أبحاث ودراسات

بين عروبة الزمان وعروبة المكان

 | صفوان قدسي

(1)
بين التاريخ والجغرافيا وشائج سرعان ما تقع عليها العين المدققة. لماذا؟.
لأن التاريخ هو الامتداد في الزمان، ولأن الجغرافيا هي الامتـداد في المكـان. وحين يقوم هذا التوازن الدقيق بين الامتداد الزمـاني وبين الامتـداد المكـاني، فإن المحصلة الأخيرة هي قيام توازن عادل بين الماضي والحاضر، بحيث لا يجور أحدهما على الآخر، وبحيث لا يسلب الماضي كل الحاضر، ولا يسلب الحاضر كل الماضي.

(2)

العروبة، في الكلمة الأخيرة، هي هذا البعد المكاني الذي يبدو ماثلا في هذا الوجود الجغرافي الذي يمتد فوق رقعة من المكان، وهذا البعد الزماني الذي يبدو ماثلا في هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فوق رقعة من الزمان.

العروبة، في الكلمة الأخيرة، هي هذا البعد المكاني الذي يبدو ماثلا في هذا الوجود الجغرافي الذي يمتد فوق رقعة من المكان، وهذا البعد الزماني الذي يبدو ماثلا في هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فوق رقعة من الزمان.
أحاول أن أقول إن العروبة هي هذا المزيج الرائع من تفاعـل الزمـان والمكـان، أي من تفاعل التاريخ والجغرافيا.
إنها، باختصار شديد، هذا المزيج المدهش من تفاعل الثقافة والأرض، لأن التاريخ في نهاية المطاف إنما هو الثقافة بعينها، ولأن الجغرافيا في حقيقتها النهائية إنما هي الأرض ذاتها.

(3)
العروبة لا تسلب الحاضر من الماضي، ولا الماضي من الحاضر. إنها لا تنتقص من قيمة الحاضر لحساب الماضي، ولا تحط من شأن الماضي لحساب الحاضر.
الماضي والحاضر في العروبة الحقة وجودان متكاملان، ولا يكتمل وجود الأمة العربية من دون أن يقوم هذا التوازن الدقيق بين هذين الوجودين.
الماضي هو بعض من وجودنا، والحاضر هو بعضه الآخر، وبين هذا البعض وذاك تفاعل وتكامل، لا خصام ولا صدام.
وحين تقوم محاولات لسلب الإنسان من ماضيه، فإن النتيجة المحققة هي سلب الإنسان من جذره الثقافي، وحين تقوم محاولات لسلب الإنسان من حاضره، فإن النتيجة المحققة هي سلب الإنسان من قدراته على أن يقيم جسرا بين جذره الثقافي، أي جدره التاريخي، وبين جذره المستقبلي.

(4)
العروبة، بهذا المعنى، ليست مجرد قرار سياسي. إنها، أولا وقبل كل شيء، حقيقة وجودنا القومي. وليس في يد أحد أن يسلب منا هذه الحقيقة أو يسلبنا منها.
ومازلت أذكر كيف أن مفكرا عربيا كتب ذات يوم يقول إنه مهما تكن طبيعة المواقف التي تعترضنا وتتطلب القرار والعمل، فنحن عرب بالمكـان وبالزمـان معـا، بالواقع الحاضر وبالتاريخ الماضي، بالموقع الجغرافي وبالثقافة الموروثة في آن واحد.
يستطيع العربي أن يهاجر إلى أي أرض أراد، لكنه سيظل عربيا بثقافته، بتاريخه، كما هو عربي بانتمائه إلى أبويه، وإنه لمن التناقض أن يتشكك متشكك في وجود الصلة الوثيقة بين حاضرنا وماضينا في الوقت الذي يجري شكه هذا في لغة عربية لم يخلقها لنفسه صباح اليوم، بل جاءته من ماضيه بمفرداتها وطرائق تركيبـها. وليست اللغة رموزا من نوع الرموز الرياضية المجردة، بل أن كل كلمة فيها مشحونة بفكر ووجدان تولد عن فكر أسلافنا ووجدانهم على طول التاريخ. ولو لم يكن في مفردات اللغة وأساليب تركيبها هذه الشحنة العقلية الشعورية، لما استطاع كاتب أن يعبر بها عن فكرة تراوده، أو عن شعور يختلج في نفسه. فأنت مثقف بثقافة عربية موروثة كلما استخدمت اللغة العربية كتابة وكلاما.

(5)
أمعن في الاختزال فأقول إنه ليس لنا خيار في عروبتنا، خصوصا عندما تكون العروبة عروبة زمان ومكان، أي عروبة تاريخ وجغرافيا.

(6)
هناك إذن، بعدان: بعد مكاني وبعد زماني. فأما البعد المكاني، فهو هذا الوجود الجغرافي الذي يقع فوق رقعة محددة من الأرض. وأما البعد الزماني، فهو هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فوق رقعة محددة من الزمان.
الذي يصنع القومية أولا وقبل كل شيء، هو هذا البعد المكاني مضافا إليه ذلك البعد الزماني، أي هذا الوجود الجغرافي متفاعلا ومتكاملا مع ذلك الوجود التاريخي.

(7)
يروي مفكر عربي معاصر، كيف أن المصادفة أوقعته ذات يوم على مجلة كانت تصدرها آنذاك إحدى الجامعات الأمريكية، فوجد فيها ترجمة إنكليزية لصفحة وردت في كتاب لكاتب عربي، وكانت المادة المنقولة متعلقة بموقف تاريخي من مواقف عمر بن الخطاب، وأراد المترجم الأمريكي أن يوضح المعاني للقارئ، فراح يكتب شروحا في الهوامش تبين الخلفية التاريخية الثقافية التي لابد منها للقارىء الأمريكي حتى يتمكن من فهم العبارة المنقولة. فهالته كثرة الشروح التي رآها المترجم ضرورية لذلك. فبينما القارئ العربي تكفيه النظرة الواحدة السريعة إلى ذلك النص فيلم بمعناه، احتاج القارئ الأمريكي إلى عدة صفحات من الشروح الهامشية قبل أن يلم بذلك المعنى، لأن القارئ العربي ممتلئ بثقافته العربية امتلاء قد لا يشعر به في كل لحظة من حياته، لكنه امتلاء يبتدىء في اللحظة التي يعايش بها الاقدمين عند النظر إلى شيء من مخلفاتهم التي ورثناها. على أن هذه المخلفات الموروثة ليست ترقيمات ميتة من مداد مسكوب على ورق، بل هي معان وقيم، فلا يكاد العربي يطالعها حتى تغدو في عقله وقلبه حياة نابضة، يحسها هو وإن لم يحسها معه سائر البشر أجمعين.

(8)
وحين تكون عروبتنا عروبة مكان وعروبة زمان في آن معا، أي عروبة وجود جغرافي وعروبة وجود تاريخي. وحين يقع هذا التفاعل وهذا التكامل بين المكان والزمان، أي بين الجغرافيا والتاريخ، أي بين الأرض والثقافة، فإن هذه الثقافة تغدو قادرة على مجابهة كل التحديات.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل مناهضي القومية العربية يعمدون إلى خلق فجوة بين هذين القطبين التي لا تكتمل العروبة بغيرهما.

(9)

على الرغم من أني لست ممن يعلون شأن النظرية على حساب الممارسة، ولست ممن يرون إلى الواقع على أنه فكرة متحققة، فإني لا أملك في الوقت نفسه أن أكون ممن يعمدون إلى الحط من شأن النظرية، والإعلاء من شأن الممارسة.

إذا كانت عروبتنا هي عروبة مكان وزمان في آن معا، أي عروبة وجود جغرافي ووجود تاريخي، فإن هذه العروبة تتكامل وتتعاظم عندما تفلح في أن تقيم توازنا دقيقا بين هذا المكان وذاك الزمان.
أحاول أن أكون أكثر وضوحا فأقول إن هذين الوجودين، الوجود الجغرافي والوجود التاريخي، وجودان متكاملان، بمعنى أن الجغرافيا هنا تمنح التاريخ ذلك الامتداد المكاني، في حين أن التاريخ يمنح الجغرافيا هنا ذلك الامتداد الزماني. ولكي يتحقق التوازن المنشود، فإنه ينبغي أن لا يجور أحد الامتدادين على الامتداد الآخر، ولا أحد الوجودين على الوجود الآخر.
بهذا المعنى، يمكن القول إن العروبة الحقة هي التي تجعل العلاقة بين الحاضر والماضي علاقة متحركة بحيث لا يسلب الماضي كل الحاضر، ولا يسلب الحاضر كل الماضي.

(10)
وفي وقت من الأوقات، فإن حياتنا الفكرية والثقافية أذعنت لتأثير تيارين كان من شأن سيطرة أحدها أن يفضي بنا إلى كارثة محققة.
وكان هناك من يقول إن الماضي مقدس، وإن الأولين قالوا الكلمة الأولى والأخيرة، وإنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. وكان هؤلاء ينطلقون من اعتقاد مفاده أنه ما من يوم إلا والذي يليه شر منه. وكان هؤلاء يرون في العودة إلى هذا الماضي خلاصا من كل شرور الحاضر.
وفي مقابل ذلك، كان هناك من يقول إن الحاضر هو المقدس، وأن الأولين لم يقولوا كلمة واحدة صحيحة. وكان هؤلاء ينطلقون من اعتقاد مفاده أن الشر كله في الماضي، وأن خلاصنا إنما يتحقق بالتخلي عن هذا الماضي.
وكان واضحا أن التيارين معا كان من شأنهما أن يضعا الإنسان العربي في حالة من الاستلاب. ذلك أنه حين نسلب الإنسان من ماضيه، فإننا بذلك إنما نسلبه من جذره الثقافي والحضاري. وحين نسلب الإنسان من حاضره، فإننا بذلك إنما نسلبه من حقه في أن يحلم ويتمنى، أي أننا نسلبه من المستقبل ذاته.

(11)
ليس الماضي مقدسا إلا حين تكون استعادته عونا على حاضرنا. لكن الماضي لا يعود مقدسا حين تكون استعادته عبئا على هذا الحاضر.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الأمر هنا يتوقف على من يقوم باستعادة الماضي. فحين تكون استعادة هذا الماضي منوطة بمن استقرت في قرارة نفسه قناعة راسخة بأن في هذا الماضي كل ما نحن بحاجة إليه في حاضرنا، فإن هذه الاستعادة تغدو نوعا من الإجهاز على الحاضر والمستقبل في آن معا. وحين تكون استعادة الماضي منوطة بمن استقرت في قرارة نفسه قناعة راسخة بأن في هذا الماضي أشياء كثيرة نحن في حاجة إليها في حاضرنا، لكنها من ذلك النوع الذي ينبغي إن تطرأ عليه تحولات تجعله قادرا على معايشة حقائق الحياة ونوازع العصـر، فإن هذه الاستعادة تغدو كسبا للحاضر والمستقبل في آن معا.

(12)
عروبة المكان والزمان هي العروبة الحقة، لأنها العروبة التي تقيم توازنا دقيقا بين الماضي والحاضر بحيث لا يغدو أحدهما عبئا على الآخر، وبحيث يكون كلاها عونا لنا على بناء مستقبلنا.

(13)
وعلى الرغم من أني لست ممن يعلون شأن النظرية على حساب الممارسة، ولست ممن يرون إلى الواقع على أنه فكرة متحققة، فإني لا أملك في الوقت نفسه أن أكون ممن يعمدون إلى الحط من شأن النظرية، والإعلاء من شأن الممارسة. لماذا؟.
لأني اعتقد اعتقادا جازما بأن هناك علاقة وثيقة بين الفكر والواقع، أي بين النظرية والممارسة، ولا يجوز أن نسمح لأحدهما بأن يجور على الآخر.
الوحدة ليست مجرد عملية سياسية. إنها، في الوقت نفسه، عملية تاريخية كبرى.
وحين تكون الوحدة عملية تاريخية، فإنها تكون في الوقت نفسه عملية فكرية كبرى.
لماذا؟.
لأنها تعيد تركيب كيمياء العقل العربي بما يتناسب مع الواقع الجديد الذي تسعى الوحدة إلى صنعه، ولأنها تعيد تركيب كيمياء الواقع بما يتناسب مع الفكرة الجديدة التي تحاول تحقيقها.

———-

 

*نشرت في العدد 388 من صحيفة الميثاق

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى