أبحاث ودراسات

خصوم الأرسوزي ومحبوه

بعض من كتابات صفوان قدسي

 

خصوم الأرسوزي

(1)

كما كان للأرسوزي خصومه، فقد كان له محبوه.

ولم يكن محبو الأرسوزي يصدرون في حبهم عن عاطفة شخصية، وإنما كانوا يصدرون في حبهم عن عاطفة عاقلة. كانوا يحبون في الأرسوزي محبته للغة العربية.

وكانوا يحبون في الأرسوزي فروسيته.

وكانوا يحبون في الأرسوزي إيمانه بأن العربي، في حقيقته النقية الصافية، صورة للإنسان الأعلى.

وكانوا يحبون في الأرسوزي ثقافته العميقة، وعقله المتقد.

وكانوا يحبون في الأرسوزي احترامه العميق للغة العربية ودفاعه عنها واقتحامه لمغاليقها واكتشافه لألغازها.

(2)

وكما أن خصوم الأرسوزي كانوا يصدرون في خصومتهم عن موقف فكري لا يستطيع إخفاء حقيقته السياسية أي ادعاء، وكما أن هؤلاء الخصوم كانوا يرون في الأرسوزي حضورا فكريا وسياسيا بالغ الخطر والخطورة، وثقافة حضارية ذات جذور بالغة العمق تستطيع أن تصمد في المجابهة المحتدمة بين المدافعين عن الشخصية العربية القومية وما أفرزته من حضارة وثقافة وفكر وفن وعقيدة، وبين المناوئين لها، فإن محبي الأرسوزي كانوا بدورهم يصدرون عن موقف فكري ذي بعد سياسي بالغ الوضوح، وكانوا يرون في الأرسوزي قلعة فكرية لا يسهل اقتحامها، وثقافة أصيلة وصلبة وقادرة على التصدي والمجابهة.

(3)

وحين غاب الأرسوزي، ظن خصومه أن هذا الغياب سوف يمحو التأثير العميق الذي يمارسه حضوره. بل لقد مضوا إلى أبعد من ذلك حين اعتقدوا بأن وجودهم المزعزع في حضور الأرسوزي يمكن أن يصبح راسخا في غيابه. وكانوا في منطقهم هذا ينطلقون من الظن القائل إن غياب هذه القامة المديدة التي كانت تضع غيرها في الظل، سوف يفسح المجال واسعا وعريضا أمام القامات الأخرى لكي تخرج من الظل.

(4)

وفوجئ خصوم الأرسوزي بأن الرجل ما يزال حاضرا. إنه حاضر في الدعوة إلى إحياء الشخصية الحضارية للأمة العربية. وهو حاضر في الدفاع عن لغتنا القومية والتصدي لكل ما من شأنه أن يحولها إلى لغة متاحف، أو أن يقتلعها من حقيقتها ويجعل منها لغة لا علاقة لها بهذه الحقيقة. وهو حاضر في الإيمان بهذه الأمة وبقدرتها على البقاء والاستمرار.

وفوجئ خصوم الأرسوزي بأن غياب الرجل لا يقل خطرا عن حضوره. فالكتابات المتفرقة والمبعثرة التي كتبها في حياته، جمعها محبو الأرسوزي وقدموها إلى القارئ العربي في مجلدات خمسة تشكل إضافة بالغة الأ÷مية إلى المكتبة العربية التي ترتفع قامتها يوما بعد يوم.

وفوجئ خصوم الأرسوزي بأن الرجل الذي كان على القارئ العربي أن يبحث عنه فلا يجده كله، أصبح موجودا أمامه. أصبح الرجل حاضرا من أول كلمة كتبها إلى آخر كلمة. وأصبحت قراءة الأرسوزي في وحدته وكليته وتسلسله الزمني في متناول اليد.

(5)

العمل العظيم الذي قام به محبو الأرسوزي، لا يدرك قيمته إلا من عرف معنى أن يظل عظماء الأمة أحياء.

وأنا أعرف الكثيرين ممن كانوا يثيرون الشكوك حول تخليد الأرسوزي. ولم تكن إقامة تمثال له في حديقة عامة من حدائق دمشق، إلا مناسبة يثيرون فيها شكوكهم من جديد، لكن حقيقة الأرسوزي كانت دائما أكبر من أن تجرحها هذه الشكوك أو تنال منها.

ولولا أنني أخشى أن تلصق بي تهمة التعصب لهذا الرجل الكبير الذي تعلمنا منه الكثير، لقلت إن تخليد الأرسوزي إنجاز ثقافي وقومي لا تقوى على القيام به غير الأمم التي تعرف أنها مدينة في شيء من وجودها إلى هذه القامات المديدة التي تظهر بين عصر وعصر.

 

… ومحبّوه 

(1)

كان زكي الأرسوزي يعشق اللغة العربية. ولم يكن هذا العشق يصدر عن تعصب لهذه اللغة، وإنما كان يصدر عن فهم بغير حدود لطبيعة هذه اللغة وقدرتها على الأداء والتعبير، أي لعبقريتها.

وأنا أعرف أن الكثيرين ممن لا يحبون الأرسوزي، إنما يدفعهم إلى ذلك موقف الأرسوزي من اللغة العربية. إنهم لا يحبون في الأرسوزي هذا الموقف العقلاني من اللغة العربية. إنهم لا يحبون في الأرسوزي هذا الربط المحكم بين اللغة العربية وبين استمرار الوجود العربي. إنهم لا يحبون في الأرسوزي هذه المجابهة المعلنة بين حقيقة لغتنا وبين حقيقة جهلنا بها.

(2)

وحين كتب الأرسوزي عن اللغة العربية ما كتب، علت الدهشة وجوه الكثيرين. كان بعض هؤلاء المدهوشين يرى في هذا الذي كتبه الأرسوزي عن اللغة العربية وعبقريتها، نوعا من التواصل مع (فيخته) وما كتبه عن دور اللغة في بناء الأمة وحضورها واستمرارها، وشكلا من أشكال التأثر بفلاسفة اللغة الألمان الذين كشفوا عن حقيقة العلاقة الحميمة القائمة بين اللغة والأمة، بين الإنسان والقوم. وكان آخرون يرون في هذا الذي كتبه الأرسوزي عن اللغة العربية وعبقريتها نوعا من التعصب استعاروا له اسما من اللغات الأجنبية فأسموه (شوفينية)، وشكلا من أشكال التأثر بالفكر الفاشي الذي عاصر الأرسوزي صعوده في بدايات هذا القرن. وكان قسم آخر يرى في هذا الذي كتبه الأرسوزي عن اللغة العربية، موقفا سياسيا من مسألة الأمة والقومية، وهي المسألة التي كانت هاجس المفكرين والمثقفين في تلك الحقبة الغابرة من القرن العشرين، ونوعا من محاولة اكتشاف سند عقلي وحضاري وفلسفي لموقف هو في الأساس موقف سياسي. وكان آخرون يرون في هذا الذي كتبه الأرسوزي عن اللغة العربية محاولة لتضخيم الدور الذي يمكن أن تضطلع به اللغة في حياة الأمة، وتحميلا لما لا تحتمله اللغة، وإسقاطا لرؤية ذاتية ومثالية على حقيقة موضوعية.

(3)

ولست هنا في معرض مناقشة هذه الآراء، ولكني بصدد القول إن هذه الآراء لم تكن في نهاية المطاف غير تعبير عن مواقف سياسية تحاول أن تصطنع من الفكر ساترا تحتمي به أو تختبئ وراءه.

أحاول أن أقول إن ما بدا في لحظة من اللحظات سوء فهم للأرسوزي، أو حتى رؤية فكرية تختلف بقدر أو بآخر عن رؤيته، لم يكن في حقيقة الأمر غير موقف سياسي.

كان الأرسوزي يحاول، من خلال تعمقه في فهم اللغة العربية واكتشاف دورها الحضاري، أن يشد العرب إلى حقيقة ربما كانوا قد نسوها، وهي أنهم أمة تشهد لغتها على سموها وعظمتها وعراقتها ومقدرتها على العطاء، وأن يجعل العرب، بالتالي، أكثر ثقة بأنفسهم في المجابهة الحضارية والثقافية والقومية الآخذة بالاحتدام بينهم وبين أعدائهم.

(4)

وكان خصوم الأرسوزي يحاولون غير ذلك.

كان الأرسوزي يحاول إيقاظ العرب على حقيقتهم الحضارية، وكان خصوم الأرسوزي يحاولون حجب هذه الحقيقة لأغراض شتى ليس هذا مجال الدخول فيها وفي إشكالاتها.

وأنا أعرف أن خصوم الأرسوزي ما زالوا موجودين بيننا.

إنهم موجودون في إثارتهم الشكوك حول اللغة العربية ومقدرتها على مواكبة التطور.

إنهم موجودون في دعوتهم إلى سلب العرب من تاريخهم، أو سلب تاريخهم منهم.

إنهم موجودون في سعيهم إلى اصطناع فجوة بين العرب وتراثهم.

إنهم موجودون في وصمهم دعوة القومية العربية بالرجعية.

إنهم موجودون في إثارتهم الشكوك حول جدوى الوحدة العربية.

إنهم موجودون في إثارة اللبس حول حقيقة وجود الأمة العربية.

 

*نشرت في صحيفة الميثاق – العدد 391

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق