مقالات

سطح دمشق

| د. صفوح خير

تأثرت منطقة دمشق، ونقصد بمنطقة دمشق هنا، بقعة المدينة ذاتها والنطاق المحيط بها حتى مشارف الريف، بالإضافة إلى الأراضي الجبلية الداخلة ضمن حدودها الإدارية، بعاملين رئيسيين، يمكن أن نرجع إليهما كثيرا من مظاهر السطح فيها، وهما:

أولا- العوامل الباطنية التي تعرضت لها منطقة المدينة.

ثانيا- العوامل الخارجية، ولاسيما التعرية النهرية.

هذا فضلا عن عاملي الإرساب السفحي والنهري اللذين يرجع إليهما الفضل في تكوين المروحة الفيضية، التي تقوم فوقها مدينة دمشق وضواحيها المتعددة.

أولا- العوامل الباطنية:

تأثرت منطقة دمشق بعوامل باطنية شديدة، يمكن أن نرجع إليها الكثير من مظاهر السطح فيها، وخاصة في مرتفعات قاسيون، التي تمثل جزءا من السلسلة التدمرية، وهي تشكل ثنية محدبة Anticline، تبدو على شكل طية صندوقية، تظهر بوضوح في المقطع السينوماني بين الربوة ودمر على طرفي نهر بردى.

وتظهر الطبقات التورونية مائلة بشدة (حوالي 80 ْ) على طول السفوح المشرفة على مدينة دمشق، بينما تتميز سفوحها الشمالية الغربية بقلة انحدارها (بين 25- 30 ْ). ويرجع هذا إلى أن السلسلة الجبلية تمثل التواء وحيد الجانب، تغايرت قوة الدفع على كلا جانبيه.

والواقع أن جبال قاسيون تفصل بين منطقة غربية تعرضت لحركات باطنية عنيفة، ومنطقة شرقية كانت أقل اضطرابا وعنفا منها، ولذا تميزت كتلة قاسيون بعدم تناظرها من حيث انحدارها، إذ تبدو سفوحها رأسية قائمة في الشرق، على خلاف الصورة التي نشهدها في الغرب. وترجع هذه الظاهرة إلى اعتراض كتلة الجزيرة العربية لقوة الدفع المتجهة من الشمال الغربي، مما حال دون استلقاء الطبقات الملتوية في هذا الاتجاه، فاتخذت ميلا قريبا من الرأسي، يتسق مع صدع ممتد على طول هذه السلسلة الجبلية، يظهر مقطعه الرأسي على طرفي خانق الربوة، مشكلا ما يسمى (بالمنشار)، كما يشاهد على السفوح المشرفة على منطقة المزة على شكل جدر عريضة تغطي الرواسب السينونية والباليوجينية أقسامها السفلى.

ولا شك في أن انحدار السفح الشديد، يجعل منطقة التغذية بمياه الأمطار ضيقة محدودة. ولو قدر للسفح أن يكون أقل ميلا من ذلك، لأصبح البناء على السفح أكثر صعوبة وخطورة، لأن منطقة التغذية بمياه الأمطار تصبح أكثر اتساعا، ومياه السيول أكثر اندفاعا وغزارة.

ويبدو أن انحدار السفح الذي يزداد شدة ووعورة في المنطقة التورونية، لن يسمح- في المستقبل- بامتداد العمران نحو الأعلى، أكثر مما وصل إليs’ه في الوقت الحاضر، أما المساكن التي بناها أصحابها خلسة، وارتفعوا بها إلى ارتفاعات شاهقة، لا تبعد أكثر من 300 متر عن القمة، فهي أشبه ما تكون بأعشاش النسور، ولن تعمر طويلا بعد صدور المخطط التنظيمي الجديد للمدينة، لأنها تقع خارج مناطق التنظيم الحديثة.

وينعكس أثر انحدار السفح الشديد على حالة المناخ في مدينة دمشق، إذ يقوم هذا الجدار الجبلي القائم بعكس الأشعة الشمسية كاملة فوق مساكن المدينة، فتلهب سطوحها بحرارتها الشديدة، وخاصة في أيام الصيف، وأثرها في البيوت الحديثة أكثر وضوحا منه في البيوت العربية، وذلك بسبب استخدام الحديد والإسمنت في الأولى، والخشب والطين في الثانية.

ويروي التاريخ أخبار الهزات الأرضية الكثيرة التي أصابت هذه المنطقة في فترات مختلفة، ومن أهمها تلك التي حدثت سنة 233هـ (848م) والتي مات فيها معظم أهل دمشق تحت الردم، ثم هزتا 552 و565 هـ (1157 و1170م). أما الهزة التي وقعت في سنة 1171 هـ (1757م) فهي من أشدها ضررا لكثرة ضحاياها وما أعقبها من وباء جارف. ولم تمض سوى سنتين فقط على هذه الحادثة حتى تلتها هزة أخرى لم يسلم منها من بيوت دمشق ومناراتها وقبابها ومساجدها إلا ما ندر.

ثانيا- العوامل الخارجية:

إلى جانب العوامل الباطنية، كانت عوامل التعرية ذات أثر واضح في تشكيل مظاهر السطح في منطقة دمشق. وأهم العوامل التي لعبت دورا هاما في هذا السبيل، هي التعرية النهرية التي يقوم بها نهر بردى وفروعه في هذه المنطقة.

لقد وضع نهر بردى رواسبه في البحيرة التي كانت تشغل حوض دمشق، وتمتد غربا حتى مشارف المدينة. ثم عاد يحفر مجراه في رواسبه نفسها، فتكونت على جانبيه عدة مصاطب، تبين لنا تطور عملية الحت المختلفة التي مرت بها هذه المنطقة.

ويلاحظ أن هذه المصاطب التي كونها نهر بردى، بعد خروجه من خانق الربوة، واضحة ومحددة. ولكن سرعان ما تزول معالمها بعد خروج بردى من المدينة. ولذلك لا يتجاوز امتدادها أكثر من بضعة كيلو مترات على طرفي النهر.

ولا شك في أن الأعمال الزراعية التي مارسها الإنسان في هذه الأراضي منذ أقدم العصور، قد بدلت الكثير من معالمها، وجعلت من العسير تمييزها بين عشرات المصاطب الاصطناعية التي أنشأها الإنسان لتسهيل سقايتها وحماية تربتها من الانجراف، كما أن الحركة العمرانية الحديثة التهمت معظم هذه الأراضي وحولتها إلى مناطق سكنية. وبرغم ذلك، يمكن أن نميز بين أربع مصاطب أساسية فوق السهل الفيضي الحالي، تتمثل كلها على الضفة اليسرى للنهر، بينما لا تظهر منها على الضفة اليمنى سوى أحدثها عهدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى