مقالات

الفارابي… أعظم الأفكار.. باختصار

الفارابي الذي ولد قبل 1144 عاما

 

|   نجم عبد الكريم

 

استهلال:

النموذج الذي نتناوله في قراءاتنا، يعتبر المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي، والمنشئ الأول لما نسميه الآن: الفلسفة الإنسانية. فقد وضع الأساس لجميع فروعها، ولا نكاد نجد فكرة عند من جاءوا بعده من فلاسفة الإسلام إلا لها أصل لديه، وهو أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلسفة، وهو يتحدث في مؤلفاته حديث الخبير عن المدارس اليونانية، ويبين الفوارق بينها ويحاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو.

ولا تقل شهرته في شؤون السياسة والاجتماع عن شهرته في شؤون الفلسفة، بل إن شؤون السياسة والاجتماع كانت من أبرز مسائل الفلسفة من فجر نشأتها على يد سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلى الوقت الحاضر. ومن أجل ذلك استأثرت هذه الشؤون بقسط كبير من نشاط صاحب كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة الفارابي. وبرز في علاج مسائلها، ووقف عليها طائفة من مؤلفاته من أشهرها الكتاب الذي اتخذناه موضوعا لقراءتنا، وهو كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة.

التعريف بالمؤلف:

هو أبو نصر محمد المعلم الثاني والشهير بالفارابي، ولا ندري كيف كني بأبي نصر، مع أنه قد جرت العادة في الغالب أن يكنى الشخص باسم ابنه الأكبر. والمشهور من سيرة الفارابي أنه لم يتزوج ولم ينجب أولادا!.

وأما السبب في تلقيبه بالمعلم الثاني، فإن المؤرخ حاجي خليفة، يذهب إلى أن الفارابي قام بترجمة أعمال أرسطو الذي كان يلقب بالمعلم الأول. وبما أن الفارابي اعتبر من أكبر الشراح لآراء أرسطو، فقد أطلق عليه لقب المعلم الثاني. وقد جاء ذلك في كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون).

وقد اختلف المؤرخون في سلسلة نسب الفارابي، فقد ذهب البيهقي إلى أن الفارابي هو محمد بن طرخان، وذهب ابن النديم في الفهرست إلى ذلك أيضا.

أما أحمد الأندلسي فقال إنه محمد بن نصر، ومعظم الذين ترجموا للفارابي يذهبون إلى أنه تركي الأصل.

لكن ابن أصيبعة، ذكر أن والد الفارابي كان قائدا للجيش الفارسي، ولا نكاد نعرف شيئا يقينيا عن طفولة الفارابي الأولى، أما فيما يتعلق بالمراحل التالية من سيرته، فإنه عكف بعد أن بلغ على دراسة مواد العلوم الرياضية والآداب والفلسفة واللغات وخاصة التركية والفارسية واليونانية والعربية. وبلغت شهرته في إجادة عدد كبير من اللغات الأجنبية درجة منقطعة النظير، وقد ذكر المؤرخون رقما للغات التي يعرفها لا يخلو من كثير من المبالغة، وهذا يدل على شهرته بين معاصريه من تمكنه في معرفة اللغات.

الكتاب:

لا أحد يذكر متى بدأ الفارابي بتأليف كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ولكن صاحب كتاب عيون الأخبار ابن أبي أصيبعة، ذكر (أن الفارابي قد ابتدأ في بغداد بتأليف كتاب المدينة الفاضلة، والمدينة الجاهلة والمدينة الفاسقة والمدينة المبدَّلة والمدينة الضالة). وهذه أقسام للمدينة التي ذكرها الفارابي في فقرة من فقرات كتابه التي جعل عنوانها: (القول في مضادات المدينة الفاضلة).

وقد حمل الكتاب إلى الشام وأتم كتابته بدمشق، ومنذ القرن الثالث الهجري، ظل الكتاب يتنقل بين النساخ إلى أن قام المستشرق الألماني (دي تراسي) عام 1895، بطبع الكتاب في مدينة ليدن، ثم طبع كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة عدة طبعات في العالم العربي.

قصد الفارابي من كتابه هذا إلى تكوين مجتمع فاضل من نوع المجتمعات التي فكر فيها من قبل طائفة من فلاسفة اليونان كجمهورية أفلاطون وبنشاي إفهيمير ومدينة الشمس لـ كامبلانيلا. وقد أراد الفارابي أن ينشئ مدينته وفقا للمبادئ الرئيسة التي تقوم عليها فلسفته وآراؤه في السعادة والكون والأخلاق. وقد قسم الكتاب إلى قسمين حيث بدأ بتلخيص المبادئ الفلسفية التي يدين بها، والتي سيراعيها إلى حد ما في إنشاء مدينته. وقسم ختم به كتابه في شؤون هذه المدينة وما ينبغي أن تكون عليه في مختلف فروع حياتها.

ومع أن القسم الثاني هو المقصود بالذات من كتابه، فإنه لا يتوقف أمامه توقفا طويلا لأنه أعار القسم الأول ما يقرب من خمس الكتاب.

وقد وقف الفارابي في فاتحة البحث في الموجود الأول، وهو الله جل وتبارك، وبيان طائفة من صفاته كقوله:

(القول في الموجود الأول:القول في نفي الشريك عنه تعالى، ونفي الضد عنه، ونفي الحد عنه سبحانه، وأن وحدته عين ذاته، وأنه تعالى عالم وحكيم، وأنه حق وحيّ وحياة، والقول في عظمته وجلال مجده وصدور جميع الموجودات عنه، ثم القول في مراتب هذه الموجودات الروحية والمادية وحالات كل طائفة منها وصلتها بالله تعالى، وصلتها ببعضها.. وما إلى ذلك).

ثم يأتي إلى الموجودات الثواني، وكيفية صدور الكثير عن الواحد في الموجودات والأجسام التي لدينا.

ويسترسل الفارابي في شرح بيان ما تعطيه الطبيعة للإنسان، أما القسم الاجتماعي من كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، فقد وضع له ما يصح بتسميته تصميما للمدينة الفاضلة، وقد جاء هذا التصميم مشابها في معظم نواحيه لذلك التصميم الذي نجده لدى أفلاطون في جمهوريته مع فروق يسيرة عمد الفيلسوف لإحداثها لإعطاء المدينة الفاضلة التي يسعى إلى إنشائها.. الصبغة الإسلامية.

ومما قاله في هذا القسم:

(إن الإنسان اجتماعي بطبعه من جهة، ومضطر إلى هذا الاجتماع اضطرارا لسد حاجاته من جهة أخرى، وإنه من أجل ذلك نشأت الجماعات الإنسانية). ويقسم الفارابي الجماعات إلى قسمين:

مجتمعات كاملة:

وهي ما يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل لتحقيق سعادة الأفراد.

ومجتمعات ناقصة:

وهي ما لا يتحقق فيها هذا التعاون الكامل، ولا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها.

ويقسم المجتمعات الكاملة إلى ثلاث مراتب، فأرقاها مرتبة: اجتماع العالم كله في دولة واحدة وتحت سيطرة حكومة واحدة.

وأقل منها كمالا: أمة في جزء من المعمورة تحت سيطرة حكومة مستقلة.

وأقلها جميعا في الكمال: اجتماع أهل مدينة في جزء من الأمة تحت سلطة رئيس.

كما صنف المجتمعات الناقصة إلى ثلاث مراتب:

أولاها: اجتماع أهل القرية واجتماع أهل المحلة واجتماع أهل السكة ثم اجتماع أفراد أسرة في منزل.

ويقسم الفارابي في مدينته الفاضلة المجتمعات إلى:

عظمى ووسطى وصغرى.

ويرى الفارابي أن أفراد المدينة لا تحقق لهم السعادة، ولا تصبح مدينتهم فاضلة إلا إذا ساروا على غرار رئيسهم وأصبحوا صورة منه، وأن الرئيس لا يعد مؤديا رسالته إلا إذا وصل بهم إلى هذا المستوى الرفيع.

التأثيرات:

الذي لا شك فيه، أن للفارابي العديد من المؤلفات، ولكن لم يصل إلينا منها إلا أربعون رسالة، منها اثنتان وثلاثون كتبت في أصلها العربي، وست رسائل وصلت إلينا مترجمة إلى العبرية، ورسالتان مترجمتان إلى اللاتينية. هذا ما ذكره لنا كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي.

وفكرة المدينة الفاضلة أو الـ يوتوبيا، قد راودت الكثيرين من أولئك الأذكياء وممن يتمتعون بحس أخلاقي رفيع المستوى، أمثال شيشرون الروماني، والقديس أوغسطين في كتابه مدينة الرب، وكذلك دانتي في رسالته في الملكية، والسير توماس مور في اليوتوبيا، وفرانسيس بيكون في أطلانطس الجديدة. وهناك إشارات كثيرة إلى أن بعض هؤلاء قد وصلتهم جمهورية أفلاطون بعد أن قام بتحقيقها الفارابي. والحقيقة التي لا بد منها قبل أن نختم قراءة اليوم، أن الفارابي عاش زاهدا ومات زاهدا، فلم يكن يعبأ من متاع الدنيا سوى ما يضمن له قوت يومه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى