أبحاث ودراسات

حافظ الأسد .. تفاعل وتكامل

صفوان قدسي يعيد قراءة حافظ الأسد

| صفوان قدسي

 

(1)

لكل محارب استراحة. واستراحة المحارب لا تعدو أن تكون بضع لحظات يستعيد المحارب خلالها حيويته ونشاطه، ويسترد صحته وعافيته، ثم ما يلبث بعد ذلك أن يستأنف اعتلاء صهوة جواده شاهرا سيفا يضرب به أعناق الأعداء ويردهم على أعقابهم.

(2)

وحين تنتهي استراحة المحارب، فإن عودته إلى ساحات القتال تغدو استئنافا لحرب طويلة الأمد لا تنتهي ولا تتوقف قبل أن تنجز أهدافها وتحقق غاياتها. إنها استئناف لرحلة طويلة حافلة بالانتصارات الكبرى، وبالمجازفات السياسية الكبرى أيضا.

(3)

يخاطب المحارب العائد من استراحته شعبه وأمته:

إن العواطف التي أحطموني بها هي كنز ثمين لا تعادله بالنسبة لي كنوز الدنيا مجتمعة، بكل المعاني التي تحملها كلمة الكنوز، لأن هذه العواطف مبعث فخر واعتزاز لا ينضب، ومصدر قوة لنا في هذا الوطن العزيز، وهي تجسد وحدة وطنية حقيقية.

(4)

يستأنف المحارب العائد من استراحته:

لقد كنت معكم خلال الأسابيع الماضية بكل جوارحي وأبعد أعماقها، بكل عواطفي في ذرى حرارتها. كنت معكم بعقلي وفكري، بل كنتم كل عقلي وفكري. كان همي شعبي وأمتي. كان همي قضيتنا، مبادئنا، حقوقنا، مصالحنا، كرامتنا وكبرياءنا.

(5)

يتابع المحارب العائد من استراحته:

أنتم الآن ضمير هذه الأمة، وشرفها، وكبرياؤها، وأمل جماهيرنا في كل مكان، لأنكم الصامدون المضحون بكل أنواع التضحية دفاعا عن أرض العرب ومستقبل العرب. وسيظل هذا دوركم تتميزون به إلى أن تأخذ جماهير الأمة مكانها، خاصة في صنع قراراتها المصيرية. وعلى عواتقكم يقع العبء. وقد أثبتم أنكم جديرون بحماية مبادئ هذه الأمة والتصدي لمن يحاولون تضليلها وإعماءها وحرفها عن مسيرتها، وقيمها، ومعاييرها التاريخية.

(6)

ثم ينتهي المحارب العائد من استراحته إلى القول: أعترف أنني لا أملك من الكلمات ما يمكنني من التعبير الدقيق عن مشاعري نحوكم، ومن وصف مشاعر التقدير والاحترام التي أثرتموها في نفسي، وأنتم تغمرونني بما غمرتموني به من عواطفكم ومحبتكم، فأكتفي بالقول: آمل أن يوفقني الله في خدمتكم، وأن يوفقنا جميعا من أجل بناء هذا الوطن، وعزه، ومجده، طريقا إلى عز الأمة ومجدها وفخارها.

(7)

إنها عودة المحارب إلى ساحات القتال، التي نشأ فيها، وتربى في معاركها. وهي عودة المحارب إلى شعبه الذي أعطاه من حبه ووفائه ما لم يعطه لأحد في يوم من الأيام، والذي بادله المحارب حبا بحب، ووفاء بوفاء. وهي عودة المحارب إلى التاريخ، يصنعه ويحركه ويوجهه في الاتجاه الذي يكون فيه عز الأمة ومجدها وكبرياؤها.

(8)

وحين يكون بيننا، وفي المقدمة منا، هذا الصانع العظيم للتاريخ، فإن الحد الأدنى المطلوب منا هو أن ينهض من بيننا من يتصدى لمهمة كتابة التاريخ.

وإذا كانت كتابة التاريخ لا ترقى بحال من الأحوال إلى مستوى صناعة التاريخ، وإنما هي دون ذلك بكثير، فليس معنى ذلك أن نهمل كتابة التاريخ وأن لا نوليها العناية الكافية، فبين صناعة التاريخ وكتابته صلة قربى لا بد من أن تؤخذ بعين الاعتبار.

(9)

وحين يكون التاريخ هو الذاكرة السياسية لشعب من الشعوب، فإن معنى ذلك هو أن كتابة التاريخ هي التي تمكن شعبا من الشعوب من أن يحتفظ بذاكرته السياسية. وحين يحتفظ شعب من الشعوب بذاكرته السياسية، فإنما يحتفظ بتجربته الوطنية، وبخبرته القومية، وبممارسته النضالية، وبحيويته الفكرية، وبقدرته على أن يستمد من ذلك كله الإلهام الذي يمكنه من أن يثير لديه حوافز العمل على استكمال هذه التجربة، وتعميق تلك الخبرة، وتحسين مستوى تلك الممارسة، والانتقال بتلك الحيوية إلى حيث يكون اكتمالها وكمالها.

(10)

وما زلت أذكر كلاما لأحد المنظرين السياسيين يقول فيه إن الناس قسمان: الأبطال يصنعون التاريخ، والآخرون يسجلونه.

(11)

وحين يمضي الواحد منا إلى إمعان النظر جيدا في هذه الحقبة من تاريخنا، فإنه سرعان ما يقع على حقيقة مؤداها أن هذه الحقبة ليست مجرد لحظة من لحظات التاريخ المتعاقبة، وليست مجرد حصيلة تطور عفوي وتلقائي، وإنما هي لحظة صنعهتا إرادة بشرية حرة وطليقة، ونسجت خيوطها رؤية سياسية عميقة وأصيلة، هي في الأساس رؤية ترى إلى التاريخ على أنه التعبير الأمثل عن جهد بشري يتحرك في اتجاه معين، ويسعى إلى تحقيق غايات محددة. إنه ليس مجرد حركة عشوائية، ولا هو مجرد آلة كبرى لا قبل للإنسان بالتحكم في حركتها أو السيطرة عليها، وإنما هو نشاط بشري تصنعه إرادة حرة وطليقة، وتوجهه رؤية سياسية عميقة وأصيلة، ويحدد مساره نزوع قومي فاعل ومؤثر، ويرسم خطواته جهد إنساني يعرف غاياته ويسعى إلى تحقيق مراميه.

(12)

يعود المحارب من استراحته ليستأنف جهده في صنع التاريخ، وليتابع عمله في إعادة صنع الحياة فوق الأرض العربية.

(13)

البطل في التاريخ هو استجابة للحظة تاريخية معينة. إنه استجابة لهذه اللحظة التي تحتاج إلى من يجعلها لحظة فاعلة ومؤثرة. وهو تلبية لضرورات سياسية وحاجات اجتماعية. وهو تفاعل مع ظرف موضوعي محدد له شروطه ومواصفاته.

(14)

لكن البطل في التاريخ ليس مجرد هذه الاستجابة، أو تلك التلبية، أو ذلك التفاعل. إنه، بالإضافة إلى ذلك، فعل في هذا التاريخ، تحريض له وتحريك. وحتى حين يكون البطل في التاريخ استجابة للحظة تاريخية معينة تحتاج إلى من يختزلها في فعل سياسي وثوري حاسم في تأثيره، فإن هذه الاستجابة لا يمكن أن تكون مجرد استجابة عفوية وتلقائية. أي أن التاريخ لا يصنع أبطاله في غياب الوعي. بل لعل العكس هو الصحيح. فهذا الوعي هو الشرط الذي لا يستغنى عنه في عملية تاريخية كبرى من هذا الطراز. ذلك أن التاريخ لا يملك قوة قانون الطبيعة، وإنما يملك قوة قانون الإنسان. وبين قانون الطبيعة وقانون الإنسان فوارق لا تخطئها العين المدققة، أولاها أن قانون الطبيعة أزلي أبدي، في حين أن قانون الإنسان محكوم بشروط بالغة التعقيد تصنعها الإرادة، ويخلقها الوعي.

(15)

دعونا ندقق قليلا في كلام قاله حافظ الأسد:

(… إن ما حققناه كان كبيرا. ولكني لا يمكن على الإطلاق أن أدعي بأنني أنا الذي فعلت هذا. إن الذي فعل هذا هو أنتم، وكل هذا الشعب. ولولا أني في هذه المواقف أشعر أنني أعبر عما يجيش في نفوسكم، لو لم أشعر أنني أعبر بما أقوله، عما يجيش في نفوس مواطنينا، لما كنت قادرا إطلاقا على أن أتخذ مثل هذه المواقف، أو أن أفعل مثل هذه الأفعال. فالفضل، كل الفضل، لكم، لشعبنا، لكل مواطن في هذا القطر الحبيب).

(16)

تلكم هي المعادلة التي تقوم على توازن دقيق بين طرفيها. لحظة تاريخية معينة، وضرورات سياسية واجتماعية، وظرف موضوعي. هذا هو الطرف الأول من هذه المعادلة.

ثم هناك في الطرف الآخر هذه الاستجابة، وتلك التلبية، وذاك التفاعل.

(17)

اللحظة التاريخية، والضرورات السياسية والاجتماعية، والظرف الموضوعي، إنما يختزلها الشعب أفضل اختزال.

أما الاستجابة والتلبية والتفاعل، فذلك هو ما يختزله البطل في التاريخ.

(18)

وحين نحلل هذه المعادلة ونفك رموزها وأسرارها، فإن الصورة تغدو ناصعة في وضوحها، وهي أن هذا الذي تحقق ما كان له أن يتحقق لولا هذا التفاعل وذاك التكامل بين التاريخ والبطل، أي بين إرادة الشعب وبين استجابة حافظ الأسد لهذه الإرادة، بل ومشاركته في صنع هذه الإرادة.

(19)

وليس انتقاصا من دور الجماهير، ولا تقليلا من قيمة الجماعات والمؤسسات والقوى المنظمة، ولا تهوينا من شأن التاريخ وحركته الفاعلة والمؤثرة، أن نعلي من شأن البطل ودوره في التاريخ. بل لعل العكس هو الصحيح. ففي هذا الإعلاء من شأن البطل ودوره في التاريخ إعلاء مماثل لدور الجماهير، ولقيمة الجماعات والمؤسسات والقوى المنظمة، ولشأن التاريخ وحركته الفاعلة والمؤثرة.

لماذا؟.

لأن هناك تفاعلا وتكاملا بين الدورين، ولا يكتسب أي دور من هذين الدورين قيمته الحقيقية إلا من خلال الدور الآخر.

(20)

أحاول أن أقول أنه من خلال هذا التفاعل وذاك التكامل بين الدورين، يستطيع كل دور أن يؤدي وظيفته وأن يحتل موقعه الذي يستحقه من خريطة العمل السياسي ومن تضاريس هذه الخريطة. بل وأكثر من ذلك، فإنه لا يمكن فهم هذا الدور أو ذاك إلا من خلال فهم الدور الآخر.

وحين نتحدث عن دور البطل في التاريخ، فإننا سرعان ما نأخذ بالحسبان الحقيقة القائلة إن هذا الدور لا يعدو أن يكون تعبيرا عن لحظة تاريخية محددة، واستجابة لظرف سياسي معين، وتلبية لضرورة تاريخية تحتاج إلى من يتقدم للتعبير عنها وتجسيدها في إطار سياسي محدد. أي أن دور البطل في التاريخ لا ينبثق من فراغ، ولا يتوجه إلى فراغ، وإنما هو ينبثق من امتلاء تاريخي وسياسي معين، ويتوجه صوب آفاق تاريخية وسياسية محددة.

كذلك فإننا حين نتحدث عن الدور الآخر، أي عن دور الجماهير، والجماعات السياسية، والقوى المنظمة، وعن التاريخ وحركته الفاعلة والمؤثرة، فإننا سرعان ما نأخذ بالحسبان الحقيقة القائلة إن هذا الدور ليس معزولا عن المبادرة الإنسانية التي ترى إلى التاريخ على أنه لا يتحقق من تلقاء ذاته، وإنما هو يحتاج إلى بشر يحركونه ويدفعون به إلى آفاقه التي يحددها ما نطلق عليه اسم الميل التاريخي، والتي ترى إلى الجماهير والجماعات السياسية والقوى المنظمة على أنها وثيقة الارتباط بقائد تاريخي يمتلك مؤهلات غير عادية، إن لم نقل استثنائية، ولا ينتقص من دور هذه الجماهير والجماعات السياسية والقوى المنظمة، وإنما يضيف إلى هذا الدور ويعطيه، ولكنها الإضافة التي تفعل فعلها الحاسم في التاريخ، والعطاء الذي لا يجعل من هذين الدورين المتفاعلين والمتكاملين مجرد حاصل جمع، وإنما يجعل منهما حاصل ضرب.

(21)

أليس هذا هو حاصل هذا التفاعل وذاك التكامل بين حافظ الأسد وبين جماهير شعبه، وجماعاتها السياسية، وقواها المنظمة؟.

أليست تلك هي محصلة هذا اللقاء بين البطل والتاريخ؟.

أليس كذلك؟.

*نشرت في صحيفة الميثاق – العدد 393 – 12 حزيران 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى