أبحاث ودراسات

تاريخ الحضارة الأوروبية

أوروبا كما رآها كلود دلماس

(ليس المؤرخ من يعلم، إن المؤرخ من يبحث، وإننا لباحثون)
                                                                             لوسيان فيفر

السائد في أذهان الرأي العام أن الحضارة الأوروبية موروثة عن اليونانيين والرومانيين واليهود. إن هذا صحيح، فمن العبث أن ننكر تلك القربى الروحية المتسمة بالحتمية، ولكن الخطأ بأنه حقيقة مطلقة وواقع جازم. إن هذه النظرية تكتفي برد الحضارة إلى قيمها المعنوية وتفسح المجال للاعتقاد بأن الحضارة الأوروبية ما تطورت إلا في إطار لاهوتية القوى الثلاث: اليونانية والرومانية واليهودية، وتجعل من أوروبا مجرد فكرة ليس إلا.

أجل لن يدور في خلدنا أن نجحد عظم الانتفاضات النابعة من التاريخ القديم، ولكن الاقتصار على اعتماد هذا الشيء معناه إغفال جملة نواح من البحث، من مثل المغامرات الكبرى وليدة القرون الوسطى، والاكتشافات الجسيمة التي جاء بها القرن العشرون، روحية كانت أم مادية، والثورات التي تذر قرنها في يومنا هذا، وأخيرا الأدوار التي تلعبها البورجوازية، وطبقات الشعب الوسطى، وانبعاث الحركة العمالية والانقلاب الصناعي.

إن ثمة سؤالا ينبغي طرحه في بدء هذا البحث: على أي نطاق تاريخي، وعلى أي مدى من التفاعل مع الاستمرار والانقطاع، نمت الحضارة الأوروبية في مطلع عهدها؟. إن هذا التساؤل يبدو في نظرنا أكثر خطورة من توحيد أوروبا التي كانت خيالا من الخيالات، فإذا بها اليوم قمة الفلاح من حيث انتفاعها بالفحم والصلب والمواد الخام والأوراتوم والسوق المشتركة. إن الأوروبيين جادون في اكتشاف أوروبا العصرية ويسهم في هذا العمل أهل الرأي والفكر، حتى أن النزاع فيها أفضى إلى دراسة أجهزتها وكيانها ووسائلها الدفاعية وإلى خلق الحلف الأطلسي، فتبنت الجماهير مشاكلها الحيوية، وتنبه الناس إلى صوت الضمير، وتنادوا إلى إحياء وجدان أوروبي لا يقتصر على تفسير المفاهيم الفلسفية وتحليل الآراء السياسية.

ففي حدود أي تيار من تيارات الحضارة، يجب وضع هذا الضمير الأوروبي وتركيزه؟.

قد يميل البعض إلى الأخذ بأسطورة أوروبا ابنة الملك الفينيقي (أجينور)، بينما ينصرف البعض الآخر إلى استجلاء الحالة التي كان عليها الإنسان الأوروبي قبل اكتشاف الحرف، وإلى المقارنة بين النجوم والكواكب الطالعة في هذه السماء أو تلك، زهرة أركوتسك أم زهرة ويلندروف، أو المفاضلة بين فن لاسكو والتصوير الإسباني، أو تمجيد هياكل وأنصاب عريقة.

من المفيد التذكير بأن أوروبا إذا كان قد قطنها أناس قبل عصر الجليد، فإن الزراعة الأولى واتخاذ الأرض أشكال حقول ومزارع لم يتحققا إلا في عصر الإتيوليتي.

بأي شيء مدينة أوروبا لليونان؟.

إنها مدينة لروما ولإمبراطوريتها بالقالب، أعني بالشكل، ثم بخط مفهوم حدد معالم الإنسان والمجتمع، وأخيرا بفكرة سياسية حقوقية وسياج متين. وإذا كانت الإمبراطورية الرومانية لم تخلق أوروبا، فقد هيأتها للمسيحية: النفس وجوهر الحضارة.

على أن الاعتراف بهذه الحقائق لا يفض المعضلة. فالسؤال: ما هي الحضارة الأوروبية؟. وهو سؤال يتلاصق وعبارة لوسيان فيفر: إن التاريخ لا يعرض على الناس كتلة من الحوادث المبعثرة. إن عمل التاريخ هو تنظيم هذه الحوادث وشرحها وإعطاء كل حقبة من حقبه ما تستحق من الانتباه والأهمية. إننا نستخرج من الماضي ما نستخرج ونجمعه ونرتبه على قاعدة وأساس. إن استنطاق الموت يكون على قدر سبر الحياة، فلا تاريخ بلا تصميم عمل وتخطيط منهج. يقول ماجندي: إنني أتنزه هنا كلاقط الرقاع، وأجد في كل خطوة أمرا عجيبا أخزنه في جعبتي. إن العالم الفرنسي (لابيك) يعارض زميله (داستر)، فالحقيقة بنت البحث. فإذا جهل الإنسان الشيء الذي يبحث عنه، وقع على شيء لا يعرفه!.

ليس علينا أن نتجاهل الوقائع ولا الأشخاص، إن هذا التجاهل خطأ فادح. وعلينا التأكد أنه ليس في الحياة رجال منطوون على أنفسهم، وأن جميع النشاطات الفردية تنصهر في الأحداث الاجتماعية المتشعبة المسالك: أحداث متزاوجة متلاصقة كما يقول علماء الاجتماع. وهذه الأحداث ترتدي أشكالا ووجوها وأحجاما ومعان متباينة.

ليست المشكلة في تجاهل الفردية بحجة أنها مغلقة على ذاتها، بل يجب تخطي هذه الفردية وتعريتها من القوى الكامنة فيها، وإحداث ردة فعل ضد التاريخ القائم على أعمال بضعة أبطال أفذاذ. إن (تراشكي) يعتقد: إن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ. ويجيبه (فرنان بروديل): والتاريخ هو الآخر يصنع الرجال، التاريخ العميق، الصامت المفغل، الذي يفرض معالجة الحقائق الاجتماعية بحد ذاتها، أي الصور العريضة للحياة التعاونية، وللاقتصاد العام، والأنظمة والدساتير والحضارة. إن التاريخ من حيث أنه قابل الجدل يدون ويبقى على قيد الحياة.

إن تاريخ الحضارة الأوروبية لا يبدأ في وقت معين. وعلينا أن نختار بدأه، اختيارا افتراضيا، على أن ثمة أسبابا تهيب بنا أن نحدد مطلعه في عصر الكرولنجية، وهذه الأسباب تسهم في تفهم معنى أوروبا وكيف تكونت، وما هي نسبة طريفها وتليدها. وليس لعنصر الصدفة يد بين فرض الحصار الإسلامي على البحر المتوسط وظهور الشعب التركماني إلى الميدان، بل بالعكس فهناك صلة بين المقدمات والنتائج. إن إمبراطورية الفرنجة أرست لأوروبا القرون الوسطى أسسها وقواعدها، ولكن أوروبا لم تكن لتنوجد بدون الإسلام. إن تاريخ المملكة الفرنجية يقسم إلى قسمين متباينين ومتناقضين: الأول ما زال رومانيا متوسطيا، والآخر لم يبق له أثر. وبين الاثنين يركز الهجوم الإسلامي الذي قضى على وحدة البحر المتوسط ربيبة العهد الإمبراطوري الروماني.

إن الحضارة القديمة، يقول مارك بلوخ: كانت محومة حول البحر المتوسط. ويقول بلاتون: لم نكن نقطن من الأرض سوى الجزء الممتد من مياه فاز Phase حتى أعمدة هرقل، والمنبسط في جوانب كأنه نمل أو ضفادع حول مستنقع، وبالرغم من الفتوحات والغزوات، ظلت هذه المياه على مرور العصور محور (رومانيا)، وكان في استطاعة عضو مجلس الشيوخ في مقاطعة أكيتين أن ينقل نفوذه إلى ضفة البوسفور، وأن يستولي على أملاك شاسعة في مقدونيا، وكان تقلب الأثمان يهز الاقتصاد من الفرات حتى غاليا (فرنسا قديما). وبدون قمح أفريقيا لم تكن لروما الإمبراطورة وجود، كما لم يكن وجود لعلم اللاهوت الكاثوليكي بدون الأفريقي أغسطينوس. وعندما اجتيز نهر الراين، أطلت بلاد البربر معادية ومحاربة.

إن صلح (رومانا) لم يفض إلا إلى التقريب في المقاطعات، بين شكلي حضارتين، ذلك أن الحضارة الرومانية الريفية كانت متصلة بطرق غير مباشرة بفلاحي البلدان المحتلة. فالمدن والأرياف لم تكن موحدة ولا مجمعة بعامل المصالح والمشاغل المشتركة، فمعظم مدن الإمبراطورية، والمستعمرات الناشئة عقب الحملة، كانت منشآت اصطناعية ولا يصح أن نسمي في الغرب ورش الصناعة اليدوية بمراكز صناعية تجارية ضخمة. فالسوق هي التي كانت تجسد الوحدة الحضارية على الصعيد الاقتصادي، ومنها شعت النهضة، فلا المدن الرومانية ولا التجمعات اليونانية كانت نماذج المدن الغربية. والأثر الوحيد الذي خلفه اليونانيون والرومانيون اقتصر على الدين والإدارة والحكم. وقد تم تجميع السكان خارج المدن القديمة، حول المدافن والمقابر التي كانت منابر المسيحية، تلك المنابر التي ألفت نواة نشوء حضارة جديدة.

ومهما يكن في الأمر من غرابة، فبعث حضارة إيجه لا مندوحة عنه، سواء في المواقع التي شيدت فيها القصور الملكية (في غنوس وفاستوس) أو حيث استقر العمال الحرفيون (كورنيا) أو حيث قلعة التجارة وحوض بناء السفن (موخلوس وبسيرا).

أجل، إن الحقول في كريت كانت مزروعة ومشغلة، ولكنها لم تكن الغلات كافية لسد استهلاك الجزيرة. فما العمل إذن؟. هل التجارة؟. إن الأرض لا تشبع، إذن لا بد من الالتفات إلى البحر، والفلاح لم يهجر المدينة وما نأى عن البحر، فالمدن هي مرافئ، والمرافئ مستودعات، ومعارض لتعاطي الأخذ والعطاء.

وفي منتصف القرن العاشر، كان التجار في فلاندر وجرمانيا يجمعون السلع في مخازن المرافئ عند إبحارهم. وحلت كلمة (بوريتس) مقام كلمة (ماركاتس). وكان هؤلاء التجار يقضون لياليهم في المرافئ وفي الخانات المرتجلة، وكانوا يؤثرون التعرف إلى المدن الناشئة كذلك كان الحال في غاليا بعد مرور قرن حيث أنشئ في جوار الأديرة قرى وأحياء سميت باسم بركس، ثم تطورت هذه التسمية الجرمانية، فصارت سوقا أقام فيها أصحاب الحرف معارض لصناعاتهم اليدوية.

إن كلمة اسكندنافيا القديمة (فيك) ليست من المصدر اللاتيني (فيكوس) بل إن معناها (باي) أي الخليج.

وكان المهاجرون يؤثرون الإقامة في جوار المرافئ. إن بعث الحياة الريفية التي عقبت انهيار العالم القديم، وبطولة الفلاحين والتجار والمقاتلين، هما اللذان رسما آفاق الحضارة الأوروبية. لذلك ليس من المستغرب الإشادة بفضل سكان كريت أسياد البحر المتوسط، ثلاثة آلاف سنة قبل الفايكنغ الناشطين في كل ميدان المستولين على جبهة الأطلنطيك من أوروبا إلى نافا إلى جبل طارق، الزاحفين إلى إيران وتركستان، النازلين في أوكرانيا المستعمرين إيرلندا، المكتشفين شواطئ أمريكا، والمهددين بيزنطة سواء من البحر أو من مملكتهم في صقلية. كل ذلك على متن أسطول شق عباب الحضارة الأوروبية على غرار أهالي إيجه، الذين اجترحوا معجزة اليونان والحضارة القديمة.

إن التحام البحر المتوسط الشرقي من جهة، وجرمانيا واسكندنافيا من جهة أخرى، لا يقدم كثيرا مما يظن البعض، لأنه يرجع إلى عهد التماثيل الجبارة.فقد عثروا في شمال أوروبا على آثار ثقافة متوسطية وعلى مخلفات سكان كريت في عصر التخلف وعلى بقايا فينيقية يونانية، كذلك وجدوا أساليب تفكير بمبادئ عامة، وآراء وأنظمة من أنواع شتى، أي مجموع قطع معدنية ولسانية أخذت طريقها نحو الشمال، على طول الطرق التجارية.

لقد كان بحر البلطيق شبيها إلى حد ما بالبحر المتوسط. فقد وصفه مارك بلوخ عندما زار شواطئه وجزره بأن مؤسسات أهلية كانت تشبه مؤسسات المتوسطيين من حيث ظهورها بمظهر الدول الريفية. فمرفأ بركة في جزيرة مالار كان مزدهرا منذ القرن التاسع، وفي بلدة (لاند)، كان غزاة اسكندنافيون قد جمعوا مقادير كبيرة من الذهب، وفي جزيرة كوتلند كانوا يعوضون عن عطل المواسم الزراعية بصناعة الملاحة.

هذا هو أحد قطبي أوروبا؟.

أما القطب الآخر فكان في البندقية، تلك المدينة التي كانت مقر العظماء وحليفة بيزنطة والمسلمين، ووريثة الكريتيين ومستعمرة أقوام هبطوا بحكم جوارهم من البلطيق نحو الجنوب.

وبين هاتين الإمبراطوريتين البحريتين، ومن خلال القارة، كانت جماعة من الرحّل تجوب هذه الأصقاع، هي جماعة التجار السائرين وفق الدليل، يزورون المعارض والأسواق، حتى إذا طاب لبعضهم المناخ استقروا. وقد انضم الشرقيون إلى أهالي اسكندنافيا ولاسيما الشرقيون اليهود الذين طافوا أوروبا، وعقدوا الصفقات على مرور القرون، وطرحوا في الأسواق مختلف العملات والنقود. على أنه في ذات الوقت، كانت جماعة من فلاحي الارتزاق يحرثون الأرض ويزرعونها ويرفعون مستوى معيشتهم. ثم توغل أبناء هؤلاء الفلاحين في المدن حيث أنشأوا الصناعة الحرة اللازمة لحياة الريفيين. وهكذا اضطر عدد كبير من أفرادها إلى مغادرة السقف الأبوي بحثا عن موارد جديدة. إن الزراعة استنفدت قسما من الأيدي العاملة لا جميعها، بينما كان الرق والعبودية في طريق الزوال. فحدث تطور مزدوج: ارتفاع أعداد الأيدي العاملة الضرورية بسبب زيادة السكان، وضعف القوة المولدة بسبب إلغاء الرق، بحيث شاد الأهلون طواحين تدار بالماء مكان تلك التي كان يديرها العبيد الأرقاء، واستعانوا بالحيوانات كالخيل والماشية، وضاعفوا ساحات التبادل التجاري، ونظموا أعمال المرافئ وأصول العمل، وبنوا القرى الريفية حتى صارت مراكز تجارية ومقرا للصناعيين، وقضى اضمحلال نظام المساحات الشاسعة ونظام الاحتكار في القرن العاشر على ضيق المجال الصناعي الذي عرف في القرون الوسطى، وفتن الملاكون والمستثمرون بمكاتب الاتجار، واتسع ملاك الموظفين والمستخدمين، واستتب شيء من التوازن بين طبقات الشعب. وكان عصر الوسيط اليوناني قد صرف الأهلين عن زراعة إيجه إلى زراعة أصولية. وبعد ألف سنة من النهضة اليونانية نشبت أزمة فقر وحرمان واهتراء إلى أن بزغ فجر الحضارة الأوروبية، وبالأحرى حضارة أوروبا الأطلسية!.

وفي أي إطار، وتحت فعل أي عوامل تكونت أوروبا هذه؟.

يقول هنري بيرين: لقد حدث في آخر القرن الثامن من عصرنا شيء لا شبيه له من قبل في أوروبا الغربية، فلأول مرة منذ بزوغ فجر العصور التاريخية تنتقل بيئة الحركة السياسية وحركة الحضارة العامة من حوض البحر المتوسط إلى حوض البحر الشمالي. إن قطب الإمبراطورية الرومانية كان في روما، وقطب إمبراطورية الكرولنجيين كان مستقرا في المنطقة بين نهر الرين ونهر السين، وها هي روما الآن تحاصر ويرمى بها إلى حدود أوروبا الجديدة، وعند خروج أوروبا الغربية أي أوروبا الشارلمانية من أسرة المتوسط، اتخذت شخصية مستقلة: فإمبراطورية الفرنج تصدت للإمبراطورية البيزنطية والكنيسة اللاتينية للكنيسة اليونانية، وناهضت الإقطاعية وأصحاب الأملاك الشاسعة المدن التجارية والحكومة البيروقراطية في الأستانة القابضة على زمام الأراضي.

وبالرغم من انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب، ظل البحر المتوسط يتزعم اتجاها جذابا، ففي القرن الخامس تركز (الفندال) في أفريقيا و(الويزيغوت) في أكيتانيا وإسبانيا ونزل (البورغوند) في وادي الرون و(الأوستروغوت) في إيطاليا وحاول كلوفيس اكتساح المقاطعات، وظل المتوسط للجرمان ما كان لهم سابقا: محطة وسط في أوروبا، ذلك لأن تيودور كان يحتل إيطاليا وكان يتحكم بالممالك البربرية تحكما لم يفكر أحد بأن ينازعه إياه، وكان التوازن التقليدي قويا بحيث استطاع جوستنيان، بعد وفاة تيودور أن يحافظ على الإمبراطورية الرومانية ويبعثها وكانت بوويس وكاسبودور إيطاليتين، مثلما كان القديس بنوا وغريغوريوس الكبير وأزيدور أسقف إشبيلية إسبانيين.

وأخيرا، فإنه حتى منتصف القرن السابع، وبفضل الملاحة في المتوسط، بقي الغرب تحت رحمة الاقتصاد الشرقي. ولم تكن أوروبا الغربية قد قطعت صلاتها بتطور العصر القديم التاريخي، ولم يكن ثمة شيء ينبئ عن نهاية الوحدة الحضارية التي شادتها الإمبراطورية الرومانية من أعمدة هرقل إلى بحر إيجة، ومن سواحل مصر وأفريقيا إلى سواحل إيطاليا وإسبانيا.

ثم طرأ عامل فجائي قوض هذه المجموعة المتجانسة هو الغزو الإسلامي. لقد مات محمد عام 632 م، بعد أن أعلن الجهاد المقدس الذي بدأ باحتلال مكة (630) مرورا بالاستيلاء على الجزيرة العربية، وانتظروا حتى أخضع الإسلام سورية (629- 640)، والعجم (637- 649)، ومصر (639- 347). ثم استؤنف الهجوم على آسيا الصغرى وأرمينيا (646- 666)، وهدد الإمبراطورية البيزنطية نفسها. وفي السنة 673 حوصرت الأستانة، ولم تنقذ المدينة إلا بفضل بطولة الإمبراطور ليون الثالث إيزوريان الذي صد الزحف الإسلامي، وهكذا نجت دنيا البيزنطيين، ولكن المضي لم يتوقف عند أفريقيا الشمالية (التي احتلت بأسرها عام 709). وبعد افتتاح إسبانيا (714- 719)، شن المسلمون هجوما أفضى بهم إلى احتلال روسيون ولانغدوق السفلى. وأخيرا زحفت الجيوش العربية المختلطة على تولوز الذي دافع عن حياضها دوق آكيتين. وهبط المسلمون عام 725 وادي الرون وغزوا (أوتن). وفي عام 732 دحر الأمير عبد الرحمن حماة مضيق (غارون) في مدينة بوردو واتجه نحو بواتييه وتور، ولكن انتصار شارل مارتل أنقذ الغرب. واستمر الغزاة العرب في غزوهم من آرل إلى أفينيون، ولكن بضعف ووهن وإذا كانوا قد أرغموا على الجلاء عن الأراضي الغالية (الفرنسية قديما)، فلا يعني هذا أنهم تخلوا عن سيادتهم الإسلامية على إسبانيا وعلى البحر المتوسط. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: إن النصارى لم يكن في وسعهم أن يمخروا عباب هذا البحر ولو على ظهر خشبة.

عظيمة ردة الفعل هذه وقد فصمت العرى بين الشرق والغرب. وفي غضون القرن الثامن، فترت التجارة على الشواطئ الشرقية عن طريق مرسيليا والآرل. وقبلا كان شحن الزيوت المستعمل في الكنائس يجري عبر مرسيليا. وكانت شجرة الزيتون قد وجدت تربة تلائم زراعتها، ولكن الإنتاج لم يكن كافيا للاستهلاك العام نظرا إلى أن اللحوم الحيوانية كانت محرمة على المسيحيين طوال الصيام الذي يمتد إلى خمسين يوما.

وكان الزيت المادة الدهنية المسموح بأكلها مدة طويلة من السنة. وكان الزيت يجلب من مصر، وكان رئيس الدير يبعث كل سنة برسل إلى مرسيليا لاستحضار الزيوت لصومعته، وكانت الطرق مأمونة، بفضل قوافل قديمة العهد. ويذكر أن الملكة برونهو قصدت مرسيليا، وأن الملك داغوبير أنشأ عام 629 سوقا بين باريس وسان دنيز هي بمثابة معرض كان يؤمه أهالي الجوار. وعبر مرسيليا كانوا يجلبون ورق البردي المستعمل للكتابة. وفي مطلع القرن الثامن كف البردي عن أن يكون أداة للكتابة واستغني عنه انصرافا إلى رق الحيوانات المجفف والمصقول. وهكذا سبقت حضارة جلد الأغنام حضارة الورق المعروف الآن، وامتازت بظهور الكتاب، وقبلا لم يعرفوا سوى الرسائل المطوية (الطوامير) الصعبة القراءة.

وهذا الاكتشاف الذي لم يثبت تاريخه بالضبط، جرب على جلد الضأن وشاع في القرن الأوسط، حيث كثرت تربية النعاج وأصبحت صناعة رائجة ربما كانت الصناعة الوحيدة في ذاك الزمن. لقد كانت الأديرة في إنكلترا وفي الفلاندر وفي فرنسا مرابع لتنمية الماشية لأن إنتاجها بعد الفتح الإسلامي غدا حاجة ملحة للمجتمع الغربي.

متى تبدأ مرحلة الشعور عند مواطن ليون وآرل بعاطفة الاغتراب؟. إن هذا المواطن في القرن الرابع، كان يحسب نفسه أنه في بلده في قرطجنة، وفي اليونان، وفيما وراء الرين، كان معدودا من جماعة البربر. وفي القرن الحادي عشر لم يكن غريبا في لوبيك، وهو في تونس موجود عند غير المؤمنين، وفي الشرق اليوناني كان خدين أهل الانشقاق. إن التجمع في الشمال الذي أفضى إلى خلق فكرة أوروبا الغربية جرى بهدوء وبطء، ولكنه كان جازما. فالعالم القديم دثر واضمحل، وبعد أن كان المتوسط بحيرة رومانية أصبح بحيرة إسلامية، ولم تكن الملاحة البيزنطية تتجاوز الشواطئ الإيطالية الشرقية، ولم تمخر السفن السورية البحر التيراني. والدليل على هذا التبدل الكبير أن العملة الفضية حلت محل العملة الذهبية التي ضاهت قضية ورق البردي. وعندئذ استعادت دولة الفرنج أمجادها وأقدارها بعد أن استبعدت عن السواحل الدافئة وعن بحر اللاتين وغدت نقطة جغرافية ونواة تكتل جديد: انبثاق أوروبا الشارلمانية ثم أوروبا المتوسطية. وظهرت الفوارق سواء من حيث الديانة، والسياسة والدساتير واللغة والآداب حتى والكتابة بين العهود الملتصقة بالتاريخ القديم وأزمنة أسلاف الفرنجة الذين نادوا بالمذاهب السياسية الجديدة وبالمصائر الحديثة.

ما هو أصل الإمبراطورية الرومانية؟. إن مسيحية الإمبراطورية ربطت مصيرها بمصير الكنيسة. وبعد وفاة تيودور، ضعفت سلطة الإمبراطور حتى الرابع من أيلول سنة 476، حيث قضى عليها أحد أبناء الوزير أتيلا وهو من قادة هرقل، قضاء مبرما في الغرب. وقامت مقامها قوتان: قوة روحية، البابوية، وقوة زمنية، الجرمان. وإن نقل العاصمة من الأستانة جعل من البابا المدافع بل الدوق على المدينة الرومانية مع حق منح القادة العسكريين السلطة السياسية في الغرب. لقد حافظت البابوية على روما، وأعاد الجرمان بناء الإمبراطورية. لقد صمدت روما ولكن الإمبراطورية تبدلت، وفشلت محاولة أولى، محاولة قام بها أحد مؤسسي المملكة الإيطالية (غوت تيودور) لإعادة بنائها، إذ حالت بدعة آريوس دون توحيد الجرمان والرومان، وهي وحدة لا يكتب لها التوفيق إلا بتوحيد الإيمان. فكلوفيس الذي اختار الدين الكاثوليكي لنفسه ولفرنسا عام 496، كان يملئ شروط الوحدة بعد أهالي ميروفنجيا الذين حدثتهم نفسهم بالطموح الإمبراطوري، وأيقن أهالي كورنجيا أن القوة الفرنسية هي وحدها قادرة أن تعيد الإمبراطورية المقدسة الرومانية.

وفي عام 800، وبليلة الميلاد، توج ليون الثالث رأس شارلمان، فبعثت الإمبراطورية الغربية، ولكن شكلها لم يكن شكل عالم بحر المتوسط، بل إنه اتسع إلى ما وراء جبال الألب. إنه شكل أوروبي. وقد نتج عن ذلك جمود في السواحل المسيحية بالرغم من أن المسلمين كانوا قد شادوا ثكنة في باليرما، وقاعدة لقوافلهم. وهكذا مني العهد الكارولنجي بأزمة اقتصادية حادة أودت بالإمبراطورية التي أنشأها شارلمان.

ولما عجز الأباطرة عن إدارة البلاد بسبب فقرهم وقلة مواردهم، أسلموا الموظفين المأجورين الحكم، وأفنى هؤلاء الملوك وجودهم، فولدت الإقطاعية!.

وفي هذه المرحلة الإنسانية الممتدة بين القرن الرابع والقرن الحادي عشر، وجدت أوروبا الجديدة التي كان العصر القديم يجهلها، والتي واجهتها على الأطلنطيك والبحر الشمالي، وقد أرسى الاقتصاد الغربي قواعده على أوروبا الجديدة.

وفي حقل الزراعة، كان التطور جسيما، إذ استتبت طائفة من الفلاحين في الأرض الأوروبية الغربية. والعصور الشاهدة على هذا الاستتباب والتي عرفت مصادر الملكية الفلاحية الصغيرة جاءت جازمة ومقررة مصير تاريخ الحضارة الغربية. وفي تعبير من وضع روبير لاتوش: إن أوروبا الغربية طلقت المنطقة الشرقية، وتحت ضغط الشعوب الشمالية وفي جو كثير الضباب والعتمة، ولد اقتصاد رجحت فيه كفة الزراعة ولم يلعب سوى دور ثانوي في بادئ الأمر، في حين لعب الاقتصاد القديم دوره بواسطة الاتجار بالمدن. وكانت الحقول مسارح نشاط الفلاحين الذين كانوا يتهمون بالهرطقة، وهو لقب لا ينطوي على جانب كبير من التقدير والاحترام. إن هذا القول لم يكن انحطاطا، بل كان عميقا وصارما. وفي نهاية القرن الحادي عشر، عاد المتوسط يفتح أبوابه بوجه الاقتصاد الغربي، وتتبع آفاق هذا العالم ولاسيما الآفاق الزراعية. ورجع أهل الشمال إلى الاختلاط بأهالي الشرق، يسحرهم الذهب البيزنطي والإسلامي، ولكن الاقتصاد الزراعي والأطلنطي كان قد رسخ قدمه في أوروبا بحيث قطع الرجاء ببعث حضارة متوسطية.

ومن هذا اليوم، أعلن نهوض أوروبا.  

—-

* نشر هذا البحث في صحيفة الميثاق، العدد 387

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى