مقالات

دمشقيٌ مفارقٌ لدمشقيته

| صفوان قدسي

(1)
عشت في دمشق سنوات عمري كلها، ولم أفارقها إلا بدواعي السفر إلى الداخل السوري في جولات حزبية، وإلى الخارج في مهمات رسمية، أو على الأقل للمشاركة في مؤتمرات عديدة، أنا عضو فيها، أو رئيس لها. ومثال رئاستي لها، المؤتمر العام للأحزاب العربية، وكذلك مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري.

(2)
وعلى الرغم من أني إبن هذه المدينة، وامتداد لأسرة دمشقية عريقة تقيم في هذه المدينة منذ مئات السنين، ولعل جذورها تمتد إلى مدينة القدس التي لها موقع القداسة والفرادة من بين مدن بلاد الشام، فإن شعوري بدمشقيتي يكاد يكون معدوما.

(3)
لماذا؟.
أغلب الظن أن تربيتي البيتية، وثقافتي المحلقة في عوالم أرحب من دمشق، تمتد من المحيط إلى الخليج، وشعوري منذ نعومة أظفاري أن دمشق، على الرغم من كل ما يقال فيها من شعر ونثر وفكر وسياسة وتاريخ وجغرافيا، لا تتسع لحقيقة تسري في دورتي الدموية، وفي خلايا دماغي ومسامات جسدي، هي أن سورية، بكل جغرافياتها، هي وطني الأصغر وأن وطني الأكبر هو الوطن العربي. بصرف النظر عما آلت إليه أحوال هذين الوطنين، الأصغر والأكبر، من حالة شاذة أثق الثقة كلها في أنها سوف تؤول لا محالة إلى زوال.

(4)
ومن المفارقات اللافتة أن دمشقيتي مفارقة لي، خصوصا كلما تعمقت في قراءة خريطة الوطن العربي، وفتحت كتابه المؤلف من عشرات الآلاف من الصفحات، وتأكدت من موقع هذه المدينة العريقة على امتداد عشرة آلاف من السنوات، وقرأت تاريخها
الذي يجعلها في موقع التميز على غيرها من المدن العربية.
لماذا؟. جوابي هو: لست أدري؟.

(5)
هناك سر لا أدرك كنهه يجعلني مفارقا لمدينة أنا ابن من أبنائها، وجزء لايتجزأ من بيئتها وبنيانها الاجتماعي، وهو سر يتعذر علي الكلام فيه، لأنه أقرب ما يكون إلى الطلاسم والألغاز والكلمات المتقاطعة، وهي طلاسم وألغاز وكلمات متقاطعة يصعب سبر أغوارها.

(6)
ما أعرفه حق المعرفة هو أن انتمائي يتجاوز دمشق إلى مساحات أوسع، ومدن أكثر، وفضاءات أرحب، من دون أن أنسى، أو أتناسى، أني دمشقي أبا عن جد، وأن جذور أسرتي تمتد عميقا في كل ما من شأنه أن يجعلها أسرة دمشقية بامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى