مقالات

ترجمات القرآن

فلسفة الدين ... حين جعلوا من الإسلام دمية مزيفة

 

| محمد الغزالي

 

هل تعلم أن أول ترجمة للقرآن تمت في خلافة هشام عبد الملك إلى اللغة السريانية. كما توجد في متحف لندن المجموعة الخطية التي وهبها (إدوارد كاريوري) في 50 ألف مجلد وتشمل ترجمة قديمة للقرآن منذ حوالي 660 ميلادية وبها آيات كاملة ليست من القرآن.

ومنذ مطلع عصر النهضة الأوروبية تعرض القرآن لحملة شديدة من الفكر الغربي، فأقبل العلماء والمفكرون والقسس والمستشرقون على ترجمته ترجمة محرفة، كما عنى علماء الاستشراق بتأليف دراسات إضافية في تفسيره وتاريخه والرد عليه.

وكانت أول ترجمة قام بها (روبرت الراتيني)، وساعده في ذلك (هرمان الدعاطي). كانت بإشارة من (بطرس فيزابلس) رئيس كنيسة كلنيه. وقد تمت هذه الترجمة سنة 1142 ميلادية، وظلت مختفية ما يقرب من نيف وأربعمائة عام، حتى قام بطبعها (تيودور بيلياندر) عام 1543 في باسل، ثم نقلت هذه الترجمة بعد ذلك إلى اللغة الإيطالية والهولندية، ثم ترجم القرآن إلى الفرنسية وطبع عام 1647، وترجم إلى الألمانية عام 1616، والهولندية عام 1941، والروسية عام 1776، والإيطالية 1547، والإنكليزية 1734، والجاوية 1913، والسنغالية 1908، والعبرية والآرامية 1790، والفارسية 1821، والتركية 1913.

وقد ظهرت ترجمات متعددة للمفكرين الغربيين من علماء وقسس ومستشرقين ومبشرين وكلها ترجمات تفسيرية (أي ليست ترجمة لفظية للقرآن، فهذا صعب المنال، ولكنها ترجمة للمعنى القرآني) بها نقص أو زيادة، وليست كاملة.

وخلال الحرب العالمي الثانية، نشر (الهلال) تقريرا يقول: إن ترجمات القرآن قد وصلت 95 ترجمة تمثل مختلف لغات العالم: الإنكليزية (10 ترجمات بدأت عام 1649)، الفرنسية (7 ترجمات بدأت سنة 1647)، الألمانية (13 ترجمة بدأت عام 1616)، ثم اليونانية، اللاتينية، البولونية، الإيطالية، البرتغالية، الإسبانية، الصربية، الهولندية، الألبانية، العبرية، الهندوكية الدانماركية، الأرمنية، البلغارية، البنغالية، الرومانية، المجرية، اليابانية، البوهيمية، الصينية، السويدية، الأفغانية، البنجابية، السواحلية، السندية، الجاوية، الهوجدانية.

ومن المعروف أن كل هذه الترجمات محرفة ومغلوطة قام بها المفكرون الغربيون من أجل مهاجمة القرآن وتفنيده ومحاولة خلق الاتهامات الباطلة له.

وكانت أبرز اتهاماتهم التي أولوها عناية فائقة، وألفوا فيها مؤلفات كثيرة هي: أن القرآن من وضع محمد وليس وحيا من الله إليه، وأنه متناقض. كما أن الخلفاء زادوا فيه ونقصوا بالحذف والتغيير. وقالوا إن القرآن هو العقبة في سبيل ارتقاء الأمم الإسلامية، كما أنه المسؤول عن تأخرها في مضمار الحضارة الحديثة، على حد قول (لورد كرومر) في كتابه (مصر الحديثة) الذي نشر عام 1908.

وفي عام 1932، جرت مناقشات واسعة في الأوساط الفكرية والمحافل العلمية حول ما إذا كانت ترجمة القرآن ترجمة كاملة تشمل اللفظ والمعنى أم هي ترجمة معاني القرآن فقط.

ونشرت مشيخة الأزهر في 16 أبريل/نيسان عام 1926، أن ترجمة القرآن إلى مختلف اللغات الأعجمية قد شاع في هذا العصر، وأن بها أخطاء وأغلاطا شائنة تتنافى مع ما جاء في الدين الإسلامي الحنيف، وهي من أجل ذلك قد أنشأت قسما خاصا من مجلة (نور الإسلام) واستقدمت الأخصائيين في اللغات الذين ناطت بهم ترجمة تفسير بعض الآيات وأخذت من تفسير الألوسي والبيضاوي وغيرهما من التفاسير.

وبينت أن المراد من ترجمة معاني القرآن هو تبسيط هذه المعاني تبسيطا محكما، وتفسيرها تفسيرا دقيقا على أن تترجم المعاني بعد ذلك. وقالت: إن القرآن لفظ عربي معجز وله معنى، أما نظمه فلا سبيل إلى نقل خصائصه، لأن هذا مستحيل استحالة قطعية.

وكانت فكرة ترجمة معاني القرآن للمرحوم الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر منذ عام 1929. حتى أعقبه المرحوم محمد فريد وجدي، ودعا إلى ترجمة القرآن ترجمة صحيحة كاملة حتى يواجه تحريف المحرفين، وحتى لا يترك للمترجمين المتعصبين في الأمم المختلفة مجال لتحريفه وتشويه معانيه. وقال: إن الاكتفاء بترجمة تفسيره لا يؤدي الغرض المطلوب من نشره، لأن المفكرين في العالم يحبون أن يتأملوه عاريا من زخرف التفاسير والشروح وألوان الآراء والإفهام لمعرفة الدائرة الذاتية. ونعى على إصرار بعض العلماء على حبس الإسلام في الدوائر العربية التي لا يحسن فهمه غير أهله، وتجريده من الأسلحة العالمية وهي اللغات الحية للدفاع عن نفسه. وقال: إن وضع القيود غير المعقولة في مسألة نقله يقضي عليه بهزيمة منكرة تقع نتائجها علينا وعلى أعقابنا قرونا طويلة. ومعناه صده عن الجولان في الدورة الفكرية العالمية مع غيره من كتب الأديان السابقة وأسفار المذاهب القديمة، وأن كل ما يخشى منه أو يوكل أمر البت في هذا الشأن لمن لا يعرفون لغات أجنبية، فيخيل إليهم أنها لغات بربرية تخلو من جميع الزخارف اللفظية والمعنوية التي لا توجد إلا في اللغة العربية، وأن تعطيل القرآن عن الترجمة الحرفية والزج به في معترك الإفهام إلى اليوم قضى عليه بألا يكسب أنصارا من الأمم الغربية، فصار مقصورا على الأمم الشرقية التي رضيت أن يكون حظها من دينها كحظ الببغاء.

وقد عارض ترجمة معاني القرآن كثيرون على رأسهم الشيخ محمد سليمان وكيل المحكمة العليا الشرعية الذي وصفها بأن وراءها غرضا استعماريا هو القضاء على القرآن، تمهيدا للقضاء على الإسلام، وعارضها الشيخ الظواهري. والرأي الصحيح هو ما رأته مشيخة الأزهر من استحالة ترجمة القرآن، لأن نظمه العربي لا سبيل إلى نقل خصائصه، ولا مانع من ترجمة معانيه.   

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى