أبحاث ودراسات

حين جعلوا من الإسلام دمية مزيفة

فلسفة الدين ... حين جعلوا من الإسلام دمية مزيفة

 

| د. غالي شكري

 

(1)

كانت المأساة العربية مع السلطنة العثمانية دليلا قاطعا على أن الدين كعقيدة لم يكن- ولن يكون- هو عماد التكوين القومي. لقد أدى الإسلام دورا تاريخيا في قيام تيار حضاري عام، ولكن حين طفت على السطح السياسي مظاهر الطغيان التركي باسم الخلافة الإسلامية، برزت المسألة (القومية) بمعزل عن الفكرة الإسلامية الجامعة للشعوب بالقهر، وكان المسيحيون من عرب المشرق من كبار دعاة القومية العربية، لهذا السبب: (الدين لله والوطن للجميع)، وليس للمستعمرين باسم الدين. وكانت مصر هي مركز الدعوة العملية إلى العروبة، كما تجلى ذلك في تجربة محمد علي ومن بعده إبراهيم باشا. إن محمد علي مؤسس الدولة الحديثة في مصر حقا، ولكن طموحه الحقيقي كان (الدولة العربية الحديثة). وقد أخفقت التجربة لكون محمد علي- مع الفارق- يشبه الرومان الذين (استقلوا بمصر) لحسابهم، ولم يحققوا لمصر استقلالها لحسابها. ولأن عصره كان مختلفا عن عصر الفتح الإسلامي الأول حيث كانت استجابة المصريين للحضارة العربية الوافدة ترتكز على أكثر من دعامة راسخة. ورغم أن الامبراطورية الخديوية في عهده كانت في زمن الشيخوخة، إلا أن الامبراطوريتين الغربيتين- الإنكليزية والفرنسية- كانتا في عز الشباب.

(2)

ولأن مأساة محمد علي من إحدى نواحيها أنه لم يكن عربيا، فقد أبرزت تجربته- وتجربة إبراهيم باشا من بعده- المعنى الحقيقي لوحدة المصير العربي. لم تعد (الجامعة الإسلامية) هي قلعة النضال ضد الاستعمار (وتلك مشكلة الأفغاني أيضا) ولم يعد التيار الحضاري المشترك كافيا لأن يكون راية هذا النضال. وإنما تحددت شعوب المنطقة (العربية) وتقاربت مصالحها في مواجهة الأعداء الجدد تقاربا شديدا. لم تعد (وحدة العالم الإسلامي) هي الحلم الذهبي الذي مرغه العثمانيون في الوحل، وإنما أضحت (وحدة المصير العربي) هي الهدف. والمصير العربي الواحد هو المقدمة الطبيعية لميلاد الأمة الواحدة وكمال تكوينها.

وعند نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط قد أثمرت الظاهرة القومية ونقيضها: موضوعيا توفرت كافة مظاهر الأمة الواحدة، وذاتيا حالت الخريطة السياسية التي كرستها قوى الاستعمار الأجنبي والرجعية المحلية دون تجسد هذه الأمة في دولة واحدة. لقد ولد حينذاك النفي والإثبات معا. وهي مفارقة تراجيدية نادرة الحدوث في التاريخ. والملاحظة التي يجب ألا تغيب عن بالنا مطلقا هي أن تداخل البرجوازيات القومية في المشرق طيلة نضالها ضد الاستعمار القديم والجديد هو السبب الحقيقي في تعاظم الشعور بالوحدة القومية بين شعوب هذه المنطقة، بينما كانت هناك (مصر) في الوسط تتمتع برجوازيتها بما يشبه الاستقلال النسبي، فكانت الفكرة العربية شبه غائبة، أما المغرب العربي الذي يكاد يكون خاليا من المسيحيين فقد كانت الرابطة الإسلامية تعني سلاحا وطنيا ضد الاستعمار الذي يرفع راية الصليب. ورغم هذا الاختلاف في مستويات الشعور بوحدة المصير (العربي) كمقدمة للشعور بالأمة العربية الواحدة، فإن ما حدث غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، يدعو للتأمل العميق. فقد بدأت ثورة 1919 في مصر، وثورة العشرين في العراق، وثورة 25 في سورية، وهكذا طيلة الثلاثينات والأربعينات، توازت وتقاطعت تواريخ الثورات من المحيط إلى الخليج حتى انتهت الحرب العالمية الثانية والحرب العربية الإسرائيلية الأولى، وقامت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 في مصر.

(3)

لقد أكدت هذه الأحداث جميعها الملامح الوليدة للأمة الواحدة، هذه التي كان الإسلام- كثقافة وحضارة- من العوامل الأساسية التي خلقت النطفة الأولى والتي ندعوها (تيارا حضاريا مشتركا)، ثم كان غذاؤها الدامي في أتون الصراع مع الامبراطوريات الإسلامية والمسيحية على السواء فيما ندعوه بوحدة المصير العربي حيث تشكلت الصفات الرئيسية للجنين الذي سرعان ما تنبهت القوى الاستعمارية- بنظرتها التلسكوبية- إلى خطره عليها في المستقبل، فحاولت بكافة الحيل والألاعيب أن تحول دون مولده، حتى أنها صنعت الدمى الشبيهة له وألبستها ثيابا براقة لتكون البديل للمولود الحقيقي. ولكن كافة الدمى المزيفة تحطمت وتناثرت في مهب الريح المناضلة من أجل الولادة الشرعية. الولادة العسيرة، وإن تكن محتومة، فالمناخ- الأرض والإنسان- مهيأ موضوعيا لأن يستقبل التاريخ أمة واحدة من المحيط إلى الخليج.

(4)

لا يثير أية مخاوف أن يشعر المواطن العربي في مصر، بإحدى درجات التكامل الحضاري أو ما يشبه الاكتفاء الذاتي. ولكن المخيف هو استغلال هذا (الشعور) سواء بالمزايدة أو المناقصة. ولقد حدث في مراحل مختلفة أن استفزت أطراف متعددة الشعور (القومي) لدى المواطن العربي في مصر استفزازا سياسيا مرتبطا بجذور اقتصادية أو أيديولوجية لا علاقة لها بالسياق التاريخي والواقعي للمشاعر القومية عند المصريين.

وقد كان الاستفزاز الأول هو الخلط الشديد بين القومية والدين من جانب بعض الذين رأوا في (الإسلام) جذرا يتيما لوحدة العرب. وكانت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية عند جمال الدين الأفغاني تحمل بشكل ما مضمونا معاديا للاستعمار. ولكن المصريين الذين لاحظوا الامتداد العثماني للدعوة الإسلامية، تحفظوا عليها وقالوا بأن (مصر للمصريين) وليست للأتراك أو الانكليز. وحين عادت الفكرة الإسلامية إلى الظهور مع (الإخوان المسلمين) تناقضت بوضوح مع الفكرة العربية باعتبارهم لها مخططا يحول دون وحدة العالم الإسلامي الشاملة. وقد تسبب ذلك كله في بلبلة الإحساس القومي للمصريين الذين لا يتخلون عن شعورهم الديني، ولكنهم لا يخلطون بينه وبين الشعور القومي.

 

(5)

وكان الاستفزاز الثاني من جانب (بعض) دعاة القومية العربية الذين خلطوا بين العرق والأمة بحيث بات الأمر مقصورا على هذا (الشكل العنصري) المعادي لأي مضمون اجتماعي متقدم. وهكذا كادت الفكرة القومية التي قدمها هؤلاء أن تكون تبريرا نازيا للأسلوب الفاشستي في نظام الحكم. لأن الديمقراطية كانت (الجوع) المصري، فقد رفض المصريون بفطرتهم- التي رفضت من قبل التطرف الديني- هذه الراية العنصرية، وحلمها الإمبراطوري العربي.

(6)

وكان الاستفزاز الثالث هو الإقليمية المصرية التي تتمسح حينا بالإسلام وأحيانا بالعروبة، ولكنها في جميع الأحوال ترفع شعار (مصر فوق الجميع) الذي جسدته فرق القمصان الخضر لحزب مصر الفتاة. إن التناقض الحاد بين الكيان القومي المغلق والصراع الطبقي العنيف الذي عرفته مصر بعد الحرب العالمية الثانية، دفع المصريين إلى رفض هذه العنصرية الجديدة المضادة للصراع الاجتماعي.

(7)

وقد كانت هذه الاستفزازات الرئيسية الثلاثة ردود فعل مشوهة، ورؤية وحيدة الجانب، لحقيقة التكوين القومي في مصر. هذه الحقيقة التي ينبغي النظر إليها  موضوعيا بمعزل عن مشاعرنا الدينية والعرقية والأيديولوجية حتى نحصل في البداية على مقدمات صحيحة، تقودنا من ثم إلى نتائج صحيحة.

(8)

إذا كانت قد صاحبت الإسلام في البداية مظاهر الفتح، فقد كان ذلك موجها في الأساس ضد الرومان. كما أن دخول الغالبية الساحقة للمصريين في الدين الجديد قد سحب الأرض من تحت أقدام الفاتح باسم الاستعمار الاقتصادي والاستعداد السياسي. ذلك أنه لم يعد من حق الحاكم الجديد- إذا كان انتشار الإسلام غايته وليست الجزية- أن يفرض على المؤمنين الجدد شيئا. لقد تساوى الفاتح بالمفتوحين، وتساوى المؤمنون المصريين بالمؤمنين في الحجاز ونجد. وهكذا حصلوا على استقلالهم من جديد. ولكننا بعيدا عن معاني الاستقلال في ظل الدولة الإسلامية المتشعبة الأطراف والمتعددة المراحل، نقول إن الإسلام الذي توغل في آسيا وحدود أوروبا لم يضف إلى التكوين المصري بعدا عقائديا فحسب (يشترك فيه جميع المسلمين) وإنما كانت إضافته الكيفية إلى الروح المصرية هي البعد العربي. لم يكن ذلك لأن لغة القرآن هي العربية (فقد ظل المصريون يتكلمون القبطية فيما بينهم أكثر من ثلاثة قرون) وإنما لأن الحضارة التي ظهر فيها القرآن، بكافة مقوماتها المادية والفكرية وبمختلف أبعادها التاريخية والجغرافية، قد تفاعلت مع الحضارة المصرية تفاعلا حاسما لا نظير له في تركيا وإيران وإندونيسيا والهند وطشقند، بالقارة الآسيوية. كما أنه، بلا نظير، في كثير من أقطار الشمال الأفريقي بالمغرب وحتى إسبانيا في أوروبا. إن هذا التفاعل البعيد المدى والخطير الأثر هو الذي أدخل مصر، مع الفتح الإسلامي، رحاب مرحلة جديدة تماما في تاريخها الحضاري المتصل. وهي المرحلة التي ظلت طيلة قرون تغلي بعديد من التفاعلات الداخلية والخارجية، السلبية والإيجابية، حتى أثمرت فيما بعد ما ندعوه بمصر العربية الحديثة.

(9)

إن مصر العربية الحديثة ليست امتدادا كميا للعالم الإسلامي، وإنما هي ثمرة كيفية للعالم العربي الذي خرج منه الإسلام، فلم يكن الأمر بالنسبة لها مجرد عقيدة دينية، وإنما كان إضافة حضارية لقسماتها القومية المميزة. ومصر لم تفقد مسيحيتها بالإسلام بقدر ما ربحت عروبتها. عروبة لا علاقة لها بالعرق أو العنصر رغم كل ما يقال عن الهجرات القديمة والوسيطة والحديثة من هنا إلى هناك وبالعكس. عروبة ليست وهما ميتافيزيقيا هابطا من أعلى، وإنما هي داخل السياق التاريخي للمجتمع المصري تشكل رافدا يتجاوب بالمد والجزر والشد والجذب مع المكونات الأصلية والمستحدثة لسكان وادي النيل. عروبة تستمد جذوتها المتقدة من نيران الطبقات الشعبية ذات المصلحة الدائمة، منذ الفتح الإسلامي، في التقدم الاجتماعي. عروبة تحقق لمصر الاستقلال عبر الانتماء المنتصر لا بالانفصال المهزوم: وهو المعنى الرابض في التقاليد العريقة لمصر القديمة. عروبة تضيف لمصر ولا تنقص منها. عروبة لا تذيبها في بحر بلا حدود ولا قرار ولا تحاصرها كجزيرة مهجورة.

(10)

يجب أن نتوقف طويلا عند بعض الظواهر (الفولكلورية) التي تدفع الكثيرين من المسلمين إلى زيارة مقام قديس مسيحي والعكس أيضا. بل واستمرار بعض الشعائر القديمة وقد ارتدت ثيابا مسيحية أو إسلامية. لا يكفي محاربة هذا (التخلف) أو (الوثنية) أو ما شئت لها من أسماء، وإنما يجب تأملها أولا ودراستها بعمق. وحين يضع المصريون تمثال رمسيس في أحد أكبر ميادينهم، أو حين يعيد العراقيون أسماء بابل ونينوى إلى بعض محافظاتهم، فإن هذا لا يعني انحرافا عن العروبة إلا لدى الذين يرون المسائل مقلوبة بعيون دينية أو عنصرية. فمصر التي تهتم اهتماما عظيما بالآثار القديمة هي نفسها التي تهتم بالآثار القبطية والآثار الإسلامية. وأراني أركز على هذه النقطة بالذات، لأنني أرى القسمات النوعية المستقلة في العالم العربي لا تتناقض مطلقا مع الفكرة العربية. بل إنه بمنهج مختلف تستطيع هذه القسمات أن تغني العروبة وتثريها. منهج يضع كلتا يديه على الخصائص المميزة للشعوب، بدلا من أن يتجاهلها فتكون هزائم الانفصال والإقليمية هي الحصاد المر.

(11)

الأهمية العظمى للإسلام- كثقافة وحضارة- هي أنه هيأ الأرض المشتركة لتطور شعوب هذه المنطقة من العالم تطورا متفاعلا في اتجاه التوحيد. إنه بداية (التيار الحضاري) الذي انتظم مسار هذه الشعوب منذ الفتح العربي. ولم يكن التيار حضاريا بالمعنى التجريدي العازل للظاهرة الحضارية عن محتواها الاجتماعي، بل إن المقصود بالتعبير نقيض ذلك تماما، هو يعني شمول الظاهرة وتركيبها من عناصر متعددة مادية ومعنوية، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ونفسية إلى غير ذلك من مكونات. هكذا يصبح الإسلام بتشريعاته ولغته وقيمه نقلة حضارية جديدة لمصلحة الطبقات المسحوقة في ذلك الوقت، وهكذا جاء انتشاره في مصر تعبيرا عن اتجاه التقدم لهذه الطبقات نحو الاستقلال عن الامبراطورية الرومانية. إنه لم يكن استقلالا بالأرض وحدها، وإنما بالإنسان أيضا. لم يكن الأمر (استعانة بقوات أجنبية) لتحرير البلاد من (أجانب آخرين)، وإلا ما استطاع الفتح الإسلامي الصمود في وجه حضارة عريقة كالحضارة المصرية، فقد كان من المحتم في حالة الاستعانة به- كأجنبي- ضد أجنبي آخر أن يبرز التناقض من جديد بين المصريين والإسلام. ولكن العكس تماما هو الذي حدث، إذ بدأت التناقضات الأولى تذوب شيئا فشيئا. وقد تجسد ذلك في نقطتين هما الانتشار السريع للإسلام كعقيدة ثم انتشار اللغة العربية واستقرارها بل وتطورها. وأكرر أن الإسلام لم يجئ إلى مصر كما لو كانت بلدا بلا تاريخ أو كما كانت شعبا بلا وطن. وإنما هو أقبل على بلاد غنية بالتاريخ والحضارة، ومن ثم فلا بد أن هناك مناخا موضوعيا استقبل الإسلام كإضافة جعلت منه امتدادا لهذا التاريخ المتصل والحضارة المستمرة، ولم تجعل منه شيئا زائدا مغيرا يستوجب التخلص منه.

(12)

هكذا لم يتحول الأمر- بعد جلاء الرومان- إلى صراع بين المصريين والإسلام بل إلى تفاعل. والنقطة الجديرة بالانتباه المركز هي أن جماهير الفقراء هي التي بادرت إلى اعتناق الإسلام دينا. ولا يمكن أن يتم ذلك بالإرهاب لشعب يتخذ من عام الشهداء بداية لتاريخه (السنة القبطية). إن من دفع الجزية هم الأغنياء، ومن فضَّل الدم هم أولئك الذين يشدهم الموروث نفسيا وروحيا إلى الوراء. أما الغالبية الساحقة التي اعتنقت الإسلام فلا سبيل إلى وصفها بالجبن أو الجهل، لأنه لا يمكن وصف حركة تاريخية لشعب كامل، حركة بقيت واستمرت وأبدعت، بالجبن أو الجهالة. وإنما التفسير الصحيح هو أنها اكتشفت بحاستها الاجتماعية التي لا تخيب أن الفتح الإسلامي لا يطرد الغزاة الأجانب لمصلحته وحدها، وإنما لمصلحتهم الذاتية قبل كل شيء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى