أبحاث ودراسات

دمشق… الأسماء والأصل والتاريخ

| علي جميل نعيسة

 

أسماء دمشق

لدمشق أسماء كثيرة، وصفات عديدة أطلقت عليها، وفيما يلي بعضها:

الشام:

أقدم أسماء دمشق، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من اسم (سام). ومعنى (سام) (الاسم)، فهو بلا شك أبو الأسماء، واسم أبي الآباء الذين سكنوها.

دِمَشق وأصل التسمية:

هي بكسر الدال وفتح الميم (دِمَشق)، وبكسر الدال والميم أيضا (دِمِشق) وهو الاسم الشائع في القديم والحديث، ولذا كثرت في أصله وفي تأويله الأقوال والروايات. فالباحثون العرب حاولوا أن يعيدوه إلى أصل عربي، منهم أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي صاحب كتاب (اشتقاق أسماء البلدان). فقد قال: (وأما دمشق فيقال إنها من دَمْشَق، وناقة دَمْشَق: أي سريعة. ويقال: دَمْشَق الضرب دمشقة: إذا ضرب ضربا خفيفا سريها). وقال ابن الأنباري: (ودَمْشَق: فعل، من قول العرب: ناقة دَمْشَق اللحم: إذا كانت خفيفة). وروى ابن خالويه أن سيف الدولة سأله عن دمشق: هل يقال فيها دمشق أم لا؟. فأجاب: اسم هذه المدينة ليس عربيا فيما ذكر ابن دريد إنما هي معربة. ولا يقال بغيرها. فأما الدمشقة في المشي يقال: دمشق يدمشق دمشاقا: إذا أسرع، وكل سريع: دمشق).

يقول ياقوت في معجمه: (إن دمشق سميت باسم دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح). ويقول في رواية أخرى: (إن العازر غلام إبراهيم بنى دمشق وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان حين خرد من النار، وكان الغلام يسمى دمشق فسماها باسمه).يلاحظ هنا أن اسم العازر ورد في التوراة باسم (العازر الدمشقي) مالك بيت إبراهيم.

وعاد ياقوت فأعطى دمشق تفسيرا لغويا فقال: (قيل سميت بذلك الاسم لأنهم دمشقوا في بنائها أي أسرعوا. وناقة دَمْشَق: أي سريعة).

وروى (أبو بكر محمد الفرضي) وكان أسر، وبقي في بلاد الروم مدة، أن رجلا من حكماء الروم قال له: إنما سميت دمشق بالرومية، وأن أصل اسمها (دومسكس) أي مسك مضاعف لطيبها وكثرة أزهارها لأن (دو) للتضعيف و(مسكس) هو المسك، ثم عربت فقيل دمشق.

وهناك أسطورة عن سبب تسميتها دمشق تقول: إن الابن الرابع لآرام بن سام هو (ماش)، قد غادر قومه أرض شنعار جنوب جبل آراراط، وحلَّ في بقعة دمشق فأعجب بها، وأراد أن يؤسس مدينة فيها، وكان أخوه الأكبر (عوص) أسس مدينة في حوران، فطلب إلى أخيه (ماش) أن يسمي المدينة باسم جده (سام) فرفض وتخاصما، وضرب (عوص) أخاه بحجر على رأسه فامسكب دمه على حجر أساس المدينة، ويقال إنه مات وسميت المدينة بعد ذلك بثلاثة أسماء: الأول (شام) تكريما لسام، والثاني (دمشق) لأنه دم (ماش)- وهذه كلمة آرامية معناها دم الشقيق- أي أن المدينة بنيت بدم الأخ الشقيق، والاسم الثالث (داماش) لأن بني يافث بن نوح لما سمعوا بالخبر قالوا: (داماش) أي (دم ماش)، ولما هاجروا وسكنوا في أوروبا لفظوها (داماس) لأن حرف الشين غير موجود في الحروف اللاتينية القديمة.

وذكر (ستيفانوس) البيزنطي، وقد عاش في القرن السادس قبل الميلاد، أن اسم دمشق يرجع إلى أن البطل (دمسكوس) ابن الإله (هرمس) جاء من اليونان إلى سورية وبنى مدينة باسمه.

ويفسر الكتاب اليونان اسم دمشق تفسيرا آخر يتعلق بشخص (دماس) الذي قالوا عنه إنه مؤسس المدينة، وهو أن (دماش) رافق الإله (يونيسوس) إلى سورية فقالوا (خيمة دماس).

وجاء في نص أن أحد خلفاء (مرشاش)، توغل في أراضي الهكسوس جنوبا بعد فتح حلب حتى (دَمَشومس) وهذا اللفظ يشبه لفظة دمشق.

ووردت في النقوش الأثرية المصرية باسم (خيطا)، وربما كان معنى هذه الكلمة (الفضة)، وإذا كان هذا صحيحا فإنه يكون أول ذكر لدمشق في التاريخ، كما أن المؤرخ (سترابون) ذكر مغاور دمشق في العصر الحجري.

ويرد الباحثون الغربيون كلمة دمشق إلى أصول كلدانية أو سريانية قديمة، وعمدتهم في ذلك أن هذه الكلمة وردت بالهيروغليفية في آثار تل العمارنة والكرنك فقط بلفظ (تِمسقو) و(تيرامسكي) و(دمشقا) ومعناها الأرض الزاهرة أو المثمرة أو الحديقة الغناء، ومن هذا اللفظ أخذ اليونانيون كلمة (داماسكوس) وعنهم نقل الإفرنج هذا الاسم.

كما ورد اسمها في الآثار الآشورية (دمشقي وتمشكي)، وقيل ذلك في العبرية والسريانية.

وكان الآراميون يسمونها (درمسق) أو (درمسوق).

وقيل: إنها مشتقة من (أدم) أي الأرض و(سمق) أي الأحمر في السريانية.

وقيل: إنها مشتقة من (دم شقه) أي شرب الدم، يعني دم هابيل منها.

وشرح القديس (هيرونيم) في تفسيره لسفر رعاموس 1:5: اسم الدمشقيين بشاربي الدم، إشارة إلى اضطهادهم شعب الله. وقال في سفر زكريا 9:1: إن دمشق تفسر في لغتنا بشارب الدم، أو دم المسيح. فيشار بالمعنى الأول إلى شعب دمشق الدموي، وبالثاني إلى توبته من بعد ظلمه.

وقيل- نقلا عن التوراة- إنه لما قتل قابيل أخاه هابيل سأله الله تعالى: أين هابيل؟. قال: لا أعلم. ألعلي حارس لأخي؟. فقال سبحانه وتعالى: إن صوت دم أخيك صارخ إلي من الأرض. ومن المحقق أن اسم دمشق في اللغة السريانية معناها الأرض التي شربت الدم.

وقيل: إن كلمة (دمشق) فارسية وأصلها (دم بشك)، وسميت (وادي التين) وربما كان ذلك لوجود وادي التين في سوق وادي عقربا أو الجبل، لوجود شجر التين في معبدها.

من أسماء دمشق القديمة:

(مدينة العازر) خادم إبراهيم الخليل. ومدينة (نعمان السرياني) وهو أحد سكانها. و(بيت رامون) نسبة إلى هيكلها الذي كان باسم الإله (رامون اللودي)، ومنه اسم (برمانة) في ظاهر دمشق.

ومن أسمائها المتداولة– خاصة في النصوص الأدبية من شعر ونثر- (جلق) و(جيرون) من باب تسمية الكل بالجزء، و(البريص).

ومن أسمائها أيضا:

(عين الشرق كله) أطلقه عليها يوليلنوس الروماني لعظمة عمرانها.

ومن أسمائها العربية:

(دمشق الشام) تمييزا لها عن غرناطة الأندلسية المسماة (دمشق العرب)، و(ذات العماد) سميت بذلك لكثرة أعمدتها. و(حاضرة الروم) و(حصن الشام) و(باب الكعبة) و(فسطاط المسلمين) و(العذراء) ولعل هذه التسمية نسبة إلى مريم العذراء، و(قاعدة وادي سورية) المعروفة (بسورية المجوَّقة).

ومن ألقاب دمشق:

(الفيحاء): لاتساعها ورائحتها الزكية، و(الغناء) لالتفاف أشجارها الكثيفة، و(جنة الأرض) لكثرة حدائقها وغزارة مائها، و(قرية المسرة) كما سماها ارميا النبي.

أصل بناء دمشق

وكما اختلف في أصل اسم دمشق، اختلف أيضا في أول بان لها. وخلاصة الروايات الكثيرة عن بنائها أن بانيها هو أحد هؤلاء:

– دمشاق بن قاني بن لامك بن أرفخشد بن سام بن نوح.

– جيرون بن سعد بن عاد بن إرم بن سام بن نوح، وسماها (إرم ذات العماد) وباسمه سميت. ويقال إن بها أربعمائة ألف عامود من الحجارة الضخمة.

– العازر غلام إبراهيم- وكان حبشيا- ويسمى دمشاق.

– دمشاق بن نمرود بن كنعان.

– دمشق بن آدم بن سام بن نوح.

– بنو أراسف الكنعاني اللذين بنوا بابل وصور ودمشق.

– اليونان.

– بني شيطانان- يقال لهما بريد وجيرون- لسليمان بن داوود سقيفة مستطيلة على عمد وبنيا حولها مدينة لطيفة فسمي المكان باسمهما أو باسم أحدهما (جيرون).

– جيرون بن سعد بن عاد وسميت باسمه وهي إرم ذات العماد. ويقال إن بها أربعمائة ألف عامود من الحجارة الضخمة، وقد عثر تحت الأرض على بعض تلك العواميد على شكل شارع مستطيل تكتنفه العواميد من الجانبين وذلك لما احترق الجامع الأموي فأخذ بعضها لعمارته في سنة 311 هـ.

– سوراسب ملك الفرس، أو الضحاك، أو بيوراسب.

قيل بنيت على رأس ثلاثة آلاف ومائة وخمس وأربعين سنة من جملة الدهر الذي يزعمون أنه تسعة آلاف سنة، وولد إبراهيم بعد بنائها بخمس سنوات، وهذا ما ينفي خبر أن بانيها هو العازر غلام إبراهيم.

وجاء في التوراة أن إبراهيم تبع أسرى لوط ابن أخيه إلى (صوبة) الواقعة في شمالها وكانت هذه الواقعة 1913 قبل المسيح.

روي أن مكان دمشق كان دارا لنوح. وروي أنها بنيت أولا في واد عند ذيل جبل قاسيون. وروي أن المقدونيين جددوا بناء دمشق في مكان أبعد بقليل عن مكان تأسيسها الأول رغبة منهم في الابتعاد عن الجبل ولجعلها في السهل قريبة من الأنهر.

ووصفت أنها كانت بيضوية الشكل، طولها من الشرق إلى الغرب نحو ميل، ومن الشمال إلى الجنوب نحو ميل ونصف.

ومن الثابت أن دمشق كانت موجودة منذ الألف الثالث قبل الميلاد وكانت على ضفة بردى الجنوبية على (تل السماكة) بين شارع الخراب شمالا ومئذنة الشحم. وكان مركزها (معبد حدد) موضعه أسفل الجامع الأموي، ويظن أنها كانت قرية زراعية لما احتلها الآراميون الوافدون من بلاد الرافدين وجعلوها عاصمة دولتهم. وتذكر التوراة أن فيها نهرين هما (أبانا) و(بربر) والأول يقابل بانياس الآن، والثاني بردى.

يقول ابن عساكر في كتابه (تاريخ مدينة دمشق- المجلدة الأولى- ص10): إن أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل.

ويقول أيضا عن أبواب دمشق ونسبها إلى الكواكب والفلك:

قرأت في كتاب عتيق: باب كيسان (لزحل) وباب شرقي (للشمس) وباب توما (للزهرة) وباب الصغير (للمشتري) وباب الجابية (للمريخ) وباب الفراديس (لعطارد) وباب الفراديس الآخر المسدود (للقمر).

أما إطلاق (الشام) على دمشق فهو من باب إطلاق العام على الخاص، والعرب كثيرا ما يسمون المدن القواعد بأسماء أقاليمها، فكانوا يقولون بلا فرق: (دمشق) أو (الشام).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى