أبحاث ودراسات

فلسفة الدين .. أمين الريحاني أنموذجا

فلسفة الدين ... حين جعلوا من الإسلام دمية مزيفة

 

| د. أحمد ماضي

 

(1)

الريحاني أحد المفكرين العرب القلائل الذين شنوا حربا فكرية لا هوادة فيها ضد الكهنوت والخزعبلات والطقوس والتقاليد الدينية البعيدة عن جوهر الدين، والتي عاقت ولا تزال تعيق تقدم العرب في ميادين الحياة المختلفة. والجدير بالذكر أن الريحاني طرق كثرة من المسائل التي تعتبر من صلب فلسفة الدين. وفي بحثي هذا سأتناول بعضا من المسائل التي طرقها الريحاني، وميزت موقفه من الأديان.

(2)

التسامح الديني:

ما يسترعي الانتباه ويستحق الذكر بادئ ذي بدء أن الريحاني ناضل طيلة حياته الواعية ضد جميع أشكال وألوان التعصب الديني والطائفي، مناديا بالتساهل الديني إزاء المذاهب والمعتقدات الأخرى، ومطالبا باحترامها حتى ولو كانت مناقضة لما نؤمن ونعتقد به. وكان ينظر إلى الإنسان كإنسان دونما اعتبار للدين الذي ينتمي إليه أو للطائفة التي ينتسب إليها. فالإنسان، من وجهة نظره، لا يولد منتميا لأحد الأديان السماوية أو الوضعية، ولا يخلق على نحو محدد وظيفيا أو اجتماعيا. ومصداقا لذلك يقول الريحاني: (لم يخلق الإنسان كاهنا ولا أميرا ولا سلطانا، ولا خلق مسيحيا ولا مسلما ولا يؤذيا ولا مجوسيا، إنما هي الشرائع تسترق والأديان تفرق). ولهذا كان يؤكد على الدوام أن الآراء التي يتبناها والمبادئ التي ينادي بها تناهض التمييز القائم على أساس الجنس والتفرقة المبنية على أساس الدين. إن موقفه يمثل ثمرة العلم الذي لا يعرف التعصب والتمييز. (إن الآراء التي أبديها والمبادئ التي أنادي بها إنما هي ثمرة علم لا يعرف التفرقة والتحزب ولا يفرق بين الجنسيات والأديان). ومن الواضح أن المنطلق الأساسي الذي أفضى به إلى هذه الآراء والمبادئ، يقوم في يقينه الراسخ أن الأديان تختلف عن الحقائق العلمية، التي ليس من السهل إنكارها نظرا لأن التجربة والممارسة تقومان بالتحقق من صدقها الواقعي أو المبدئي، المباشر أو غير المباشر. أما حقائق الأديان فتختلف اختلافا بينا من الحقائق العلمية، إذ لا يمكن البرهنة عليها على نحو علمي، فضلا عن أن لكل دين حقائقه الخاصة به. ولهذا فإن من الصعوبة بمكان أن يتقبل الناس دينا واحدا. (ولا ينتظرن أحد رؤية دين مقبولا عند الجميع كما يرى الحقائق الرياضية والعلمية مثلا). وانطلاقا من عدم إمكانية إجماع البشر على دين من الأديان، فقد طالب الريحاني أن يحب الإنسان أخاه الإنسان. وبناء على ذلك ناشد المسلمين والمسيحيين واليهود ألا يحتقروا ويضطهدوا بعضهم البعض، وألا يكونوا متطرفين ومتحمسين في المسائل الدينية، آخذين بعين الاعتبار أن الزمان يعمل لمصلحة التقريب بين الأديان.

إن مناداة (الريحاني بالتساهل الديني كانت تهدف إلى القضاء على أية تفرقة دينية كانت أو طائفية بين أبناء البلد الواحد، بحيث تسهم في جعلهم متراصين). ومصداقا لذلك يقول الأستاذ سامي الكيالي: (إن دعوته (أي دعوة الريحاني) إلى التساهل، هي دعوة إنسان الفكر يريد لأبناء الوطن الواحد المختلفي المذاهب والنحل أن يكونوا صفا واحدا وأن يعملوا متحدين).

(3)

الأديان والكتب المقدسة:

يرى الريحاني أن الأديان السماوية والوضعية ما هي إلا أشكال مختلفة لحقيقة أزلية واحدة. تتجلى في معرفة الله وتأمله والاستشعار به في سلوكنا الإنساني. وإن كان هناك خلاف بين الأديان والرسل والأنبياء، فإنما يقوم في الجزئيات لا في الأساسيات. وينشد الريحاني في الدين العمل الصالح القائم على أساس المساواة في المعاملة قبل العقائد والفروض (أني إذ سئلت عن آية واحدة تقوم مقام دين كامل فتغني من يعمل بها عن العقائد والفروض كلها، أجيب أنها الآية الذهبية: (افعل للغير ما تريد أن يفعله الغير لك). يضاف إلى ذلك أن الريحاني تبنى وجهة نظر عقلانية- ضميرية في الحكم على الأديان والشرائع، فقد عظم من شأن العقل ورأى فيه الحكم الفيصل في كل شيء بما فيه الشرائع والأديان: (لا بد من نسخ كل شريعة لا يقرها العقل ولا يخضع لها الضمير). ومن الجدير بالذكر أن الريحاني يطلب من الإنسان أن يكون مفكرا ومتيقظا بحيث لا يقبل من شرائع أسلافه ما لا يتفق مع ظروفه ولا يسهم في تقدم عقله وترقية ذاته. فما كان صالحا وتقدميا في زمان ما يصبح طالحا ورجعيا في زمان آخر. ويقول على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي: (كانت عقيدة القضاء والقدر قديما من أكبر عوامل النصر في الإسلام، وهي اليوم من أكبر العوامل في تأخر المسلمين. والشريعة التي حررت المرأة من أحكام الجاهلية وعاداتها، جعلوها اليوم نيرا على المرأة لا يطاق. الشريعة التي قبلتها امرأة القرن الخامس لا تقبلها امرأة القرن العشرين، والتي تقبلها امرأة اليوم قد ترفضها امرأة الغد. هذا هو ناموس الترقي الحي الدائم…). ويؤكد أن ما أنزل على النبي محمد من أجل إصلاح حال العرب ورفع شأنهم، عاد لا يصلح إذا أخذ في نصه الحرفي لإيجاد الحلول المناسبة لمشاكل اليوم وإصلاح أحوال الشعوب في الوقت الراهن، منطلقا في ذلك من أن الكتب المقدسة جميعها فيها المفيد وغير المفيد. وقد كتب في رسالة موجهة إلى الشيخ عبد القادر المغربي يقول: (والكتب المقدسة كلها، أقول كلها، واحد في نظري فيها الغث وفيها السمين). وأكثر من ذلك فإن الريحاني لا يجد في الكتب المقدسة علاجا لأمراضنا المختلفة وحلا لمشاكلنا الكثيرة. لقد أدى كل دين دوره في فترة زمنية طويلة، غير أنه لا يصلح الآن بأي حال من الأحوال. إن ما يناسب اليوم وظروف العصر هو العلم لا الدين. يقول الريحاني: (أفي الكتب القديمة- المقدسة- ننشد الدواء لأمراضنا الحديثة، لكل أمراضنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟. لست ممن يرون ذلك). ويتابع كلامه قائلا: (وحسبنا أن نعود إلى التاريخ لنرى ما فعلته الأديان في أبنائها. ومع ذلك فقد أدى كل دين رسالته في فترة من الدهر مقدارها ألف سنة أو ألفان من السنين، وبات بعد ذلك جافا يابسا عقيما، لا يقوِّم معوجا ولا يصلح فاسدا، بل لا يسد فراغا في العقل أو في القلب أو في الروح). ويستطرد قائلا: (ومن العبث أن نلجأ اليوم إلى مهابط الوحي القديمة نحاول الاستنارة بنورها الضئيل، بشمسها الغاربة. لكل أجل كتاب ولكل كتاب أجل، أما كتاب اليوم فهو كتاب العلم).

يتضح مما تقدم ذكره أن الريحاني تصور أن ما ارتكبه الحكام أو رجال الدين في هذا العهد أو ذاك من العهود التاريخية من أفعال لا تتفق مع جوهر الدين تقع مسؤوليته الكاملة على الدين. يضاف إلى ذلك أن الريحاني لم يطرح الاجتهاد كوسيلة تساعد في استنباط الحلول المناسبة لبعض المشكلات والأمراض التي تعاني منها الشعوب المؤمنة بهذا الدين أو ذلك. ومما يثير التساؤل أن الريحاني تصور أن العلم قادر على أن يحل مشاكل العصر. صحيح أن العلم أداة هامة لتحقيق سعادة الناس، غير أنه يحتاج إلى أن يوظف من أجل ذلك وبالتالي لا بد أن يربط بفلسفة إنسانية تقوم بتوجيهه الوجهة السليمة.

إن انتقادات الريحاني لم تقصر على ما ذكر سابقا، فقد تناول بالنقد العقائد المتصلة بالثواب والعقاب والقضاء والقدر والجنة والنار. فالجحيم، من وجهة نظره، يجعل الإنسان جبانا هلوعا قاسيا، بالإضافة إلى كون فكرة جهنم فكرة وحشية لا تتفق مع حقيقة الله الرحمن الرحيم. أما الجنة والسماء فتنسيان الإنسان واجباته في هذا العالم. وهنا يؤكد أن قيام الإنسان بالأعمال الفاضلة حبا بها هو أجمل ورع. ويرى أن عقيدة القضاء والقدر تجعل الإنسان يتكل ويستسلم لله مع أن الله خلق الإنسان حرا طالبا منه أن يعقل ويسعى. (أما في الإسلام فلا نسك والحمد لله، ولكن عند المسلمين أمرا لا يقل عنه إضرارا وإخمالا هو الاستسلام لله والاتكال والأخذ بالقضاء والقدر. كأن الله لم يخلق الإنسان حرا ويأمره بالسعي). كما يرى أن التوراة تضم عددا من القصص الجنسية الغريبة التي لا تتفق مع هذا الكتاب المقدس، والتي من اللائق أن تضاف إلى كتاب (ألف ليلة وليلة): (وإني لأقول لأولئك الذين يفضلون الطبعة المصرية الأصلية من قصة (ألف ليلة وليلة) خذوا التوراة واقرؤوا فيها قصة لوط وبناته أو قصة أمنون ونامار، أو قصة باعيل أو يهوديت أو الحديث بين نامار الباغية ويهوذا، أو قصة بتشايع بنت أبيعام امرأة أوريا الحتي، أو قصة الملك البار لما خطب ميكال ابنة الملك اشبوشت بن شاول بمئة قلعة ويا لها من خطبة!. فكل من هذه القصص الغريبة تليق أن تضاف إلى الطبعة المصرية الأصلية من كتاب ألف ليلة وليلة). ويشكك الريحاني بالكسوف الشمسي الذي قيل أنه حدث عندما صلب المسيح مؤكدا أن الشمس التي وقفت في نصف النهار هي شمس اصطناعية كالشمس التي تشرق في المسارح في الملاهي البشرية. كما أن العجائب التي قيل أنها حدثت في قديم الزمان، لا تحدث اليوم. أما الشيطان فإن الريحاني ينكر وجوده كليا في العالم الواقعي، ويتساءل عن ماهيته وبأي شكل يظهر للإنسان، ومن منا رآه في غير عالم الخيال. زد على ذلك أنه ينفي وجود الشياطين غير البشرية ويعتبر عالم الجن وهميا وخياليا. ويؤكد أن تصور وجود الشياطين ناتج عن اضطراب في الأعصاب أو اختلال في العقل أو جهل همجي. ويخلص إلى أن التمدن والتهذيب كفيلان بالقضاء على مثل هذه الاعتقادات.

ومما يستحق إشارة خاصة هو أن كتابه (المحالفة الثلاثية) يعتبر قمة في محاربته للخزعبلات والعقائد الغيبية، مع أن كتاباته الأخرى تحوي انتقادات لاذعة لكثرة من الأفكار التي يمكن أن تندرج تحت فلسفة الدين. ومصداقا لأهمية (المحالفة الثلاثية) يقول الأستاذ الكيالي: (إن من يتمعن كلماته في (المحالفة الثلاثية) يرى أنه كان حربا على الطقوس والخرافات التي ألصقت بجوهر العقيدة وجوهر الدين..).

(4)

التوفيق بين الدين والعلم:

يرى الريحاني أن الدين والعلم ضروريان، غير أن لكل منهما مجاله. فالكتب المقدسة تصلح الحياة، ولكنها لا تعمر البلاد. أما العلم، فهو على العكس من ذلك يعمر البلاد ولا يصلح الحياة. (إذن كتبكم المقدسة احفظوها وكتب العلم عززوها). إن العلم دون الدين غير كاف، وكذا الأمر إذا عكسنا الصورة. فالمدنية الجديدة تعتمد على الاثنين معا. والفنون الجميلة، على سبيل المثال لا الحصر، (تتغذى بالعلم والدين معا). كما أنه يرى أن مدنية الشرق قائمة على أساس ديني، وترفض مدنية الغرب لأنها ترتكز إلى العلم المادي. أما مدنية الغرب فإنها ترفض مدنية الشرق لقيامها على أساس ديني. وفي هذا الصدد يؤكد أن نهضة الشرق لن تقوم لها قائمة إذا اعتمدت الروحيات فقط. فعلى الشرقيين التوحيد بين الدين والعلم إذا أرادوا النهوض وبلوغ التقدم. إن الحياة السليمة هي الحياة المركبة من الأضداد، والتي تتغذى بكل كتاب روحيا كان موضوعه أو ماديا، وذلك لأن الحياة مادية وعقلية وروحية. والجدير بالإشارة إليه هو أن الريحاني لم يتبين هذا الموقف التوفيقي حتى النهاية، فلقد اتخذ لنفسه موقفا مغايرا يقوم على أساس أن كتاب اليوم هو كتاب العلم وأن العلم وحده هو أساس المدنية الراهنة.

(5)

الدين والسياسة:

يعتبر الريحاني الدين والسياسة مرضي الأمة. ولهذا نادى بضرورة فصل الدين عن السياسة وإبعاد الأخيرة عن الدين، نظرا لأن الدين إذا تدخل في المسائل السياسية فإنه يؤدي إلى نتائج سلبية. ودعا أيضا إلى فصل الدين عن الدولة انطلاقا من أن الحكم الجمهوري الحق هو الذي تجرد من كل صبغة دينية. إن الركن الأول والأوطد للجمهورية هو (أن الدين لله والوطن للجميع). كما يطالب ببقاء الأديان خارج البرلمان والحكومة والدستور، ويوجب أن تنحصر زعامة رجال الدين في المسائل والشؤون الدينية فقط، ويطرح ضرورة تصفية زعامتهم السياسية. ويمكن تلخيص رأيه على النحو الآتي: لا إصلاح دون تنقية الدين وتخليصه من السياسة. يضاف إلى ذلك أن الريحاني نادى بجعل المدارس وطنية لا دينية ولا طائفية.

(6)

لقد أدى الريحاني دورا كبيرا في تعرية رجال الدين الذين يتخذون من الدين ستارا لتحقيق أغراضهم ومآربهم التي لا علاقة لها بجوهر الدين ورسالته. زد على ذلك أن الريحاني فهم الدين أي دين على نحو إنساني خالص، الأمر الذي دفع البعض إلى عدم الاتفاق مع مثل هذا الفهم واتهامه بشتى الاتهامات التي يمكن أن تنفر الجمهور منه. صفوة القول: كان الريحاني (حربا على الطقوس والخرافات التي ألصقت بجوهر العقيدة وجوهر الدين).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى