مقالات

حافظ الأسد .. القراءة في كتاب التاريخ والتحليق في فضاءات المستقبل

صفوان قدسي يعيد قراءة حافظ الأسد

| صفوان قدسي

(1)

ليس من قبيل التفاخر اللفظي، ولا من قبيل المباهاة البلاغية، أن نختزل هذه الحقبة الفريدة والمتميزة من تاريخنا الوطني في بضع كلمات، لكنها الكلمات التي تضع يدها على الحقيقة، وتمسك بها، وتحكم قبضتها عليها، وهي أن هذه الحقبة هي تلك الحقبة التي أمكن فيها للبطل الذي يجسِّد تاريخ الأمة وثقافتها وقيمها ومثلها العليا وتراثها الفكري والنضالي، أن ينهض إلى حمل مسؤولياته الوطنية والقومية، وأن يتقدم الصفوف، وأن يعبّر أفضل تعبير عن لحظة تاريخية لا تبرز ولا تتكرر إلا عند المفاصل التاريخية الكبرى، وعند التحولات الاجتماعية والسياسية العظمى، وأن يختصر في شخصه، وفي فكره، وفي ممارسته السياسية والنضالية، وفي خصاله القيادية، وفي سجاياه النضالية، وفي قدراته الاستثنائية، وفي مواهبه غير العادية، هذه اللحظة التاريخية التي تحتاج إلى بطل ينهض للتعبير عنها، وللسير بها في الاتجاه الذي تغدو معه هذه اللحظة التاريخية لحظة فاعلة، ولحظة فاصلة بين ما هو كائن، وبين ما ينبغي أن يكون، ولحظة قادرة على الانتقال بنا من حقبة تاريخية آفلة، إلى حقبة تاريخية مقبلة وصاعدة.

هذا البطل الذي فعل ذلك كله، ونجح في هذا الذي فعل نجاحا منقطع النظير، وأفلح في توظيف هذه اللحظة التاريخية توظيفا فاعلا ومؤثرا بما يخدم المصالح الوطنية والقومية، هو حافظ الأسد.

(2)

دعونا، هذه المرة فقط، نكف عن العودة إلى بداية هذه الحقبة الفريدة والمتميزة من تاريخنا الوطني، ونكتفي، في حدود هذا الحيز المتاح من هذه الصفحة، بأن نركز العقل والفكر والحواس السليمة، على مساحة محدودة من الزمان، لأن من شأن هذا التركيز أن يجعلنا أكثر قدرة على استعادة الحقائق الناصعة في وضوحها، البيِّنة في جلائها، القادرة على استخلاص ما ينبغي استخلاصه من نتائج ومن دروس مستفادة.

(3)

هاكم حافظ الأسد في الساعات الأولى من غزو العراق للكويت واجتياح الأرض والشعب وكل القيم العربية الشريفة والنبيلة، يمارس قدرته غير المحدودة على استكشاف أعماق الواقع، وعلى استشفاف آفاق المستقبل، وعلى الإصغاء جيدا لنبض الأحداث، وعلى الإحساس بحجم المخاطر والمهالك التي رآها حافظ الأسد مقبلة علينا لا محالة، فكانت خطواته المحسوبة والمدروسة تعبيرا صادقا وأمينا عن هذه الرؤية الاستراتيجية القادرة على ارتياد الآفاق البعيدة، وعلى تهشيم قشرة الواقع والنفاذ إلى الأعماق السحيقة، وعلى حل كل الألغاز والأحاجي، وعلى فك جميع الطلاسم، وعلى وضع الأمور في نصابها، بل وفي حجمها الحقيقي والواقعي أيضا.

ثم هاكم حافظ الأسد ينطلق إلى ترجمة هذه الرؤية الاستراتيجية ترجمة صحيحة، فيدعو، في جملة ما يدعو، إلى معالجة قومية لهذا الخطأ التاريخي الذي وقع بفعل الغزو والاجتياح، ثم يطلق صيحته الشهيرة في قمة القاهرة، محذرا ومنبها، راسما صورة دقيقة لملامح المستقبل، واضعا اليد على الأخطار والمخاطر.

وحين تكون الدعوة وحدها غير كافية، أو حتى غير مجدية، لأن الأذن التي ينبغي لها أن تصغي وتسمع هي أذن صماء إزاء دعوة الحق وصيحة التاريخ، فإن الفعل المجدي يغدو أمرا لا مفر منه في محاولة للحيلولة دون وقوع الكارثة.

(4)

وحين بادرت سورية حافظ الأسد إلى ممارسة هذا الفعل المجدي، فإنها بذلك إنما كانت تستلهم تاريخها الذي هو تاريخ الأمة، وتراثها النضالي الذي هو تراث العرب، تماما مثلما كانت تستلهم القيم القومية الأصيلة، والمثل العربية النبيلة.

بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأعمق. فالمسألة ليست مسألة استلهام التاريخ والتراث فحسب، ولا هي مسألة استلهام القيم القومية والمثل العربية فقط. هناك، إلى جانب ذلك كله، وبالإضافة إليه، البعد السياسي والاستراتيجي لممارسة هذا الفعل المجدي.

هذا البعد السياسي والاستراتيجي هو الذي حمل حافظ الأسد على اتخاذ القرار الصعب في اللحظة الصعبة، إن لم نكن أكثر دقة فنصف القرار بأنه القرار الشجاع الذي لا يقدر عليه إلا أولو العزم والعزيمة الذين اعتادوا على ارتياد الآفاق البعيدة، وعلى التحليق في الأجواء الفسيحة، وعلى اقتحام الصعاب، بل وعلى التجول في الحقول المزروعة بالألغام، والسباحة في البحار الهائجة والمحيطات المترامية الأطراف.

(5)

وحين واجهتُ سؤالا حول هذا الفعل المجدي الذي أومئ إليه، فإني قلت، في جملة ما قلت، إن ما فعله حافظ الأسد إنما كان بحجم الكارثة. وكان فعله دائما في مستوى قوله، بل إنه كان الفعل الذي يسير في خط متواز مع القول، إن لم يتقدم في كثير من الأحيان على القول ويسبقه.

(6)

وحين نحلل كل كلمة نطق بها حافظ الأسد في معرض تحديد رؤيته للأزمة، فإننا سوف نقع على الحقيقة الآتية، وهي أن حافظ الأسد ارتقى بالنص السياسي العربي، وبالفكر القومي العربي أيضا، إلى مستويات جديدة لم يبلغها أحد من قبل، وكان صوته صوت العقل، وصوت الحق، وصوت الضمير، وصوت الحكمة، وصوت الشجاعة، وصوت المسؤولية القومية. لقد شقَّ هذا النص السياسي، وذاك الفكر القومي، آفاقا شاسعة وواسعة، وأحيا في ذاكرتنا تلك الروابط الأصيلة والعميقة التي تجمعنا كأمة عربية واحدة تشترك في التاريخ والتراث والحضارة واللغة والقيم الروحية والآلام والآمال والمصير.

(7)

وما زلت أذكر كيف أن إحدى الصحف العربية وجهت إليَّ سؤالا حول الأضرار الجسيمة التي ألحقها اجتياح الكويت بالقضية القومية العربية، وبالفكر الوحدوي العربي، فكانت إجابتي شكلا من أشكال القراءة لما قاله حافظ الأسد في هذا المضمار.

لقد طرح حافظ الأسد جملة تساؤلات تحمل في الوقت نفسه جملة إجابات. لقد تساءل: هل يمكن أن نقول إن غزو الكويت وضمها جعلا الأمة العربية في وضع أقوى؟. هل يمكن أن نقول إن غزو الكويت زاد من إمكانات العرب أم قلل من إمكاناتهم؟. هل وحَّد الصفوف أم فرَّق الصفوف؟. هل عزز مكانتنا على الساحة العالمية أم هزَّ هذه المكانة وأضعفها؟. هل أفاد شعب الكويت أم شرَّد الجزء الأكبر من شعب الكويت، بينما الجزء الآخر في أسوأ حال؟. هل أفاد العراق أم أخذ يهدر مرة أخرى إمكانات العراق ويضعه في موضع ينذر بشرٍ مستطير؟. ثم يختصر حافظ الأسد الأمر كله في كلمات معدودات: غزو الكويت وضمُّه وإلغاء الدولة، كارثة كبرى، وخطيئة لا تغتفر.

(8)

هل كان حافظ الأسد يرجم في الغيب؟. أم أنه كان يقرأ في كتاب التاريخ؟.

ليس الأمر، بكل تأكيد، رجما في الغيب.

الأمر، بكل تأكيد، هو قراءة صحيحة ودقيقة في كتاب التاريخ. ومن يقرأ في كتاب التاريخ فإنما يقرأ في كتاب المستقبل، لأن كتاب التاريخ، بقدر أو بآخر، هو كتاب المستقبل، ولأن التاريخ، في تعريف مستساغ من تعريفاته العديدة، هو علم المستقبل.

(9)

وحين نعود الآن إلى كل كلمة نطق بها حافظ الأسد، فإننا سوف نقع على حقيقة مذهلة، وهي أن حافظ الأسد كان قادرا، ومنذ الساعات الأولى للاجتياح العراقي للأرض والبشر والقيم العربية، على أن يقرأ في كتاب المستقبل القراءة التي مكنته من أن يرى ما عجز الكثيرون عن رؤيته، وأن يقدّر ما أخفق العديدون في تقديره، وأن يتوقع ما قصرت الكثرة الكاثرة عن توقعه، وأن يتنبأ بما لم يفلح الآخرون في التنبؤ به.

(10)

ومرة أخرى، فإن الأمر ليس رجما في الغيب، وإنما هو قراءة صحيحة للواقع، وفهم عميق للتاريخ، وقدرة عاقلة على استكشاف المستقبل.

وبعد أن وقعت الكارثة، ولم يفلح صوت العقل والوجدان في الوصول إلى الآذان الصماء، وبعد أن زالت الغشاوة عن بعض الأبصار، وبعد أن أصبح كل شيء ناصعا في وضوحه، فأي كلام يمكن أن يقال غير هذا الكلام، وهو أن حافظ الأسد رأى فأحسن الرؤية، وقدَّر فأجاد التقدير، وفكَّر فحلَّق في التفكير، وتصرف فكان تصرفه هو التصرف المناسب في اللحظة التاريخية المناسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى