مقالات

سورية الجغرافيا هي سورية الدور

| صفوان قدسي

(1)
في يوم غابر من حياتي، كتبت كلاما مفاده أنه ليس صحيحاً على الإطلاق أن الانكفاء عن عروبتنا هو الحل. وإذا كان هناك من يحاول تزيين هذا الأمر وتجميله، فإن المرمى والمأرب ليسا سوى اختطاف سورية من دورها.
وقد يذهب الظن والوهم إلى أن سورية هي التي اختارت لنفسها هذا الدور. لكن الصحيح هو أن من اختار لسورية هذا الدور هو علم يمكن تسميته علم الموقع والموضع.

(2)
أي شيء هو علم الموقع والموضع؟.
ليس من الحكمة اختزال التعريف في كلمات معدودات لا تفي بالغرض ولا تسمن من جوع.
لكنه ليس من الحكمة أيضاً الإعراض عن الإقدام على مجازفة قد لا تبلغ الغرض، لكنها بالغة بعضاً منه.
وباختصار شديد آمل أن لا يخلَّ بالقصد، فإن علم الموقع والموضع هو علم تربطه بالجغرافيا السياسية عروة وثقى.

(3)
وما زلت أحنُّ إلى كلام قاله الجنرال ديغول ذات يوم حين أوجز رؤيته لتلك العروة الوثقى التي تقوم بين الجغرافيا والواقعة السياسية، فقال قولته الشهيرة: إنه لكي تقرأ واقعة سياسية قراءة صحيحة، فإنه يجب عليك أن تعلق الخريطة على الجدار.
(4)

وبهذا المعنى، فإنه لا يمكن الفصل بين سورية الجغرافيا وبين سورية الدور، فهما صنوان لا يفترقان.
وليس معنى ذلك إقصاء الإرادة السياسية واستبعادها وتغييبها، فلهذه الإرادة السياسية دور بالغ الفعل والتأثير في صنع القرار السياسي.
لكن هذه الإرادة السياسية لا تنطلق من فراغ. إنها تنطلق من واقع على الأرض محسوس وملموس. هذا الواقع المحسوس والملموس على الأرض هو ذاك العلم الذي أشرت إليه وأومأت، وأعني به علم الموقع والموضع.
هنا يتشارك عاملان، ويتضافر عنصران في صنع القرار السياسي.
هذان العاملان والعنصران المتشاركان والمتضافران هما الإرادة السياسية جنباً إلى جنب مع الجغرافيا السياسية.

(5)
وحين أقع على كلام مكتوب أو منطوق يقلِّل أو ينتقص من شأن حقيقة مفادها أن سورية يمكن أن تنأى بنفسها عن دور قومي يفرضه عليها علم الموقع والموضع، وتمليه عليها الجغرافيا السياسية، فإني سرعان ما أقع في حيرة من أمر هؤلاء المقلِّلين والمنتقصين من حقيقة ينبغي لها أن تظل متجذرة في العقل، راسخة في الوجدان، هي أن سورية الدور، هي سورية القادرة على الفعل والتأثير، وليس أية سورية أخرى على الإطلاق.

(6)
وفي التدقيق في هذه الأفكار ما ينتهي بنا إلى نتيجة مفادها أن عروبة سورية، بالترافق والتزامن مع موقعها من الجغرافيا السياسية التي يطول عليها الكلام، فإننا منتهون لا محالة إلى نتيجة مفادها أن الدور القومي الذي يصنعه علم الموقع والموضع، هو الذي يعطي سورية هذا الدور النوعي الذي لا ينبغي الانصراف عنه ولا التخلي.
وفي بعض من هذا الكلام، كلام على أن هناك حقيقة اسمها لعنة الجغرافيا، وهي لعنة لا بد من التعامل معها بما يؤدي إلى تطويعها وترويضها.

—–

*نشرت في صحيفة الميثاق، العدد 388

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق