مقالات

حافظ الأسد الوطني والقومي

صفوان قدسي يعيد قراءة حافظ الأسد

| صفوان قدسي

(1)

سورية حقيقة تاريخية وجغرافية وسياسية. وحين يكون هناك من يحاول أن ينال من هذه الحقيقة، أو أن يقلل من شأنها، أو أن يضعف من تأثيرها، فإن هذه المحاولة محكوم عليها بالإخفاق الذريع.

(2)

وليس في هذا الكلام أي قدر من المباهاة القطرية أو من المفاخرة الإقليمية، بل لعل العكس هو الصحيح. ذلك أن هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية والسياسية ليست مجرد حقيقة قطرية أو إقليمية، وإنما هي، قبل ذلك كله وبعده، حقيقة قومية ناصعة في وضوحها.

لماذا؟.

لأن هذه الحقيقة التي اسمها سورية إنما تضع نفسها وشعبها وقدراتها في خدمة أمتها العربية. وأكثر من ذلك، فإن هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية والسياسية إنما تُعدُّ اختزالا لحقيقة أخرى وامتدادا لها.

هذه الحقيقة الأخرى هي الأمة العربية.

(3)

وحين تختزل سورية أمتها العربية وتختصرها في حقيقة موجزة ومركزة، فإنها لا تفعل ذلك من قبيل احتكار العمل القومي، ولا من قبيل الانفراد السياسي.

كل ما في الأمر هو أنها تفعل ذلك من قبيل تحمل مسؤولياتها القومية التي هي بالضرورة مسؤوليات وطنية أيضا.

لأن الأمن الوطني هو مجرد امتداد للأمن القومي، ولأن الدفاع عن التراب القومي هو في الوقت نفسه دفاع عن التراب الوطني.

(4)

وحين نهض حافظ الأسد إلى تحمل مسؤولياته القومية، فإنه لم يكن يتصدى بذلك إلى القيام بمهمة قومية فحسب، وإنما كان يتصدى في الوقت نفسه إلى القيام بمهمة وطنية، لأن القومي هنا والوطني تعبيران عن حقيقة واحدة لا يمكن تفكيك أجزائها أو انتهاك وحدتها.

(5)

وحين تكون هناك محاولة لتفكيك هذه الحقيقة وانتهاك وحدتها، فإن هذه المحاولة لن تفلح في الوصول إلى أغراضها، لأن الوطني حين يتطلع إلى القومي، ولأن القومي حين يرتد إلى الوطني، فإن وحدة الوطني والقومي تغدو وحدة غير قابلة للتفكيك ولا للانتهاك.

(6)

ثم إن هناك دائما أمنين: أمن وطني وأمن قومي.

لكن الأمن القومي ليس مجرد امتداد طبيعي للأمن الوطني. كذلك فإن الأمن القومي ليس مجرد حاصل جمع الأمن الوطني لقطرين عربيين أو ثلاثة أقطار، أو حتى لجميع الأقطار العربية. لأن العملية ليست عملية جمع، بقدر ما هي عملية ضرب.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن الأمن القومي العربي يعلو على الأمن الوطني لهذا القطر العربي أو ذاك، ويرتفع فوق الأمن القطري لهذه الدولة العربية أو تلك. لأن المسألة هنا هي مسألة الوجود العربي بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

(7)

ومع ذلك فإن هناك علاقة وثيقة بين الأمن الوطني والأمن القومي، لأن الأمن الوطني يغدو مهددا حين يتعرض الأمن القومي للتهديد. كذلك فإن الأمن القومي يغدو بدوره مهددا حين يتعرض الأمن الوطني للتهديد.

لكن الأمر ليس معادلة بين طرفين متساويين ومتوازنين.

(8)

أحاول أن أشرح وجهة نظري على النحو الأتي، وهو أن الأولوية دائما للأمن القومي، لأن الأمن الوطني جزء لا يتجزأ من هذا الأمن القومي، ولأن الأمن الوطني يغدو أمنا منقوصا في غياب الأمن القومي.

لكن ذلك لا يعني التقليل من شأن الأمن الوطني، لأن الانتقاص من الأمن الوطني لقطر عربي ما سرعان ما يغدو انتقاصا من الأمن القومي العربي برمته.

وحين ندرك هذه العلاقة المتبادلة بين الأمن الوطني والأمن القومي، فإن الصورة تغدو واضحة كل الوضوح.

(9)

هاكم مثالا من التاريخ العربي المعاصر.

ففي عام 1962 على وجه التحديد، سارع جمال عبد الناصر إلى مساندة الثورة اليمنية مساندة جعلته يبادر إلى إرسال جزء لا يستهان به من قواته المسلحة إلى اليمن دفاعا عنها وعن ثورتها.

وكان جمال عبد الناصر يقول إنه بدفاعه عن التراب اليمني إنما يدافع عن التراب الوطني المصري، وأنه بحمايته للثورة اليمنية إنما يقدم الحماية للثورة المصرية.

وكان واضحا أن جمال عبد الناصر إنما كان يدرك كم هي العلاقة وشيجة وحميمة بين الأمن الوطني والأمن القومي. وكان واضحا في الوقت نفسه أن جمال عبد الناصر لم يكن يفصل بين الأمنين، على الرغم من إدراكه بأن المعادلة بين الأمنين ليست معادلة بين طرفين متساوين ومتوازنين.

(10)

وحين نجعل هذا الكلام ينسحب على لبنان، فإننا نستطيع القول إن حافظ الأسد حين كان قام بعملية الربط الوثيقة والمحكمة بين الأمن الوطني والأمن القومي، فإنما كان  يفعل ذلك انطلاقا من قناعة راسخة بأن أمن سورية هو من أمن وطنها العربي، وأن الأمن القومي العربي هو بدوره من أمن سورية.

وإذا كان أمن اليمن جزءا من أمن مصر، فأي شيء يمكن أن يقال عن العلاقة بين أمن لبنان وأمن سورية؟.

أي شيء؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى