مقالات

القابضون على جمر العروبة

| محمد كنايسي

خلال زيارتي إلى تونس مؤخرا، التقيت صديقا قديما تخرج في جامعة دمشق في تسعينيات القرن الماضي، وانتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحب سورية، ومازال يحبها حبا صادقا، ويذكرها دائما بإعجاب كبير، وحنين جارف.

انهمرت علي أسئلة عن سورية كالمطر، فقد أراد أن يعرف أدق التفاصيل عن أوضاعها. ولم يتوقف عن السؤال والاستفسار إلا بعد أن أشبعت أجوبتي شوقه إليها، واطمأن عن أحوالها، وتأكد أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق النصر النهائي على الإرهاب التكفيري. على أني شعرت أنه مازال يريد أن يقول شيئا دون أن يستطيع، فقد بدا مترددا ومرتبكا، ثم لم يلبث أن حزم أمره، وقال لي بنبرة قلقة: هل صحيح أن سورية غيرت نهجها العروبي كما سمعنا. قلت: ومن قال هذا. قال: الإعلام تحدث عن ذلك، وحل القيادة القومية للحزب أكده. قلت: وهل أنت مقتنع بما سمعت. قال: أنا لا أريد أن أصدق لأني لا أستطيع أن أتصور سورية إلا كما عرفتها قلعة العروبة وقلبها النابض كما وصفها الكبير جمال عبد الناصر. فما حقيقة الأمر؟. قلت: سأريحك وأبدأ بموضوع القيادة القومية. ما حدث هو إجراء تنظيمي طبيعي، فمع انعقاد المؤتمر القومي الرابع عشر لم يعد أعضاء القيادة القومية- وبالتحديد من بقي منهم لأن القيادة فقدت معظم أعضائها لأسباب مختلفة- يحملون هذه الصفة. ولم يتم انتخاب أعضاء قيادة جدد لأن المؤتمر، وهو أعلى سلطة في الحزب، قرر إلغاء صيغة القيادة القومية والاستعاضة عنها بصيغة تنظيمية جديدة هي (المجلس القومي). وهذا التغيير جاء ضروريا لأن الصيغة القديمة فقدت فاعليتها التنظيمية منذ أعوام، وتحولت إلى عائق في وجه تفعيل دور الحزب على الصعيد القومي، فكان لا بد من صيغة جديدة تحقق هذا الهدف، وهذا بالضبط ما فعله المؤتمر القومي/14/وفق الأصول التنظيمية. فلا داعي إذا للقلق، لأن الصيغة الجديدة صيغة واقعية تستجيب لتحديات هذه المرحلة، وتواكب ما حدث فيها من متغيرات، ويمكنها انطلاقا من ذلك أن تكون فاعلة وقادرة على خدمة أهداف الحزب القومية.

قال صديقي: طمأنتني، لكني أريد أن أسأل أيضا: أليس في اشتراط سورية التأشيرة لدخول العرب في السنوات الأخيرة تراجع عن نهجها القومي العربي؟. قلت: لا طبعا، فليس لهذا القرار أي مغزى سياسي كما تصورت، لأنه جاء تلبية لضرورة أمنية، ولحماية البلاد من الخطر الذي مثله فتح بابها على مصراعيه للجميع. والدليل على أن هذا الإجراء إجراء أمني ينظم دخول العرب، دون أن يحمل أي مؤشر على تغيير في النهج السياسي، هو أن مدارس سورية وجامعاتها لم تتوقف عن قبول التلاميذ والطلاب العرب، وأن مشافيها لم تتوقف أيضا عن تقديم العلاج المجاني للمواطنين العرب المقيمين ومعاملتهم كالسوريين، وهذا بالرغم من ظروف العدوان والحصار الاقتصادي التي تعيشها البلاد منذ قرابة سبع سنوات. أما الدليل الأهم على أن سورية متمسكة بنهجها العروبي، بل أكثر تمسكا به من قبل، فهو ما يؤكده خطابها السياسي من:

أولا: إن العروبة ليست مجرد خيار إيديولوجي قابل للتغيير في أية لحظة، بل هي خيار وجودي يتعلق بالانتماء القومي، والهوية الحضارية والثقافية من جهة، وبالمشروع السياسي النهضوي للأمة من جهة أخرى.

ثانيا: إن القضية العربية المركزية كانت وستبقى فلسطين، حيث ميز الخطاب بكل وضوح بين هذا الثابت العقائدي وبين سلوك بعض التنظيمات الفلسطينية.

ثالثا: إن سورية تفرق بين الشعوب والأنظمة ولا تأخذ الجماهير العربية بجريرة الحكام المتصهينين والمتأمركين.

ويجد هذا الخطاب مصداقيته في الممارسة العملية، فمنذ بداية الحرب، لم تتوقف دمشق عن استقبال الشخصيات والوفود الشعبية العربية المتضامنة، وبقيت أبوابها وستبقى مفتوحة لكل العروبيين الصادقين، تماما كما بقي دورها العروبي المقاوم رائدا، وهو اليوم يتجلى في أعظم التضحيات السورية المبذولة في سبيل العروبة، وذلك أن محاربة سورية الإرهاب التكفيري هي في جوهرها دفاع، ليس فقط عن الوطن السوري وسيادته ووحدته، بل هي أيضا دفاع عن العروبة ومشروعها النهضوي المقاوم الذي يمثل التحدي المركزي للمشروع الصهيوني الأمريكي وأداته الرجعية العربية.

قال صديقي: من كان يتصور أن العرب سينقلبون على سورية ويسعون إلى تدميرها على هذا النحو الوحشي!.

قلت: هؤلاء ليسوا عربا، فالعروبة كما قلت لك ليست انتماء عرقيا، كما أنها ليست هوية حضارية وثقافية فقط، ولكنها أيضا- وهذا هو الأهم- مشروع سياسي مقاوم للامبريالية والصهيونية ومؤمن بأهداف الأمة في النهوض الوطني والقومي الديمقراطي.

قال صديقي: فعلا هؤلاء ليسوا عربا، بل هم ألد أعداء العروبة. أما العرب الحقيقيون فهم القابضون على جمرها في زمن الإرهاب والانفصال والتطبيع مع الصهاينة وغيرها من جرائم الخيانة العظمى التي ترتكبها الرجعية العربية بحق العروبة، والتي لا تخجل من انتحال هويتها زورا وبهتانا.

سلامي إلى سورية المقاومة حيث العروبة الحقة والعرب الحقيقيون. سلامي إلى شعبها الكريم، وجيشها العظيم، وقائدها البطل. سلامي إلى ترابها، ومائها، ووردها الجوري. قالها بخشوع، وعيناه مغرورقتان بالدموع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عن صحيفة (البعث) السورية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق