أبحاث ودراسات

دمشق وإحياء الشعور القومي

| أحمد حلمي العلاف

لم تكن القضية العربية وليدة الأحداث في تركيا، بل كانت فكرة قديمة تنتقل مع الأجيال من عصر إلى عصر، وكان ظهورها واختفاؤها على نسبة الظروف والأحداث التي تنتاب العرب ويشاطرون الدولة في آلامها، فكانت القضية العربية مجرد فكرة يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، فما كانت لتقوى على السطو والتمرد على الأفكار الإسلامية المرتبطة بالخليفة العثماني، خوفا على الإسلام والمسلمين من الانحلال والوقوع في أيدي أعدائهم.

فكان كل عربي مهما سمت وتدنت منزلته ومكانته الاجتماعية حريصا على عروبته، وإلى جانب ذلك وعلى قدر ثقافته كان حريصا على أن يكون في ظلال الهلال العثماني الممثل لكافة الشعوب الإسلامية، والذي بعهدة واحترام وحماية الخليفة التركي.

إلا أن هذا الاعتقاد السائد في أكثر الطبقات لم يحل دون تفكير بعض مفكري العرب في سائر أقطارهم من السعي إلى إحياء مجد العرب وبعث دولتهم ورفعها إلى المستوى اللائق بتاريخ أمجادها وحضارتها، وكان أكثر ما يسبب هيجان الشعور العربي بين آونة وأخرى، ما كانت تقوم به الدولة من حروب اليمن ونصب العداء إلى أمراء الجزيرة الآخرين، لاسيما تجاهل حقوق العرب، بل تجاهلها حقوقها نفسها كدولة بالنسبة لسائر شعوب الجزيرة العربية وشيوخها. فكان ضعف الدولة يضطرها إلى ممالأة الإنكليز وبسط نفوذهم في سواحل الجزيرة وأواسطها، وهي تتغاضى عن كل ما يجري هنالك غير حاسبة للمستقبل أي حساب، أو كأنما كانت تنظر إلى الأطراف النائية وسكانها من أرض الجزيرة نظرة ارتياب كأنهم ليسوا شعوبها ولا تابعين لها، وأن ضعف رجالها وسوء إدارتهم أفسحت مجالا عظيما لدعايات الأجانب (الإنكليز) وتثبيت أقدامهم في (عدن) و(سلطنات لحج) ومحمياتها و(حضرموت) و(عمان) و(الإحساء) و(البحرين) وأراضي نجد، فكأنها اعترفت ضمنا أن أولئك الشعوب من حق الإنكليز النظر إلى مقدراتهم وحمايتهم والتوغل في أراضيهم والتبسط في فرض نفوذهم عليهم، وكثيرا ما كان أولئك الشعوب يطلبون إلى الدولة بأن تجري في بلادهم اختيار المبعوثين (نواب) عن بلادهم، فما كانت تراعي طلباتهم ولا تكترث بهم. وما ذلك إلا خوفا من تكاثر النواب العرب في مجلس النواب العثماني وتكوين جبهة قوية من العرب يخشى عليها وعلى سلامتها من تكتلهم وكثرتهم. فكانت تسعى جهدها للإقلال من مبعوثي العرب واختيارهم على صورة الانتقاء دون انتخاب من بلاد الشام والعراق وليبيا، فهذا الضعف في الأتراك والنوازل التي توالت عليهم وإضاعة أقطار كبرى من جسم الدولة، وفساد إدارتهم وسوء نواياهم وقصر باعهم في السياسة العليا، والجهر بالعداء للعرب، كل ذلك كان سببا حقيقيا لإيقاظ الشعور العربي والسعي إلى التكتل وحماية الأقطار العربية من أن تتدهور مع الدولة إلى الخراب والاضمحلال.

كيف نشأت:

لقد كتب كثير من المؤرخين في تآليفهم ومذكراتهم عن القضية العربية وكيف نشأت، فكان كل منهم يرجع إلى ما سمع عمن رأى أو سمع فيتناقلون أحاديث شتى أكثرها بعيد عن الحقائق، والحق معهم في جميع ذلك، لأن الفكرة كانت تجول في الأفكار أفرادا وجماعات لا يستطيعون التظاهر بها، والتكتم كان شديدا خوفا من بطش الأتراك من جهة، وعدم اعتياد الناس على المجاهرة بالأفكار في ظل الحكومة الاستبدادية، وفقدان الاستعداد ووسائل العمل، كل ذلك كان يجعلهم على غير استعداد للمجاهرة بشيء من أفكارهم، كما أنهم ما كانوا يدرون عن بعضهم ويخفون بينهم ما يفضون به في خلواتهم لمن اعتمدوا على كتمانهم وجاروهم في أفكارهم.

وقد رأيت بأن الكتب التي ذكرت نهضة العرب وثورتهم قد أوردت بأنهم- أي العرب- بدأوا في قضيتهم حوالي عام 1913، بينما الفكرة كما ذكرت قديمة. وإذا كانوا يريدون بذلك تعيين تأسيس الأحزاب فهذا خطأ أيضا، إنما بدأ العرب في مؤتمرهم الأول وهو الأخير أيضا، في عام 1913 عقب حرب (البلقان) في (سان جرمان) في باريس، في القاعة الجغرافية على يد أصحاب الفكرة هناك من الشبان أصحاب الفكرة والطلاب العرب، وكتبوا إلى الجمعية اللامركزية في مصر فأوفدت إليهم بعض رجالها، وتقاطر رجال العرب من سائر الأقطار والمهاجر ونجحوا في مؤتمرهم نجاحا باهرا.

إن إعلان الحرية في الدولة العثمانية عقب الانقلاب العثماني عام 1908، وما أعقب ذلك من جيش الحركة من الرومللي، قد أفسح المجال إلى العرب بفتح النوادي في الآستانة وبلاد الشام، وقام رجال الإصلاح في بلاد الشام كما قام رجال السياسة العرب في الآستانة بتوسيع أعمالهم والسير على حذر بنشر الفكرة بين العرب، ثم بين الطلاب. وإنني لأذكر اجتماعا عقد خلال هام 1908 في دارنا، وكان المرحوم (رشيد بقدونس) هو الداعي لهذا الاجتماع الذي حضره لفيف من إخوانه الضباط وبعض المدنيين، وأذكر من الضباط: بهاء الدين البخاري، وأحمد البقاعي، وعلي أفندي، وأربعة آخرين لم يقع نظري عليهم منذ انفضاض الاجتماع، وكان بين المدنيين عبد المسيح أنطاكي من القطر المصري (صاحب جريدة العمران آنئذ) وثلاثة أو أربعة بعمائم بيضاء سمعت باسم أحدهم: عبد الحميد الزهراوي، كما سمعت باسم واحد من آل كرد علي، وكنت إذ ذاك في العاشرة من عمري وأقوم بخدمتهم، ولا أعرف عنهم شيئا إلا ما علق في ذهني من بعض الأسماء أو الأشخاص من الذين تتلمذت عليهم فيما بعد ورأيتهم على اتصال مع خالي المرحوم رشيد بقدونس، لاسيما عندما كنت في المدرسة العثمانية وكانوا من أساتذتها ذلك عام 1909.

وقد توالت الاجتماعات، إلا أنني كنت أرى الوجوه تتبدل غالبا، وكانوا يجتمعون في قرية المزة أحيانا، وكنت أعرف ذلك من إبطاء خالي عن الحضور إلى الدار.

ثم بعد أن اختمرت الأفكار وأخذوا يطبعون المناشير، وكنت أوزعها هنا وهناك على جهات يحددونها، دون أن أعلم أسماء أصحابها، لاسيما عندما سافر خالي من دمشق بسبب حرب البلقان (وكان من الضباط)، واشترك في معارك (يانية) ووقع أسيرا في بلاد اليونان (أسبارطة)، كانت ترد إلى اسم والدي ظروف كبيرة ولا نعلم مصدرها، إنما أفتحها فأجد العناوين على الظروف فأوزعها على تلك العناوين، كما كان يوجد مع الظروف طائفة من المناشير كتب بالقلم الأحمر عليها: (واجبة التوزيع في الأحياء في الخفاء والكتمان). فكنت أوزعها أيضا، والسبب في إرسالها إلى اسم والدي كان إيهاما لدوائر البريد من الشبهات، فوالدي يحترف صنعة التنجيد في سوق الجمعة ومكانه معروف، وإنه بالنسبة للأفكار المعلمة النيرة يعد أميا منصرفا لحرفته، يخيط اللحف والفرش والوسائد وجهازات العرائس، فلا يمكن أن يظن به أنه سياسي أو يشترك بأعمال عامة، فكان الوسيلة الوحيدة لإيصال الظروف والرسالات البريدية المختومة إلى يدي، وأنا أعمل بها حسب تعليمات مرسليها وأنا لا أعرف من هم على وجه الدقة.

ثم إن الدولة العثمانية راحت تؤسس في البلدان فروعا لجمعية الاتحاد والترقي، وتعمل على حمل الناس للانخراط فيها، فكان حظ دمشق أيضا كغيرها إذ افتتحوا فيها ناديا بعنوان: (شام اتحاد وترقي جمعيتك قلوبي) أي نادي جمعية الاتحاد والترقي بدمشق، وكان قريبا من المرجة ومدخل جادة السنجقدار.

كنا في المدرسة العثمانية عندما أعلن خلع السلطان عبد الحميد، وكان أساتذة المدرسة يبذلون الجهود الجبارة في تلقين الطلاب المبادئ القومية، في أساليب مختلفة، فالمرحوم الشهيد عارف الشهابي، كان يلقن الطلاب تاريخ العرب بأسلوب عاطفي مؤثر جدا، وكنا نلتهب وطنية من تلك الحوادث التي يمليها علينا بأسلوبه الرقيق وبعبارته الجميلة مشفوعة بدموعه وعبراته، وكان الدكتور أسعد الحكيم يعيد ذكريات الأندلس ومآسيها برواياته وتلقينها للطلاب. ولم يسبق أن رأى مثل تلك الروايات ولا شاهدها أحد من أبناء دمشق بعد المرحوم (أبو خليل القباني)، لذلك كان يدعى إلى مشاهدتها أولياء الطلاب ووجوه دمشق، فيلتهبون حماسة ويخرجون برأسمال وطني كان كافيا لتحريك شعورهم العربي من سهاده، حتى أن طائفة من العلماء- بإشارة من والي دمشق- جاؤوا لينتقدوا سير المدرسة ويحتجوا على إقامة تلك الحفلات بداعي أنها مما يستنكره الدين الإسلامي، لاسيما وقد حرّفوا نشيدا كان يتلى أثناء الرواية، وبينما النشيد يقول:

(إن ذكر الماضي فرض جاء في القرآن).

فقد حرفوها هكذا:

(إنما التمثيل فرض جاء في القرآن).

وهكذا كانوا يسارعون إلى إحباط كل مسعى من شأنه نشر الثقافة العربية وأمجاد العرب بين الطلاب. حتى أن مدير المعارف العام التركي باغت المدرسة إبان حفلة فيها، فجعلوا له مكانا يراقب الحفلة، وخطب بين يديه صغار الطلاب خطبا مختلفة باللغة التركية والعربية والإفرنسية، كما ارتجل المرحوم الشهيد الأمير عارف الشهابي خطابا باللغة التركية، مما حمل الزائر على الاطمئنان لسير المدرسة.

وأذكر أنه دخل الصفوف ومر بصفنا فوجه سؤالا إلى أحد الطلاب ويسمى شفيق الخياط (الآن الدكتور شفيق الخياط) عن مصر ولمن تتبع في إدارتها، فأجاب الطالب فورا: (إنها تابعة إلى إنكلترا). فصحح الوضع الأستاذ بأن وجه سؤالا آخر آنيا إلى أحد الطلاب ويسمى فارس صالحاني (الآن فارس بركات)، سائلا عن ارتباط مصر بالدولة، ولما أجاب هذا الطالب بأنها تحت السيادة العثمانية، افتر ثغره عن ابتسامة السرور، ثم استدرك فقال: (إن شاء الله ستعود إدارتها إلينا في المستقبل)، ثم مضى إلى شأنه مودعا بالحفاوة والتكريم.

إن للمدارس الأهلية- وفي مقدمتها المدرسة العثمانية وما بذله أساتذتها- فضلا كبيرا على إحياء شعور أبناء العرب ويقظتهم، فكانوا مثالا رائعا لأبناء النشء العربي المطلع على وضع بني قومه، والفارق بين ماضيه وحاضره، لذلك كانت عداوة الأتراك ملء القلوب ما كانت تخفى، لاسيما وأن اختلاط هؤلاء الطلاب بذويهم أو بأمثالهم من الأطفال سبب سراية تلك المبادئ عنهم إلى غيرهم عن قصد وعن غير قصد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى