مقالات

الفارابي عربي

الفارابي الذي ولد قبل 1144 عاما

| فريد جحا

(1)

ذكريان غاليتان مرتا بنا في ربع القرن الأخير، ولا نولهما- مع الأسف- ما تستحقان. أولاهما: في السنة الخمسين من القرن العشرين وهي ذكرى مرور ألف عام على وفاة أبي نصر محمد الفارابي، والثانية في السنة السبعين من القرن ذاته، وهي ذكرى مرور ألف ومائة عام على ولادته.

هاتان الذكريان عزيزتان علينا في هذا القطر العربي السوري، لا لأن الفارابي قد قضى السنوات التسع الأخيرة من حياته في حلب ودمشق مؤثرا إياهما على بغداد، ولا لأنه مات في دمشق ودفن في مقبرة الباب الصغير، ولا لأنه عاش سنوات حياته الأخيرة في بلاط الأمير العربي العظيم سيف الدولة. هاتان الذكريان عزيزتان علينا لما تقدم، ولما في حياة الفارابي من نبل وسمو، وللآثار الكثيرة الكثيرة التي خلفها، والتي تجاوز عددها السبعين بين كتاب ورسالة، تناولت مختلف مناحي الثقافة المعروفة في عصره، وبعضها يحتل مكانة ممتازة لا في تراثنا العربي فحسب، بل وفي تراث الإنسانية أيضا. ولأن اليونسكو أخيرا قد أوصت بأن يحتفل- بدءا من عام 1970- بمناسبة مرور ألف ومائة عام على ولادته.

(2)

ومنذ ذلك العام، احتفل بالفارابي فيلسوفا وعالما وموسيقيا وإنسانا كبيرا في الاتحاد السوفيتي وتركيا وإيران والعراق، وخصص المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في الجمهورية العربية السورية، يوما من أيام عيد العلم الخامس عشر، فألقيت فيه بعض المحاضرات، وأقيم تمثال له في إحدى حدائق دمشق، كما أصدرت مؤسسة البريد طابعا تذكاريا عنه.

وقد أخبرني أحد الذين اطلعوا على ما تم في ذلك اليوم- وهو من أثق بثقافته وذوقه وبمحبته للتراث- أن ما ألقي فيه من محاضرات لم يوف الفارابي حقه. كما أن صورة التمثال الذي أقيم، والذي وزعت صورته على المشتركين، توحي بأن التمثال لم يكن موفقا، ففيه يظهر الفارابي أعمى، ويشبه فلاسفة الإغريق. كما أن تقاطيع وجهه لا توحي بالذكاء. أما الطابع الذي أصدر فكان غالي الثمن، باهت الألوان. يضاف إلى ذلك كله أن أجهزة الإعلام لم تتابع الاحتفال ولم تعرف به تعريفا كافيا. أما مجلة (المعرفة) التي نحبها، فقد نشرت مقالا في عدد شباط من عام 1976، بعنوان (مولد الفارابي وفلسفته). وهذا المقال هو الذي دفعني إلى كتابة هذه الكلمة.

(3)

أنا أحيا مع الفارابي منذ أربعة أشهر. قرأت الكثير الكثير مما كتب عنه باللغتين العربية والفرنسية، واطلعت على آثاره المتوفرة اطلاعا دقيقا، وقرأت بعضها قراءة مفصلة واعية.

وهاأنذا من موقع المعرفة والمسؤولية، أكتب هذه الكلمة ردا على المقال المذكور المنشور في مجلة المعرفة.

إن الفارابي عربي سواء كان تركي النسب، كما يرى بعضهم، أو كان (إيراني المنشأ) كما حاول أن يثبت الدكتور محمد جواد مشكور في مقاله الطويل ذاك.

إنه عربي تمشيا مع حديث الرسول العربي الإنساني: (ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي). كان الفارابي يتكلم العربية، وكان نتاجه الفكري كله بالعربية.

وهو عربي، لأنه درس في بغداد، وعاش حياته كلها في ظل الدولة العربية متنقلا بين عواصمها. ثم لأنه قضى السنوات الأخيرة من عمره في حلب ودمشق، متمتعا باحترام الأمير العربي العظيم سيف الدولة وإكرامه، ذلك الأمير الذي جعل من حلب درعا يدفع عن بلاد العروبة والإسلام هجمات الأعداء، ومربعا يلتقي فيه أعاظم الشعراء والفلاسفة والمفكرين. ألا يكفي بلاط سيف الدولة فخرا أنه ضم بين جنباته المتنبي الشاعر الكبير، والفارابي الفيلسوف والموسيقي والعالم؟.

(4)

أما قضية أصله التركي أو الفارسي، فنجد الرد عليها لدى المستعرب ماكس فانتاغو في مؤلفه (المعجزة العربية Le Miracle Arab). لقد ضم كتابه القيم ذاك بقوله: (مما لا شك فيه أن العلماء والفنانين لم يكونوا كلهم من دم عربي، ولكن ما أهمية ذلك؟. فهل تظن أن كل ما نسميهم يونانا هم من دم هيليني نقي؟. لا أحد يزعم ذلك. فلقد كان بينهم ليديون وكاريون ومقدونيون وسوريون. نسميهم يونانيين لأنهم كانوا يتكلمون، أو يكتبون، أو يفكرون باليونانية).

كان إيزوقراط يقول: اليونانيون هم الذين يشاركون في تكوين ثقافتنا، لا الذين يشاركوننا في أصولنا.

وبالرغم من فوارق الجنس والعصر والأزياء واللهجات، فإن العبقريات المختلفة كالخوارزمي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون تسمح لنا، لمجرد كونها قد فكرت بالعربية أن نسمي العصر الذي عاشت فيه باسم (القرون الوسطى العربية).

 

هذا المقال نقد لمقال نشرته مجلة (المعرفة) حين كنت أشغل فيها موقع رئيس التحرير.
صفوان قدسي

*نشر هذا المقال في صحيفة الميثاق – العدد 392

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى