي تبلغ مساحتها أكثر من ثلاثة عشر ضعفا من مساحة البرتغال، وبقيت فيها ردحا من الزمن. والأغرب من ذلك والأعجب، هو إقامتها في (ماكاو) في الصين.

(3)

وإذا كان هذا هو حال دول أوروبية ثلاث، ربما هي الأصغر مساحة من معظم الدول الأوروبية، فكيف هو حال دول أكبر مساحة، وأكثر سكانا، صالت وجالت حتى قيل في بعض منها كلام مفاده أنها البلاد التي لا تغرب عنها الشمس، وحتى قيل في شبه القارة الهندية إنها درة التاج البريطاني، هذا التاج الذي ذهب أسطوله عميقا في بحار ومحيطات أوصلته إلى جزر (فوكلاند)، الأرجنتينية، وأعادت احتلالها بعد مدة قصيرة من استعادة الأرجنتين لها.

(4)

تلكم مجرد أمثلة ونماذج. وفي جعبتي الكثير الكثير من المزيد والمزيد، لكن هذه الصفحة لم تعد تتسع لمزيد من هذا المزيد.

—–

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق، العدد 387

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى