مقالات

ليس كل قديم قديما ولا كل جديد جديدا

بعض من كتابات صفوان قدسي

 

(1)

ليس كل قديم أصيلا، وليس كل جديد معاصرا. ذلك أن مقياس الأصالة ليس القدم وحده، ومقياس المعاصرة ليس الجدة وحدها.

ولقد مر بنا زمن كنا فيه ننظر إلى القديم فنصفه بالأصالة لمجرد أنه قديم، وننظر إلى الجديد فنصفه بالمعاصرة لمجرد أنه جديد. وقد آن الأوان لتبديل هذه النظرة.

(2)

ولو كان كل قديم أصيلا لمجرد أنه قديم، لما جاز لنا أن نفرق بين قديم وقديم، ولا أن نقيم تمييزا بينهما.

ولو كان كل قديم أصيلا لمجرد أنه قديم، لتساوى كل القديم في نظرنا، ولأصبح كل ما هو ميت من هذا القديم مساويا لكل ما هو حي.

ولو كان كل قديم أصيلا لمجرد أنه قديم، لما جاز لنا أن نميز بين تراث عربي قابل للاستمرار، وبين تراث عربي آيل إلى الزوال. ولما جاز لنا أيضا أن نصف هذا الجانب من تراثنا بأنه مضيء، وأن نصف الجانب الآخر بأنه لا يخلو من مثالب وعيوب.

ولو كان كل قديم أصيلا لمجرد أنه قديم، لما جاز لنا أن نقسم تاريخنا العربي إلى عصر نهضة وعصر انحطاط، ولتساوت النهضة مع الانحطاط، والتقدم مع التخلف، والتطور مع التقهقر، والحياة مع الموت.

(3)

ولو كان كل جديد معاصرا لمجرد أنه جديد، لما جاز لنا أن نميز بين جديد وجديد، ولأصبح كل ما هو حي وقابل للاستمرار من هذا الجديد، مساويا لكل ما هو غير قابل للاستمرار، ولأصبح الحاضر كله مضيئا.

ولو كان كل جديد معاصرا لمجرد أنه جديد، لامتنعت إمكانية التمييز بين فكرة وفكرة، وبين قيمة وقيمة، وبين مبدأ ومبدأ، وبين سلوك وسلوك.

(4)

في وقت من الأوقات، وقعت على مقالة لكاتب عربي كبير حاول فيها أن يتصدى لبعض الأشكال الأدبية، والشعرية منها على وجه الخصوص، التي كانت قد بدأت في الظهور في ذلك الوقت. وخلاصة ما تقوله هذه المقالة هي أن هذه الأشكال الأدبية تمثل نكسة خطيرة في عالم الشعر، وأن على الذين يزعمون أنها تمثل تطورا هاما، أن يعودوا إلى عصر الانحطاط العربي حتى يجدوا لها شبيها، مما يجعلهم مرغمين على الإقرار بأنها نكسة لا تطور.

وعلى الرغم مما في هذه النظرة من محاولة لمصادرة كل ما هو جديد في حياتنا الأدبية، فإنها تذكرنا على أية حال بحقيقة منسية، وهي أنه ليس كل جديد معاصرا لمجرد أنه جديد، وإنما يكون الجديد معاصرا عندما يحمل قيما جديدة ويبشر بها ويدعو إلى الأخذ بها.

(5)

بهذا المعنى، يصبح التعامل مع الجديد على أنه يمثل الحداثة، ومع القديم على أنه يمثل الأصالة، نوعا من التعصب لهذا الجديد أو القديم، من دون الانتباه إلى أنه ليس كل جديد معاصرا بالضرورة، وليس كل قديم أصيلا بالضرورة، وإنما الأصالة والمعاصرة مسألتان ينبغي الحكم عليهما بغير هذا المقياس، ففي هذا المقياس من الفساد ما يبطل هذا الحكم ويلغيه.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق