مقالات

الشعار الدائم

| د. اسكندر لوقا

في اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط من كل عام، تستعيد الذاكرة الشعبية يوم أعلنت نتائج الاستفتاء على قيام الوحدة بين سورية ومصر، باسم الجمهورية العربية المتحدة.

وكما نعلم، لقد كان قيام هذه الجمهورية تجسيدا لأماني الجيل العربي الجديد بعد خروج الأمة العربية من حالة التجزئة التي استمرت قرونا طويلة.

وفي اليوم ذاته، تستعيد الذاكرة نبأ انتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسا لهذه الجمهورية الفتية.

ومهما قيل عن هذا الحدث الوطني التاريخي الكبير، فإنه يستحق الأكثر مما قيل لأنه كان الحدث الأمل لدى أبناء الأمة العربية، من مشرق الوطن العربي إلى مغربه.

كان الأمل الذي خلص الأمة العربية من التبعية لهذا المستعمر أو ذاك، لهذا الطامع في موقع وتراث هذين البلدين أو ذاك. كان الخرق الذي أحدثه في الجدار الفاصل بين بلدين عربيين يشكلان، ولا زالا يشكلان اللبنة العتيدة في بناء مستقل البلدان العربية لا البلدين فقط. ومن هنا كانت خطورة الوحدة في نظر البعض من دول الاستعمار، وأيضا من جانب التابعين لها، وبينها لسوء حظ الأمة البعض من العرب والعربان التابعين لمشغليهم على الطرف الآخر من الأمة العربية.

وبطبيعة الحال، لم يقلل إسقاط هذه الوحدة التاريخية العظيمة بفعل التآمر عليها من قبل أعدائها، لم يقلل من إيمان مواطني البلدين بأن الوحدة، كما كانت قدرا، كذلك ستبقى بحكم التاريخ الذي لا بد أن يجمع بين الساعين إلى وحدة الصف، قصر الزمان أم طال. ومن هنا لا زال الحدث الوطني الكبير حدث وحدة العام 1958 بين سورية ومصر عالقا في ذاكرات أبناء الجيل، بمن فيهم أبناء اليوم.

ولأن هاجس الوحدة العربية بقي حاضرا في الذاكرة، برغم السنوات العديدة التي مضت على جريمة الانفصال في عام 1961، فإنه لن يخفت مع مرور الوقت، ويبقى شعارا دائما لدى أبناء الأمة، باعتباره أملا مقيما في العقل والنفس لدى الإنسان العربي المؤمن بمستقبله قبل حاضره في ذات الوقت.

لقد أسقط المتآمرون وحدة العام 1958، كما تآمروا على الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر وليبيا فيما بعد، ولم يتوقفوا يوما عن وضع العصي في عجلات أية وحدة بين بلد عربي وآخر بغية إجهاضها حيثما ظهرت على سطح الجغرافيا العربية. ومع كل هذا تبقى الوحدة لا أملا فقط بل أيضا حلما لا بد أن يصير واقعا مهما طال الزمن.

إن حدثا وطنيا كهذا، قد يبدو حدثا عابرا مؤلما في نظر من عاش في زمانه، بيد أن هذا الألم يتضاعف مرات عند كل من كان يعمل في رحاب القصر الجمهوري مديرا للمكتب الصحفي في زمن الجمهورية العربية المتحدة، مثل كاتب هذه السطور ليس لإيمانه فقط بالوحدة العربية، بل لأن الوطن طعن من قبل البعض من أبنائه من خلف الظهر. والتاريخ وحده سيكون الحكم بين من سعى ويسعى لبناء الوحدة وبين من عمل ويعمل لتخريبها قبل أن تعطي ثمرا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كتب الدكتور اسكندر لوقا هذا المقال خصيصاً لصحيفة الميثاق، ونشر في العدد 388 من الصحيفة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق