مقالات

حافظ الأسد اللحظة الهاربة من التاريخ

صفوان قدسي يعيد قراءة حافظ الأسد

| صفوان قدسي

 

(1)

حين نتحدث عن رؤية حافظ الأسد السياسية، فإنما نتحدث، أولا وقبل كل شيء، عن رؤيته القادرة على النفاذ إلى أعماق الواقع، واختراق حجبه، وتحطيم أقفاله، والدخول إلى أرجائه الفسيحة، واكتشاف ثوابته ومتغيراته.

لكن حافظ الأسد لم يفعل ذلك إلا لكي يعمد إلى تصحيح هذا الواقع وتنقيحه، بل وإلى تغييره وتبديله.

أليسَ هذا هو علم تغيير الواقع، وعلم تغيير المجتمع؟.

أليس هذا هو علم الثورة؟ .

(2)

هذه الرؤية السياسية نستطيع أن نطلق عليها اسم الرؤية التاريخية.

وهذه الرؤية التاريخية هي تلك الرؤية التي تفلح في إقامة توازن بين ما يمكن تسميته بالميل التاريخي، وبين قدرة الإنسان على توجيه حركة التاريخ، أي بين إرادة التاريخ وإرادة الإنسان.

وليس معنى ذلك أن هناك إرادة تاريخية معزولة عن إرادة الإنسان ومقطوعة الصلة بها، فهذه الإرادة التاريخية ليست إلا اتجاها عاما يتحرك التاريخ بمقتضاه، لكنه الاتجاه، أو لنقل الميل، الذي لا يحذف دور الفعل الإنساني ولا ينفيه ولا يلغيه، وإنما يترك له مساحة شاسعة من الأرض يقف فوقها، ويتحرك من خلالها، ويفعل فعله الحاسم في التأثير في حركة التاريخ وتوجيهها.

(3)

ثم إن هذه الرؤية التاريخية لا تتعامل مع الواقع من خلال بعض ظواهره وتجلياته، وإنما تتحرك عميقا في هذا الواقع، وتهشم قشرته الخارجية، وتبحر بعيدا في محيطاته، وتتجول في قاراته. إنها رؤية ترى إلى الواقع على أنه واقع قابل للتبديل والتعديل، وللحذف والإضافة، وبالتالي فإنها ترى إلى الواقع على أنه ليس سوى لحظة من لحظات التاريخ، وهو ليس لحظة هابطة من السماء، وإنما هو لحظة مصنوعة فوق الأرض، وبالتالي فإن هذه اللحظة التاريخية المتجسدة في الواقع والمتحققة من خلاله، يمكن تجاوزها، أو على الأقل اختزالها واختصارها، حين تتوفر لدى الإنسان إرادة التجاوز.

(4)

وأكثر من ذلك، فإن لحظات التاريخ ليست كلها لحظات من صنع التاريخ. هناك دائما ما يمكن أن نطلق عليه اسم اللحظة الهاربة من التاريخ. هذه اللحظة الهاربة من التاريخ هي تلك اللحظة التي يتراخى فيها التاريخ بحيث تتمكن هذه اللحظة أو تلك من الخروج عن التاريخ، والخروج عن سياقه، والخروج عن ميله العام. إنها تلك اللحظة التي تتمكن من التسرب من بين يدي التاريخ والإفلات بعيدا في اتجاه آخر مخالف كل المخالفة لما نسميه بالسياق التاريخي العام.

(5)

 

أوجز وأختزل فأقول إن هذه الرؤية التاريخية هي التي تملك القدرة على تطويع الواقع وترويضه، وبالتالي فإنها تغدو قادرة على إخضاعه وتبديله وتغييره.

(6)

لكن تغيير الواقع يستوجب دائما أن نمتلك ذاكرة نشطة، وأن نحتفظ بهذه الذاكرة النشطة، لكي نوظفها في خدمة الهدف الذي نسعى إليه ونعمل من أجله.

هذه الذاكرة النشطة هي التي تستطيع أن تفعل فعلها الحاسم حين تقع محاولة هنا أو هناك لنشر كمية من الضباب الفكري والسياسي بيننا ومن حولنا، يكون من شأنها أن تحجب عنا الرؤية الواضحة النقية، وهي التي تملك في نهاية المطاف أن تقول الكلمة الأخيرة، حين تكون عملية التزوير السياسي والتضليل العقائدي قائمة على قدم وساق، وحين تكون مراكز المحاكمة السليمة في أدمغتنا وعقولنا عرضة لهجمة ضارية، تحاول أن تنال من قناعاتنا وأن تسلب منا هذه القناعات أو تسلبنا منها.

(7)

كذلك فإن هذه الذاكرة النشطة هي التي تستطيع أن تضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة السافرة، وهي أن طموحات قومية في مستوى طموحاتنا لامناص من أن تستنفر قوى عديدة تتعارض مصالحها وتتناقض مع هذه الطموحات، وأن قيادة تاريخية واستثنائية كقيادة حافظ الأسد لابد من أن تستعدي حكاما وأنظمة سياسية، تستطيع قامة حافظ الأسد السياسية والفكرية أن تحجبهم عن الأبصار وأن تضعهم في زاوية صغيرة مظلمة.

(8)

ثم إن هذه الذاكرة النشطة تستطيع أن تضع أمام أبصارنا لوحة تاريخية مكتملة التفاصيل، ومشهدا سياسيا مكتمل التضاريس.

هذه اللوحة التاريخية، وذلك المشهد، ليسا شيئا آخر غير أنه في كل مرة تنتصب فيها قامة قيادية وسياسية وفكرية كقامة حافظ الأسد، فإن الثورة المضادة سرعان ما تحاول استجماع قوتها، لكي تعمد بعد ذلك إلى تسديد طلقاتها أملا في أن تختلس لحظة هاربة من التاريخ تستطيع من خلالها أن تجهض طموحاتنا الوطنية والقومية.

أما كان جمال عبد الناصر تجربة كبرى تستحق أن تدرس بعناية وأن تستخلص منها الدروس المستفادة؟.

(9)

هذه الذاكرة النشطة هي التي تجعل حافظ الأسد يختزل الأخوان المسلمين في عبارة موجزة معبرة فيقول إنهم يعيشون خارج التاريخ.

(10)

هذا الكلام الموجز والمعبر في آن معا، إنما يعيد إلى الذاكرة السياسية وقائع وأحداثا لها من العمر الآن سنوات وسنوات.

إنه يعيد إلى الذاكرة السياسية تلك الواقعة التي أشار إليها حافظ الأسد حين تحدث عن تحرك الإخوان المسلمين ضد مصر عبد الناصر فيما كان الرجل في ذروة مقاومته للاستعمار والقوى الاستعمارية .

هل تذكرون ما الذي حدث آنذاك؟.

لقد أرسلوا آنذاك واحدا ممن أفلحوا في تجنيدهم ليسدد النار إلى جمال عبد الناصر فيما كان يقوم بإلقاء خطاب من خطبه الشهيرة، لكن الطلقات أخطأت الهدف، فما كان من جمال عبد الناصر إلا أن نهض مخاطبا الجماهير المحتشدة أمامه قائلا: إذا مات جمال عبد الناصر، فأنتم جميعا جمال عبد الناصر.

(11)

ثم إن هذا الكلام الموجز والمعبر في آن معا إنما يعيد إلى الذاكرة السياسية معارك كبرى كان الإخوان المسلمون أحد طرفيها، وكانت القوى الوطنية والقومية طرفها الآخر.

ومن يتذكر الشارع السياسي العربي في الخمسينات من القرن العشرين، فإنه سوف يتذكر لا محالة تفاصيل ذلك المشهد الذي كان قيام الوحدة فصل الختام فيه.

(12)

لكن هناك شيئا آخر يجب أن يقال في هذا المجال، وهو أنه حين نقول إن هذه الفئة الضالة المضللة إنما تقف خارج التاريخ، فإنما نعني كلاما واضحا ومحددا، وهو أنه حين يكون هناك ما يمكن أن نقول عنه إنه ميل تاريخي أي اتجاه ومسار للتاريخ من دون أن نقول إن هناك حتمية تاريخية، فإن أولئك الذين يقفون ضد هذا الميل التاريخي إنما يحكمون على أنفسهم حكما قاطعا ومبرما بأن يقفوا خارج التاريخ، أي خارج حركته المستمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى