مقالات

حين يقع تعارض بين العلم والدين

فلسفة الدين ... حين جعلوا من الإسلام دمية مزيفة

 

| د. مصطفى إبراهيم فهمي

أدى كتاب (داروين) عن (أصل الأنواع) إلى ثورة في علم البيولوجيا ما زالت مستمرة للآن، وأدت إلى تغيير جوهري في فهمنا للطبيعة ووضع الكائنات الحية والإنسان فيها.

اعتمدت مادة الكتاب على ما رصده داروين طيلة سنوات طويلة من خصائص أساسية في الكائنات الحية وفي حفرياتها الجيولوجية، خاصة أثناء رحلته على السفينة (بيغل) (1831- 1836)، التي طاف أثناءها بشواطئ جزر غالاباغوس مسجلا ما لاحظه من حقائق عن هذه الكائنات ومستنتجا منها أفكاره عن التطور، ومنها أن الموارد التي تعيش عليها هذه الأنواع كالطعام وغيره، هي موارد محدودة نسبيا، واستنتج داروين من هذه الحقائق أن هناك صراعا بين هذه الأنواع وبين أفراد النوع الواحد من أجل البقاء والعيش على هذه الموارد المحدودة. من الحقائق أيضا أن هناك الكثير من التباين والتغاير بين الأفراد في النوع الواحد، وأن هذه التباينات يورثها الأفراد لذريتهم، ويستنتج داروين من ذلك أن الأفراد الأكثر تكيفا مع البيئة يرجح بقاؤهم في الحياة أكثر من غيرهم، ويرجح بالتالي أنهم سيتناسلون بعدد أكبر ويورثون صفاتهم المواتية للبقاء إلى ذريتهم، وبتراكم هذه التغيرات المواتية المتوارثة تتكون أنواع جديدة من خلال هذا الانتخاب الطبيعي، وعملية التراكم هذه بطيئة وربما تستغرق الآلاف بل الملايين من السنين.

قدم داروين أيضا البراهين والأدلة على أن الكائنات الحية تتطور عن أصل مشترك بآلية الانتخاب الطبيعي الذي يؤدي حدوثه بنمط معين أن تتفرع من هذا الأصل المشترك أنواع مختلفة. أثار كتاب داروين اهتماما محليا ودوليا واسع النطاق، وثار نقاش واسع وخلافي حوله، لم يقتصر على مناقشته من الناحية العلمية، وإنما اختلط الأمر أيضا بنقاش قضايا دينية واجتماعية وأدبية، وكان الكثير من ردود الفعل معادية للكتاب في أول الأمر، حيث كانت المؤسسات العلمية الإنكليزية ترتبط ارتباطا وثيقا بكنيسة إنكلترا، وكانت جامعات مثل أوكسفورد وكمبردج قد قامت أصلا على تعليم الإنسانيات واللاهوت.

وعلى مر الزمن، زادت نظريات داروين رسوخا وأصبح مفهوم التطور والانتخاب الطبيعي في المركز من كل علوم البيولوجيا وهو الذي يوحد بين كل علوم وأشكال الحياة من حيوان ونبات وكائنات دقيقة. شاعت مصطلحات التطور والتكيف والبقاء للأصلح، وحدث توافق عام على أن التطور حقيقة مثل بزوغ الشمس من الشرق ودوران الأرض ووجود قوة الجاذبية، وإذا كان هناك خلاف فهو حول نظرية الانتخاب الطبيعي كآلية التطور، وهل هي وحدها آلية أساسية حسب داروين، أو أن هناك آليات أخرى عديدة منها الانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي الذي كتب عنه داروين أيضا.

مع تقبل وذيوع الداروينية، كان لها تأثيرها الذي هز المجتمع حتى بين غير العلماء. تغيرت نظرة الكثير من الأدباء للإنسان، فلم يعد ذلك الكائن الفريد في رقيه، وإنما هو مجرد نوع قد تفرع من أصول مشتركة مع كائنات أخرى، وأبرز مثل على هذا التغير في نظرة الأدب، كما يقول الصديق الأديب والمترجم الكبير محمد الخولي، هو توماس هاردي الروائي والشاعر الإنكليزي (1840- 1928)، الذي تحول بعد تأثره بالداروينية إلى نظرة تشاؤمية نوعا ما انعكست في رواياته التراجيدية مثل (عودة مواطن) و(عمدة كاستر بريدج). في أول الأمر، كانت الأدلة على التطور والانتخاب الطبيعي تعتمد على مقارنة الكائنات الحية وحفرياتها الجيولوجية من حيث ملامحها، وتشريحها، ووظائف أعضائها ومحاولة ترتيب هذه الكائنات في تطورها من الأبسط إلى الأكثر تركبا، وهذا النوع من الأدلة فيه الكثير من الحدس والتخمين. على أنه في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تم نهائيا إثبات المعنى الكامل للانتخاب الطبيعي كجزء من التركيب الحديث للتطور، ذلك أن علماء البيولوجيا وعلماء الإحصاء مثل فيشر ورايت وهالدين، نجحوا في دمج الانتخاب الطبيعي الدارويني مع الفهم الإحصائي لوراثيات مندل الأب لعلم الوراثة الحديث، وكان داروين على غير معرفة بهذه الوراثيات. ومن بعدها أصبح التطور بالانتخاب الطبيعي ضرورة لشتى العلوم التطبيقية مثل الزراعة والطب وعلم النفس.

هناك دائما صلة قرابة وثيقة أو بعيدة، وبناء على درجة القرابة ترتب شجرة واحدة وحيدة للحياة تظل تتفرع دائما في فروع لا تتلاقى وإن كانت قد نشأت كلها عن سلف واحد تطورت فروعه لأنواع مختلفة بالانتخاب الطبيعي، وهذا الأصل الواحد للحياة هو غالبا البكتريا، أبسط أنواع الخلية الحية. هكذا، فإن تطور الإنسان لا يمثل إلا صفحة واحدة من آلاف وملايين الصفحات في سفر تطور الكائنات.

بعد أن ثبتت هكذا صحة التطور والانتخاب الطبيعي، أصبح التطور يضاف الآن إلى الصفات التي تعرف الكائن الحي الذي يدخل في تعريفه أنه كائن يتطور دائما، وأن التطور يكون أساسا في اتجاه التقدم أماما.

على أنه لا يزال هناك حتى الآن متعصبون يعادون التطور ويتحينون أي فرصة لمحاولة تكذيبه سواء كانوا من غير العلماء أو أحيانا من العلماء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى