أبحاث ودراسات

الماركسية فلسفة علمية.. ولكن المشكلة في الهرطقات الفكرية

بعض من كتابات صفوان قدسي

 

 

 

(1)

جون إربنبك، باحث في المعهد المركزي للفلسفة التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وهو إلى جانب ذلك، شاعر وروائي.

وفي خلال زيارتي إلى برلين، في صحبة وفد من اتحاد الكتاب العرب لتوقيع اتفاقية جديدة مع اتحاد الكتاب الألمان، التقيت بـ (جون إربنبك). وكان هدفي من هذا اللقاء هو أن ألقي نظرة على المشهد الفلسفي في ألمانيا الديمقراطية، وعن التطور الذي لا بد وأن يكون قد لحق بالفكر الماركسي خلال السنوات الأخيرة، بعد أن انتهت الحقبة الستالينية، وبعد أن بدأت حقبة جديدة تقوم على شكل من أشكال الانفتاح الفكري الذي يقوم بدوره على شكل من أشكال البحث عن قنوات مشتركة بين الماركسية وبين غيرها من النظريات الفلسفية أو السياسية المعاصرة.

وحين ذهبت إلى (جون إربنبك)، كانت لدي مجموعة تساؤلات. غير أن التساؤل الذي كان يلح علي أكثر من غيره، هو ذلك التساؤل عن علاقة الفلسفة بالعلوم الطبيعية، خصوصا وأن (جون إربنبك) له صلة دراسية بفرع من فروع هذه العلوم الطبيعية. وكنت أحاول الكشف عن الطريقة التي ترى بها الماركسية المعاصرة في ألمانيا الديمقراطية، إلى هذه المشكلة الفلسفية. وكنت أعرف أن المسألة ليست موضع اتفاق، خارج العالم الاشتراكي على الأقل. فهناك من يرى أن العقل عالم قائم بذاته، وأنه لا يمكن البرهان على مسألة عقلية بالاستناد إلى نتائج العلوم الطبيعية. وهناك من يرى أن عالم الطبيعة، وعالم العقل، من طبيعتين مختلفتين. غير أن هناك اتجاها آخر يرى أن قوانين العقل ملحقة بقوانين الطبيعة، وأن على الفلسفة أن تأخذ بنتائج العلوم الطبيعية، وأنه ليست هناك مشكلات عقلية خارجة عن مشكلات الطبيعة ذاتها.

وكان بيني وبين (جون إربنبك) مترجمة هي (دوريس إربنبك) التي درست اللغة العربية، وقامت بنقل مجموعة من القصص المصرية إلى الألمانية، والتي هي في الوقت نفسه زوجة (جون إربنبك). وقد شكت (دوريس) من صعوبة القيام بترجمة حديث على هذا المستوى من استخدام اللغة الفلسفية والمصطلحات الفلسفية التي لم تألف سماعها، والتي يصعب عليها ترجمتها إلى اللغة العربية. وبذلت (دوريس) جهدا كبيرا في نقل أفكار (جون). وحين تتعثر، فإنها تلجأ إلى اللغة الإنكليزية للتوضيح.

قال لي (جون إربنبك) إنهم في ألمانيا الديمقراطية ملتزمون بالفلسفة المادية، وهذا يعني بالتالي أنهم يعتبرون أن ثمة علاقات بين جميع الظواهر، وأنه لا توجد ظواهر منفصلة. والماركسية تأخذ بعين الاعتبار كل النتائج التي تسفر عنها العلوم الأخرى، النتائج العامة في الطبيعة والمجتمع ونظرية المعرفة. وهناك أبحاث عديدة في ميادين العلوم الاجتماعية، ونظرية المعرفة، وآليات التفكير، وهي جميعها تقوم على نتائج العلوم الطبيعية، وعلى الاحتمالات المتوقعة. ويقول (إربنبك) إنه عن طريق البحث في ميادين العلوم الطبيعية، يستطيع البحث في ميادين الفلسفة أن يستقر وأن يستفيد من نتائج البحث في العلوم الطبيعية. بطبيعة الحال، هناك أسئلة خالدة في الفلسفة. ولدى كل مجتمع إجابات يقدمها عن هذه الأسئلة الخالدة، إجابات غالبا ما تكون أكثر دقة وتفصيلا من تلك الإجابات التي قدمت سابقا. من هذه الأسئلة، على سبيل المثال، سؤال عن موقف الإنسان من الكون؟. عن أصل التفكير الإنساني؟. عن التقدم الاجتماعي؟. ويرى (إربنبك) أن المطلوب من الفلسفة هو صياغة هذه الإجابات في نظرة اجتماعية واحدة. ويسأل (إربنبك): كيف نستفيد من الفلسفة؟. ويجيب: عن طريق التطبيق العملي لهذه الفلسفة، أي تطبيق الإيديولوجيا على المجتمع. وعلى أية حال، هناك علاقة متبادلة بين ميادين العلوم المختلفة.

ويقول (جون إربنبك): إن نظرية الحتمية في ميدان العلوم الطبيعية، تطرح مشكلة حرية الإنسان. أين هي هذه الحرية؟. وفي فترة من الفترات، ظهرت نظريات حول وجود اللاحتمية في مجال الميكروفيزياء، أي في مجال الجزيئات المادية البالغة الدقة. غير أن الذي حدث مؤخرا هو أن المناقشات الفلسفية أدت إلى توسيع مفهوم الحتمية في الفلسفة. لا توجد علاقات خيالية بين العناصر المكونة للمادة وللوجود، وإنما هناك علاقات موضوعية ومادية. غير أن من الضروري أن نأخذ بالحسبان، الجدل القائم بين المصادفة والضرورة.

وعندما أشرت إلى مسألة ما إذا كانت مملكة الإنسان ملحقة بمملكة الطبيعة، وما إذا كانت الحتمية القائمة في الطبيعة تنسحب بدورها على الإنسان، أجاب (جون إربنبك): لا بد من استخدام نتائج العلوم الطبيعية في ميادين أخرى. فتساءلت: إذن من أين نبدأ، من الطبيعة أم من الإنسان؟. فأجاب (إربنبك) بأن الفلاسفة عادة لا يعطون قرارات حاسمة. وفلاسفة العلوم الطبيعية لديهم نظريات عامة يستخدمونها في ميادين مختلفة. وهناك علاقة متبادلة بين الميادين العلمية المختلفة وبين الفلسفة. وفي تاريخ الفلسفة، توجد حالات صرح فيها بعض الفلاسفة بنظريات وصفوها بأنها نهائية، ولكنها كانت نظريات غير صحيحة. وقد ترتب على استخدام هذه النظريات أخطاء عديدة في ميادين معينة. هناك وظائف عدة للفلسفة، منها حسن استخدام اللغة، من دون مبالغة بطبيعة الحال. ومنها أيضا البحث في مناهج العلوم المختلفة. ومن الضروري أن نأخذ بالحسبان وجود مبادئ أساسية في الفلسفة، وهي مبادئ لا بد منها لأي بحث فلسفي، شأنها في ذلك شأن الأسس التي تقوم عليها الأبحاث في العلوم الطبيعية. إن قوانين الحركة الكلاسيكية هي من مبادئ الفلسفة الأساسية حتى الآن. ومن غير الممكن أن نزيل هذه المبادئ الكلاسيكية، ولكن يمكن تغيير إطار التفكير. وفي الوقت نفسه يمكن استخدام هذه المبادئ، أو لنطلق عليها اسم القوانين، في المستويات العليا من البحوث الفلسفية.

ويرى (جون إربنبك) أن الماركسية فلسفة علمية، وأن فيها مبادئ أساسية لا يمكن إلغاؤها، لكن هذا لا يعني أنه لا توجد تغييرات فكرية في بعض جوانب الماركسية. هناك أخطاء في مجالات معينة تشكو منها الماركسية. كما أن هناك أفكارا عامة في الفلسفة الماركسية بنيت أساسا على أخطاء وقعت فيها العلوم الطبيعية. وعلى سبيل المثال، فقد كان ثمة اعتقاد لدى الماركسية، وكان ذلك عام 1950، بأنه لا يوجد أي فرق بين المادة وبين الجوهر Substance. كما أن الماركسيين استخدموا النظرية النسبية في الفلسفة، وهي في الأساس نظرية أينشتاين. وكان هذا الاستخدام خطأ فادحا. كذلك فإن الماركسية في يوغسلافيا، على سبيل المثال، لعبت دورا مبالغا فيها في التركيز على أهمية التطبيق العملي.

إذن، ما هو التطور الأساسي الذي طرأ على الماركسية في ألمانيا الديمقراطية؟.

يجيب (جون إربنبك) بأنه لا يمكن فصل التطور الذي لحق بالماركسية في ألمانيا الديمقراطية، عن تطورها في البلدان الاشتراكية الأخرى. إن البلدان الاشتراكية، وخاصة في مراكز البحث الفلسفي، تعتمد مناهج دراسية موحدة. وعلى أية حال، لا يمكنني أن أتكلم إلا على علاقة الفلسفة بالعلوم الطبيعية. وفي هذا الميدان، نحن مهتمون باستمرار بتطور فكرة الحتمية في مجال المادة. وأبرر العاملين في هذا المجال Herbert Horz. وهناك موضوع آخر هو نظرية التطور. ونحن نعارض معارضة شديدة نظرية (جاك مونو). إن (مونو) في كتابه (المصادفة والضرورة) (أشرت هنا أثناء حديثي مع جون إربنبك إلى أن هذا الكتاب قد ترجم إلى اللغة العربية، وأن وزارة الثقافة السورية قامت بنشر هذا الكتاب الذي ترجمه حافظ الجمالي)، يعطي للمصادفة دورا هاما جدا. وهو لا يجد أية علاقة جدلية بين المصادفة والضرورة. هناك أبحاث نفصيلية جدا حول هذا الموضوع. وقال إربنبك إن Eigen وهو من ألمانيا الغربية وحصل على جائزة نوبل قبل عشرة أعوام، كتب مقدمة للترجمة الألمانية لكتاب (مونو)، وعارض فيها هذا الكتاب من دون استخدام لغة ماركسية.

هناك أيضا أبحاث حول التراث الكلاسيكي الفلسفي في ألمانيا، وأبرز من يعمل في هذا المجال Manfred Buhr. وقد كتب لينين حوالي عام 1918، أن من واجب الماركسيين أن يكونوا تلامذة في المدرسة الديالكتيكية الهيغلية. والماركسية لم تعتبر الفلسفة الكلاسيكية الألمانية بالذات فلسفة برجوازية، وإنما هي حاولت استخدام النتائج التي توصلت إليها الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في سبيل معارضة الاتجاهات الميتافيزيقية. كانت هناك معارضة للمذهب الوضعي. وكانت هناك معارضة أنجلز للمادية الآلية. لدينا تقاليد فلسفية عريقة لاستخدام هيغل وفيورباخ باعتبار أن لديهما أفكارا مادية، تماما كما فعل ماركس ولينين.

 

 

(2)

وقعت منذ أسابيع قليلة على تعليق منشور في إحدى صحفنا المحلية تحت عنوان (الفلسفة طريق غير سالكة) لكاتب أحسب أن قلة من القراء سمعت باسمه. ولعل السبب في ذلك هو أن إسهام هذا الكاتب في حياتنا الثقافية لا يعدو أن يكون بضعة تعليقات نشرها في صحفنا المحلية، ولم يكن فيها ما يثير الانتباه سوى أن صاحبها قليل الموهبة. غير أن التعليق الذي أشير إليه لا ينم عن قلة الموهبة فحسب، وإنما يتم في الوقت نفسه عن جهل وسوء فهم. فهو يتناول حوارا كنت قد أجريته في (المعرفة) (العدد 172) مع (جون اربنبك)، وهو باحث في المعهد المركزي للفلسفة التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، ويتناول في الوقت نفسه تعقيبا كنت قد نشرته في العدد نفسه حول هذا الحوار، وحاولت فيه أن ألخص النقاط الرئيسية في الحوار، وأن أستخلص بعض النتائج التي يمكن أن ينتهي إليها القارئ.

والملاحظة الأولى التي وقفت عندها بعد قراءة هذا التعليق، هي أن المعلق يجهل جهلا مطبقا ما آلت إليه الماركسية في أوروبا. إنه يجهل أن الماركسية قد قطعت شوطا بعيدا على طريق التحرر من كل مظاهر الجمود التي لحقت بها في العصر الستاليني. وهو يجهل أن الماركسية تحاول الآن أن تبحث عن وسيلة للتفاهم مع أفكار ونظريات وفلسفات كانت ترفضها رفضا كاملا، وتتعامل معها على أنها نتاج فكر بورجوازي متخلف، وعلى أنها تعبير عن مصالح طبقات وأوضاع اجتماعية معينة. إنه يجهل أن الماركسية تحاول أن تجد أرضا مشتركة تقف عليها مع الفرويدية على سبيل المثال، وهي التي كانت تنظر إلى الفرويدية نظرة أقل ما يقال فيها أنها نظرة لا تخلو من إنكار واستنكار. ولنكن أكثر تحديدا فنقول إن الماركسية، أو لنقل الماركسيين، لأن بعض الماركسيين أبعد ما يكون عن فهم الماركسية في حقيقتها الأصلية وفي صورتها التي وضعها ماركس، كانوا ينكرون على فرويد نظريته القائمة على رد كل نشاط إنساني، وبالتالي كل فعالية حضارية، إلى دافع وحيد كان فرويد يسميه (الليبيدو)، ويعني به طاقة الحياة بكل ما تشتمل عليه من فعاليات، بما في ذلك الفعالية الجنسية، وكان أقل ما يقولونه في ردهم على فرويد إن التاريخ لا يصنع في غرف النوم. غير أن ماركسية القرن العشرين، وهي الماركسية التي يقول عنها (روجيه غارودي) إنها ماركسية جديدة، والتي وضعها عنوانا لواحد من أشهر كتبه، وهو الكتاب الذي يقول فيه غارودي: (إني أتحدث على ماركسية القرن العشرين وليس على الماركسية في القرن العشرين). هذه الماركسية الجديدة بدأت تبذل منذ سنوات جهودا متصلة بهدف الكشف عن بعض ما يمكن أن تلتقي عنده الماركسية والفرويدية. بل إن دراسات ماركسية عديدة ظهرت مؤخرا، أشارت إلى أن فرويد كانت جدليا في العديد من نصوصه.

والسيد المعلق يجهل أن ماركسية القرن العشرين، أو لنقل ماركسية النصف الثاني من القرن العشرين، تحاول أن تكتشف الجانب الصحيح في الفلسفة الوجودية، وهي بذلك تلتقي مع محاولات بذلها (سارتر) في السنوات الأخيرة بهدف اكتشاف ما هو صحيح في الماركسية، أو لنقل بهدف اكتشاف النقاط التي يمكن أن تلتقي عندها الوجودية مع الماركسية. ذلك أن (سارتر) يعتبر أن الماركسية ما زالت فلسفة العصر، وأن أية فلسفة جديدة ليست قادرة حتى الآن على تجاوزها، من دون أن يعني ذلك أن (سارتر) يسلم تسليما كاملا بكل ما تقوله الماركسية، فهو على سبيل المثال ينكر ما تقوله الماركسية عن وجود جدل في الطبيعة، ويرى أن الجدل مقصور على الإنسان. وقد كتب (سارتر) في مؤلفه الضخم (نقد العقل الجدلي) أن كل همه ينصب على جعل الوجودية جيبا من جيوب الماركسية، لأنه يعتقد أنه على ما بين الوجودية والماركسية من اختلاف، فإن الماركسية ما زالت فلسفة العصر، والفلسفة البديلة التي تستطيع أن تتجاوز الماركسية لما توجد بعد.

والسيد المعلق يجهل أن ماركسية النصف الثاني من القرن العشرين، تحاول أن تجد شيئا مشتركا بينها وبين الفلسفة الوضعية المنطقية، وهي محاولة أحسب أن السيد المعلق لم يسمع بها. بل إن الماركسية تحاول أن تجد صيغة للحوار مع الكاثوليكية، وهو حوار ما كان له أن يقوم لولا أن ماركسية النصف الثاني من القرن العشرين، تخلت عن الكثير من الأوهام التي لحقت بها في العصر الستاليني، وقبلت بحقيقة أن العالم أكبر من أن يضيق بوجود هذا الشعور في الأفكار والنظريات.

بقي أن نناقش المعلق في بعض ما أبداه من ملاحظات حول مدى الدقة القائمة بين نصوص الحوار، وبين الاستنتاجات التي انتهيت إليها. فهو يعترض على أنني استنتجت من عبارات وردت على لسان (جون اربنبك) وقال فيها: (وفي فترة من الفترات ظهرت نظريات حول وجود اللاحتمية في مجال الميكروفيزياء، أي في مجال الجزيئات المادية البالغة الدقة. غير أن الذي حدث مؤخرا هو أن المناقشات الفلسفية أدت إلى توسيع مفهوم الحتمية في الفلسفة، ومن الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار الجدل القائم بين المصادفة والضرورة). أقول إن المعلق يعترض على أنني استنتجت من هذه العبارات ما يأتي: (هناك، ثالثا، هذا التحول في النظرة إلى مسألة الحتمية واللاحتمية. فبعد أن كانت الماركسية تلح على وجود حتمية لا مجال لإنكارها في مجال الطبيعة والعلوم الإنسانية، فإن الماركسيين الآن يعيدون الاعتبار لفكرة الاحتمال، ويقرون بوجود قدر من المصادفة لم يكن معترفا به من قبل، ويقول بعلاقة جدلية تقوم بين المصادفة والضرورة).

النصوص واضحة ولا مجال لأكثر من استنتاج واحد، والتأويل مستحيل لأن الوضوح يقطع الطريق على أي تأويل. فالباحث الماركسي الألماني يعترف بوجود اللاحتمية في مجال الميكروفيزياء، ويعترف بأن من المهم أن يؤخذ بعين الاعتبار الجدل القائم بين المصادفة والضرورة. وإذا كان السيد المعلق يجهل ألف باء الموضوع الذي يكتب فيه، فإنني أحب أن أقول له إن الماركسية، أو لنقل الماركسيين، لم يكونوا يعترفون بوجود شيء اسمه المصادفة، وإنما كانوا يقولون بوجود حتمية تحكم مملكة الطبيعة وتحكم مملكة الإنسان في آن معا. وإذا كان كتاب جاك مونو الذي ترجمه حافظ الجمالي والذي يحمل هذا العنوان (المصادفة والضرورة) يقوم على رد الاعتبار إلى المصادفة، بل ويقوم أيضا على إنكار الضرورة، فإن الكتاب يعتبر بمجمله ردا على ما تقوله الماركسية، في صورتها المتخلفة، حول الضرورة وإنكارها لدور المصادفة. صحيح أن الماركسية لا يمكن أن تقبل بنظرية تقوم على إنكار الضرورة وقبول المصادفة، ولكن الصحيح أيضا هو أنه لا بد من أن يكون قد حصل تطور هائل حتى تعترف الماركسية بشيء اسمه المصادفة، ولو جاء هذا الاعتراف متحفظا بعض الشيء.

والاعتراض الثاني الذي يسجله المعلق على ملاحظاتي التي سجلتها حول الحوار، هو أنني استنتجت من النص الآتي: (هناك أخطاء في مجالات معينة تشكو منها الماركسية. كما أن هناك أفكارا عامة في الفلسفة الماركسية بنيت أساسا على أخطاء وقعت فيها العلوم الطبيعية). أقول إن المعلق يعترض أنني استنتجت من هذا النص ما يأتي: (ولعل القارئ يلحظ أن هذا الحوار لا يخلو من قدر من المصارحة والمكاشفة، وهي مصارحة ومكاشفة تقوم على الإقرار، بشكل أو بآخر، بأن الماركسية لا تملك الحقيقة المطلقة، وأن الماركسيين كثيرا ما يقعون في أخطاء قاتلة تفضي بهم إلى تبني نظريات وأفكار ما تلبث الكشوف العلمية أن تميط اللثام عن حجم الخطأ الذي تشكو منه).

مرة أخرى، النصوص واضحة بما فيه الكفاية. والأمر لا يحتاج إلى أكثر من مقدرة على قراءة النصوص. ولست أظن أن المعلق يجهل، رغم كثرة ما يجهل، بأن الماركسيين كانوا يعتبرون النصوص الماركسية كتابا مقدسا لا يقبل المناقشة. وكانت كلمة (المراجعة) تعني الزندقة والخروج على الدين، وهي الكلمة التي أعيد إليها الاعتبار الآن، وأصبحت تعني النقد الذاتي، وأصبحت تعني في الوقت نفسه أن النصوص ليست مقدسة، وأنه ليس هناك ما يمكن أن يكون محرما على المناقشة. وإذا كان المعلق يجهل المراجعة التي تقوم بها الأحزاب الشيوعية والماركسية في أوروبا الغربية بوجه عام، وفي فرنسا وإيطاليا على وجه التخصيص، فتلك مسؤوليته هو وحده، وليس مطلوبا مني أن أشرح له كل هذا الذي يجري في العالم من حولنا.

أما فيما يختص بما استنتجته من أقوال (جون اربنبك) حول العودة إلى التراث الفلسفي الألماني الكلاسيكي، فإن لدي توضيحا واحدا،وهو أن هذه العودة تعتبر تطورا كبيرا. فمن المعلوم أن الماركسيين كانوا ينظرون إلى هذا التراث الفلسفي على أنه تراث مليء بالمثالية والغيبية. وأغلب الظن أن الدراسات الماركسية التي نشرت في نقد هذا التراث الفلسفي أكثر من أن تحصى، ولا أحد يجادل في أن الماركسيين، ولفترة طويلة من الزمن، لم يكونوا على استعداد لدراسة هذا التراث دراسة موضوعية، وإنما كانت دراستهم له تنطلق أساسا من رغبة في إظهار مدى ما يتضمنه هذا التراث من أفكار مثالية وميتافيزيقية. ولو كان الأمر غير ذلك، لما نهض هذا الاهتمام الذي أشار إليه (جون اربنبك) وهو الاهتمام الذي يقوم على إعادة دراسة هذا التراث، بهدف من إعادة تقويمه ورد الاعتبار إليه.

بقيت ملاحظة صغيرة، وهي أنني عندما التقيت (فرانز فابر)، وهو صحفي مرموق من ألمانيا الديمقراطية، وكان في دمشق منذ بضعة أعوام يلقي محاضرات في المعهد الإعلامي، فاجأني بحادثة طريفة وقعت له، وهي أنه عندما كان يلقي إحدى محاضراته، وكانت تتصل بشكل أو بآخر بالماركسية، انبرى له بعض الطلاب يصححون له كلامه بما يظهر منه وكأنهم ماركسيون أكثر من أستاذهم القادم من ألمانيا الديمقراطية، والذي يعمل في اتحاد الصحفيين العالميين في برلين. وروى لي (فابر) بأن مفاجأته كانت كبيرة، لأن الأمر يكاد لا يصدق.

ويبدو أن الأمر نفسه ينطبق على السيد المعلق الذي أزعجته آراء (جون اربنبك) لأنها تهز قناعات راسخة في عقله، ولأنها تقول شيئا جديدا لم يألف سماعه، ولأنها نثير مسائل لم يسبق له أن سمع بها، أو لنقل لم يسبق له أن حفظها كما حفظ غيرها من النصوص المكتوبة لمستوى معين من الناس لا تنفع معهم غير طريقة الحفظ عن ظهر قلب.

ولقد كان هناك دائما شيء اسمه الجهل، لكننا هنا أمام نوع آخر من الجهل. إنه الجهل المركب، أي الجهل الذي يجهل صاحبه أنه جاهل. أو لنقل إنه الجهل النشط. وإلا فما معنى أن يقول المعلق إنني أخطأت عندما قلت (لا يمكنني أن أتكلم إلا على علاقة الفلسفة بالعلوم الطبيعية)، وهو يصحح هذا الخطأ بقوله إن المقصود هو (لا يمكنني أن أتكلم إلا عن). ولو قلت للمعلق إن الصحيح هو أن تقول تكلمت على وليس تكلمت عن، فإني أكون بذلك قد هبطت إلى مستوى من المناقشة لا أود الهبوط إليه لأن الجهل عندما يكون في هذا المستوى، فإنه يقطع الطريق على أي حوار، لأنه يفتقد بذلك عنصرا هاما لا بد من توافره في أي حوار، وهو عنصر الحد الأدنى من السوية المطلوبة لهذا الحوار.

 

 

*نشرت في صحيفة الميثاق – العدد 391

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق