أبحاث ودراسات

مذكرات ثقافة تحتضر وكلام في القديم والجديد

بعض من كتابات صفوان قدسي

 

 

(1)

كان (كريستوفر كودويل)، وهو ناقد بريطاني ذائع الصيت، يرى إلى حضارة عصرنا على أنها حضارة آفلة تمضي مسرعة إلى نهايتها. وحين وضع كتابه المسمى (دراسات في ثقافة محتضرة)، كان همه منصرفا إلى حقيقة ماثلة في ذهنه، وهي أن ثقافة عصرنا، التي هي في جوهرها ثقافة الحضارة الرأسمالية، صائرة لا محالة إلى زوال.

في بداية السبعينات، وضع غالي شكري كتابا تحت عنوان: (مذكرات ثقافة تحتضر). وكان واضحا أن عنوان كتاب (كودويل) كان في ذاكرة المؤلف عندما اختار هذا العنوان لكتابه.

وها أنذا أستعير عنوان كتاب غالي شكري، لأني وجدت فيه شيئا مما أحاول أن أقوله في هذه الآفاق.

(2)

(كثيرا، وكثيرا جدا ما أشعر وكأن الكتب التي أصدرها والمقالات التي أكتبها، حجر ثقيل ألقي به في بحر فرسب في القاع وانتهى أمره عند ذلك).

هذا النص مجتزأ من حديث أجرته مجلة أسبوعية عربية مع الدكتور زكي نجيب محمود.

في هذا الحديث، يطرح المفكر العربي مجموعة أفكار تسهم بقدر أو بآخر في إيقاظنا على حقيقة أن كل واحد منا يوشك أن يتحول بمرور الزمن، إلى جواد معصوب العينين ومفتون بالدوران حوله نفسه.

ثقافتنا الراهنة لا تقول شيئا. حياتنا الفكرية خاوية من أي جديد. عقلنا في حالة تدهور. المستقبل أمامنا غامض لأننا عاجزون عن الأخذ بنموذج للتطور صالح لنا. الكاتب غائب لصعوبة النشر، والقارئ الجاد غائب، والناقد الجاد غائب أيضا. ليس لدينا مدارس فلسفية، وكل الاتجاهات الفلسفية منقولة عن الغرب الأوروبي. القضايا التي طرحت في عشرينات هذا القرن، كانت أكثر عمقا وأصالة في طرحها مما يحدث في وقتنا الراهن. رجال الفكر أصابهم الضيق وفقدان الحماسة فوقعوا في الشلل الفكري، وهم الآن أقل حرية في عرض أفكارهم مما كانوا عليه منذ قرن كامل من الزمن.

تلك هي الخريطة التي يرسمها زكي نجيب محمود لحياتنا الفكرية والثقافية، وتلك هي تضاريسها وحدودها كما يراها واحد من أبرز مفكرينا وأكثرهم إسهاما، على مدى خمسين عاما، في إغناء مكتبتنا العربية التي ارتفعت قامتها بمؤلفاته العديدة.

ليست هذه هي الصيحة الأولى لزكي نجيب محمود. فقد كانت له صيحات كثيرة في هذا المضمار. ففي أواخر عام 1974، كتب زكي نجيب محمود في (الأهرام) مقالا تحت عنوان: (ماذا صنعت خمسون عاما).

في هذا المقال، يرى الكاتب أن خمسين عاما في تطور حياتنا الثقافية بكل مقوماتها من فكر وأدب وفن، لم تفعل شيئا. وبكلمات الكاتب نفسه، فإن (القاعدة الشعبية ما زالت على أميتها، وأن القمة ذات الصوت المسموع- ولو إلى أمد محدود- هي من أبناء الجيل الماضي، وإنني أنظر، مقارنا بين العشرينات والسبعينات، فأجد أهل العشرينات أقوى استعدادا لقبول الجديد من أبناء اليوم، فأبناء اليوم تشد أعناقهم إلى الخلف لتتجه أبصارهم إلى الوراء بدرجة أكثر جدا مما يجوز لمن أراد أن يواكب عصره، ولست أريد أن أزيد على هذه العبارة الموجزة حرفا).

نحن إذن لسنا أمام رأي جديد يطلقه المفكر العربي زكي نجيب محمود، وإنما نحن أمام رأي يعود إليه صاحبه مجددا ليطرحه بصيغة جديدة، وبكلمات جديدة أشد وضوحا.

هل ينعي زكي نجيب محمود ثقافتنا الراهنة، أم أنه يعلن على الملأ أنها ثقافة تحتضر؟.

وإذا كانت الكتب التي أصدرها زكي نجيب محمود، والمقالات التي كتبها، حجرا ثقيلا ألقي به في بحر فرسب في القاع وانتهى أمره عند ذلك، فأي شيء يمكن أن يقال عن عشرات، بل مئات الكتب التي يشقى أصحابها قبل أن تخرج على الناس، ثم لا تجد من يقرؤها، فإذا وجدت القارئ لم تجد الناقد، وإذا وجدت الناقد لم تجد الأثر المطلوب الذي تتوخاه؟.

(3)

ما الذي يجعل البعض منا يمضي مع الفكرة القائلة إن ثمة آدابا عربية وليس أدبا عربيا؟.

ما الذي يجعل البعض منا يتحدث عن أدب سوري وآخر مصري وثالث لبناني ورابع عراقي؟.

ما الذي يجعل هذا البعض يتمسك، بقصد أو بغير قصد، بنظرية في الأدب العربي وتاريخه سميت بمذهب الإقليمية، على الرغم من أن الظن كان يمضي إلى أن هذه النظرية قد سقطت منذ زمن بعيد، وفقدت قدرتها على الحياة؟.

لقد قرأت منذ مدة رأيا للروائية ليلى بعلبكي، فهمت منه أنها رواية ذات خصائص تميزها عن غيرها من الروايات العربية. وهي لهذا السبب تطلق على هذه الرواية اسم الرواية اللبنانية.

ولست مهتما الآن بالدخول في جدل حول ما إذا كانت الرواية المكتوبة في لبنان تتميز بهذه الخصائص وتنفرد بمواصفات خاصة لا تتوافر في غيرها من الروايات المكتوبة في أقطار عربية أخرى، فهذه مسألة كنت أحسب أنها حسمت منذ زمن طويل، ولا حاجة لإثارة الجدل حولها، ولكني مهتم بالإجابة عن سؤال يتصل بمسألة ما إذا كنا في حديثنا عن رواية سورية، وأخرى مصرية، وثالثة لبنانية، ورابعة عراقية، إنما نسعى إلى إبراز خصائص مميزة لهذه الروايات يجعلها غير قابلة للتصنيف تحت اسم الرواية العربية، أم أننا نفعل ذلك تحت تأثير اعتبارات جغرافية فحسب.

أحاول أن أتساءل:

– هل المسألة مسألة تصنيف إقليمي، أم أنها مسألة تصنيف جغرافي؟.

لقد سبق لهذه المسألة أن أثيرت في الثلاثينات من القرن العشرين عندما ظهر من يقول إنه ليس ثمة أدب عربي وإنما هناك آداب عربية، استنادا إلى حجة تقوم على أن تعدد الأقاليم العربية وتنوعها يستوجبان ظهور آداب توافق هذا التعدد والتنوع.

وما زلت أذكر أنني قرأت في معرض الرد على هذه النظرية أنه إذا استعرضنا آثار أدباء هذا العصر، وجدنا مشابهة بين بعض الأدباء الذين ينتسبون إلى أقطار مختلفة. كما وجدنا تباينا كبيرا بين بعض الأدباء الذين ينتسبون إلى قطر واحد. وإذا أخذنا المتنبي كمثال على نظرية تعدد الآداب العربية، فإننا نجد أن المتنبي ولد في الكوفة، ونشأ في البادية، ثم عاش في بغداد وحلب ودمشق، وسافر إلى القاهرة، كما قضى بعضا من سني حياته في بلاد فارس، فكيف يمكننا أن نربطه بإقليم من هذه الأقاليم العديدة، وبيئة من هذه البيئات المتنوعة فنعتبر آثاره محصول ذلك الإقليم وتلك البيئة؟.

لا أظن أن في الأمر شبهة من لبس أو غموض، وإذا كنا نلجأ في بعض الأحيان إلى تسمية بعض الأعمال الأدبية العربية بأسماء الأقطار التي ظهرت فيها، فما ذلك إلا من قبيل التقسيم الجغرافي الذي لا يلغي بحال من الأحوال انتساب هذه الأعمال إلى الأدب العربي.

إنه مجرد تقسيم جغرافي لا يتصل بأية خصائص إقليمية تميز هذا العمل الأدبي وتجعله يتفرد بميزات تطمس جذره العربي.

(4)

أحب أحد العاملين في صحيفة عربية أسبوعية أن يداعب قراءه، فنشر في الصفحة الثقافية مقتطفا من كتاب قديم لتوفيق الحكيم صدر قبل نحو من أربعين عاما، يعلن فيه رأيه في الوحدة العربية، وهو رأي أقل ما يقال فيه إنه لا علاقة له بالوحدة العربية.

ويبدو أن هذا المحرر الفطن أراد بنشره هذا المقتطف أن يمنع الدهشة عن أولئك الذين وقع في ظنهم أن ما ينشره توفيق الحكيم هذه الأيام من آراء، وما يعقده من ندوات، إنما يمثل انقلابا على آرائه السابقة، ويشكل مرحلة جديدة في حياته الفكرية.

فهذا النص الناصع في وضوحه يقول من دون مواربة، إن معاداة توفيق الحكيم لعروبة مصر ومناهضته للقومية العربية، لا تمثلان موقفا طارئا في مجرى حياة الحكيم الفكرية، وإنما هما موقفان ثابتان حرص توفيق الحكيم على تأكيدهما منذ شبابه المبكر، وحافظ عليهما حتى وقتنا الراهن. وإذا كان قد صمت عن هذا الرأي طوال عشرين عاما، فقد كان ذلك تعبيرا عن إذعان مؤقت لتيار جارف اكتسح الوطن العربي على مدى عقدين من الزمن.

لنقرأ ما يقوله توفيق الحكيم في كتابه (تحت شمس الفكر): (سألني سائل عن رأيي في الوحدة العربية، فقلت له إني على الرغم من رغبتي في تكوين شخصيات فكرية مستقلة، ووحدات سياسية مستقلة لكل أمة من الأمم العربية والشرقية، فإني أحب أن نتذكر دائما أننا إزاء الغرب لنا صفة تجمعنا، وينبغي أن نحافظ عليها. فأوروبا اليوم عندما تبين لها خطر الحروب التي تقوض المدنيات، فقد ارتاعت وأرادت أن تحافظ على مصير ما تسميه (الروح الأوروبي)، فأقامت من أجل ذلك المؤتمرات التي دعي إليها كبار مفكري الأمم الأوروبية ليداروا الأخطار التي تهدد هذا الروح الأوروبي المريض، ونحن الشرقيين لنا- من غير شك كذلك- ما نستطيع أن نسميه الروح الشرقي).

لماذا نلوم توفيق الحكيم وهو الذي ينتمي إلى مدرسة فكرية لا تقيم تمييزا بين الروح العربي والروح الشرقي وتعتبرهما جزأين من كل واحد؟.

لماذا نلوم توفيق الحكيم وهو الذي ينتمي إلى نمط من التفكير يقوم على النظر إلى الوحدة العربية على أنها ليست ضرورية إلا بمقدار دعمهما لكتلة الروح الشرقي أمام كتلة الروح الغربي؟.

أحاول أن أقول إن توفيق الحكيم لا يستحق لوم اللائمين، فالرجل منسجم مع نفسه ومع أفكاره القديمة. وإذا كان ثمة من لوم يمكن أن يوجه إليه، فهو أنه لم يسع إلى تطوير أفكاره بما يتلاءم مع الحقائق الجديدة. أما أن يقال عنه إنه مرتد، ففي ذلك قدر من المغالاة.

أخشى ما أخشاه هو أن تكون المحكمة التي أقامها بعض المثقفين قبل ما يقرب من سنتين لمحاكمة توفيق الحكيم، مجرد محاولة تستهدف في نهاية المطاف محاكمة حركة القومية العربية التي رفض توفيق الحكيم الامتثال لتيارها الجارف في العقدين الأخيرين. ذلك أن هذه المحاكمة تمت عن طريق إعادة نشر اعتراضات توفيق الحكيم بصورة لم يكن الرجل نفسه قادرا على عرضها بهذه الصورة لو لم يعط الفرصة لفعل ذلك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق