مقالات

صحفية فرنسية في دمشق سنة 1925

ذهبت اليوم إلى مرصد (تامرلان)- لعله قبة السيار- الذي يمكن منه التمتع برؤية أجمل مناظر الغوطة والبادية. وكان هناك نفر من ضباط الصف ينفخون صدورهم زهوا. ولما ألقيت عليهم الأسئلة أدهشني جهلهم المطبق، إذ رغم مرور سنتين على إقامتهم في دمشق، لا يوجد منهم من يعرف التوجه من مكان إلى آخر. وقد ظلوا غرباء جميعا، وغير مبالين بسحر البلاد العجيب، وهؤلاء هم من أبناء وطني.

18 كانون الثاني 1925

من كتاب (دمشق تحت القنابل)

تأليف: أليس بوللو Alice Poulleau

ترجمة: إحسان هندي

دمشق 1967 مطبعة الاعتدال

 

الصوفانية

قمت اليوم بنزهة إلى الصوفانية، وهي أحد أطراف دمشق الجميلة التي أشتهي رؤيتها من جديد. إنها جزيرة صغيرة تغفو بين فرعين من فروع نهر بردى، يصل إليها المرء بجسور ريفية بسيطة، وتنتشر على ضفافها المقاهي التي يدخن فيها الناس بشراهة وهم يشاهدون خيول البلد الجميلة تصول وتجول. وأما في الصيف فتمتلئ هذه الجزيرة بالمستحمين الأشداء.

18/1/1925

بلفور.. في دمشق

بلفور
بلفور

وأما بالنسبة إلى اللورد بلفور، فقد كان الأمر مختلفا بعض الشيء. فرغم أن الكثيرين نصحوه بعدم الذهاب إلى دمشق، فإنه غادر الصهيونيين في فلسطين متوجها نحو هذه المدينة، لأنه كان يأمل باستقبال رسمي، ولم يكن يتصور أنه سيقابل الدمشقيين وجها لوجه. وبما أنه كان من الواجب السهر على سلامته، فقد سبقه قطار مسلح فرنسي ضمن الأراضي السورية، وحُرس قطاره الخاص من قبل الشرطة الذين كان يتمركز منهم خفير في كل محطة، على طول سكة حديد حيفا- دمشق. ويقال إن أهالي حوران تدافعوا في بلدة درعا لرؤيته بفضول يمازجه عداء واضح.

وفي دمشق، كان القنصل البريطاني (سمارت) ينتظر القطار في محطة القدم، حيث اختطف بلفور من هناك بسيارته لئلا يتعرض للهتافات المعادية إذا وصل إلى دمشق. ولكن هذا لم يحل دون اجتماع جمهرة من الطلاب عند باب فندق فكتوريا بعد أن سمعوا بالنبأ وذلك ليصيحوا: (فليسقط بلفور)، مع عبارات أخرى (مستحبة). ولما فرقهم رجال الأمن رجال الأمن عادوا للتجمهر واندفعوا بعنف باتجاه الفندق، حتى أن مديره المسكين خاف على زجاج نوافذه فأسرع لإغلاق المصاريع الخشبية وإطفاء النور، وعندها تساقطت الأحجار من الشرفات. ثم قام الخطباء الذين كانوا يحملون شارات سوداء بإلقاء كلمات مناسبة قوطعت بالتصفيق. وكان أن تدخل الجيش فقام (السباهيون) القساة باستخدام سيوفهم في عدة أماكن، حتى قيل إنه سقط عشرون من الجرحى، ثم قبض على المتحمسين أكثر من غيرهم، وأغلق الجامع الأموي ومنع الدخول إليه. وقد أغلقت الحوانيت في الأسواق أبوابها، وابتدئ بتحضير مظاهرة كبرى لتقوم غدا، وبانتظار ذلك قام وفد من الأهالي العقلاء بمقابلة اللورد لرجائه بالتفضل بعدم إيلائهم شرف البقاء في مدينتهم أكثر من ذلك. ولذا قام باستلام طريق بيروت بكل سرعة، ولم يشعر بالهدوء إلا بعدما ركب سفينته. ولا ريب أنه سيظل يذكر دمشق لمدة طويلة.

9/4/1925

الروح القومية

والشيء الذي لا يمازجه أي شك، أن صفات جدودهم تعني: أهل دمشق، التي هي في طور الركود عندهم الآن، يمكن أن تنتهي إلى يقظة، إذ هل يقدر أحد أن يعرف مقدار الحيوية الفائقة التي تركها في روح هذا الشعب أجداد له تمكنوا من اجتياز الأراضي الإيبرية- إسبانيا- ولن يكدر السيد برتران– مؤرخ فرنسي- أن نقول: إن الجانب المتمدن في معركة (بواتييه)- بلاط الشهداء بين شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي سنة 732- لم يكن الجانب الذي يقوده شارل مارتل بأي حال من الأحوال.

30/9/1925

الآذان.. وسط دوي المدافع وأزيز الرصاص

كان المدفع يطلق بفواصل زمنية متقاربة، وكانت القنابل تتتابع. وبعد صوت انفجار كل قنبلة كان ينبعث عمود من الدخان الأصفر، ويرتفع في السماء مهددا متوعدا.

وها هما عمودان، ثلاثة أربعة أعمدة، حتى الآن ترتفع خلال أشعة الغسق الذي بدأ يرخي ظلاله على المدينة.

لقد غابت الشمس شيئا فشيئا وراء جبل حرمون- الشيخ- البعيد الذي اصطبغ بلون بنفسجي، وابتدأت جبال القلمون وقاسيون التي تحيط بالمدينة، على شكل مدرج، تأخذ طابعا وحشيا معاديا ينسجم مع مظهر المدينة المقاتلة التي تشبه مآذنها الرماح بذراها المدببة.

وفجأة سيطر عليَّ شعور أعظم من أن يوصف، لأن الوقت كان وقت صلاة المغرب. وها هو ذا صوت عجيب يسمع وسط ألحان الرشاشات والمدافع الوحشية هذه، صوت المؤذنين في سبعين جامعا ينطلق من جميع الجهات، ويحلق عاليا في جو المدينة ليغطي بحفيف أجنحته أصوات انفجارات آلات الموت. كان هؤلاء المؤذنون يدعون للصلاة بصوتهم الذي يشبه الغناء، والذي يملأ النفس بالقشعريرة بما له من طابع ولحن مميزين، وبما يحمله من حرارة الإيمان. وقد خيل إلي أن أحد آلهة الحرب يدعو من أعلى هذه المراصد السماوية هذا الشعب الذي يتحرك ضمن شوارع مدينة دمشق السوداء القديمة لخوض حرب مقدسة.

18/10/1925

 

دمشق تحترق

لم تكن هناك ريح قوية البارحة مساء لحسن الحظ، وإلا لكانت دمشق احترقت بكاملها. ولقد كادت المسكينة (نور) أن تموت رعبا خيفة أن ترى منزلها وقد أصبح رمادا، وكانت تردد بابتهال الدعوات لرب مجهول. لقد كان منظر الحريق مخيفا ورائعا بالوقت نفسه، لأن كل هذا ما هو إلا تكرار (عصري) لجميع أنواع (الاعتداءات) التي تعرضت لها في التاريخ هذه المدينة القديمة قدم العالم نفسه. حتى إن (الديكور) لم يتغير إلا قليلا: فها هنا جبل قاسيون الأصهب الذي رأى كثيرا من هذه المشاهد منذ أن تحدب ظهره. وها هناك جبل قلمون الوحشي، ثم الجبل الأسود البعيد بشكله المسطح. إن كل هذه الجبال تراقب هذا المساء، كما كانت تفعل في الماضي مشهدا أصبح عاديا بالنسبة إليها تقريبا.

ومن المؤكد أن دمشق تظهر من قمم هذه الجبال وكأنها كومة حطب مشتعلة تناثرت شراراتها فأشعلت حرائق أخرى مفجعة في منطقة الغوطة.

إن دمشق وغوطتها الجميلة قد أحرقتا، كما لو كنا في عصور الحديد وعصور الظلام. أية سلطة مشؤومة تلك التي تقوم على مر القرون بتكرار الأفعال نفسها في الأماكن نفسها؟.

20/10/1925

النار.. في كل مكان

كانت السلطة تريد إحراق منزل عائلة البكري كعمل انتقامي– من نسيب البكري أحد قادة الثوار في الغوطة– وبما أن هذا المنزل كان محاطا بمنازل أخرى، فقد التهمت النار جميع منازل حي المرستان، وهكذا تعرض الأبرياء للعقاب أيضا.

وفي سوق الحميدية، لا ترى الآن إلا الحركات المحمومة والتنقلات السريعة، كانت رزمة ضخمة من السجاجيد الرائعة التي لا تزال على طيها، وقد حرقت من زواياها الأربع، وكان التجار الساخطون يصرخون بأعلى أصواتهم، والحمالون يغادرون السوق وظهورهم محنية تحت الأحمال الثقيلة التي كانوا يحزمونها بحبال، تمر فوق جباههم.

الخراب، الخراب يعم كل مكان. لقد حطمت صفائح واجهات المخازن وملئت بالشقوق- تدعى الواحدة منها في دمشق الغلق- ولكن، بأية آلة أمكن إحداث مثل هذه الشقوق الضخمة؟. لقد سألت التجار فقالوا: إن ذلك حدث بواسطة المصفحات، ثم أسرعوا بإخفاء كل شيء، لأن الجنود كانوا ينهبون في ذلك الوقت. وكان الرعب يعم ذلك الشارع الكبير- سوق الحميدية- المقفر الذي ملئ سقفه بثقوب قنابل (الشرانبل).

وفي سوق المسكية، كانت توجد كومة كبيرة من الكتب والأوراق الملطخة، مبعثرة في الوحل يداس عليها بالأقدام.

وكان الأمر في السوق الطويل- مدحة باشا- أسوأ من ذلك، بل في منتهى ما يمكن تصوره من السوء، لأنه لم يبق فيه شيء أبدا، فكل مخزن قد خلع بابه ونهب ما فيه، اللهم إلا دكانا من الخشب الأبيض الرخيص يباع فيها الطعام لبعض الفقراء المساكين.

وفي البزورية، سوق الحلوانيين الذي تغطيه الزينة والبهجة في مولد النبي، عمَّ خراب يحير العقول: كل شيء قد نهب، كل شيء فقد من المخازن التي كانت تبيع كثيرا من البضائع القيمة. وكانت رائحة السكاكر المحروقة لا تزال تعبق في الجو، كما أن بعض ألسنة اللهب لم تكن قد أخمدت بعد. وها هو قط صغير أبيض مسكين فاقد الصواب، يقف أمام حانوت سيده الذي تهدم، ويحفر بمخالبه الأنقاض المحترقة في محاولة منه لفهم ما حدث، وهو يطلق بين الفينة والأخرى مواء يقطع نياط القلب.

22/10/1925

تدمير دمشق

بدأت هذا الصباح رحلتي إلى الخراب الحزينة في مدينة دمشق، وكان انطباعي عنها لا ينسى. فبعد أن وصلت إلى شارع السنجقدار في طقس قاتم مقبض وحزين، لم أعد أعرف أين أنا. إن كل الحمامات وكل مخازن الجهة اليمنى مما قبل جامع الدرويشية قد دمرت. أما مخازن الجهة اليسرى فقد تهدمت بكاملها. وكذلك الحوانيت التي كان لي بين أصحابها أصدقاء مهذبون وشرفاء منذ مدة طويلة.

وكان دخان الحرائق ينبعث هنا من كل شيء ويختلط بغبار الخرائب، وقد أصيبت المآذن والقباب بصدوع من القنابل وكأنها تعرضت لغزوات بربرية.

وتابعت طريقي حتى مدخل حي الميدان، وهنا وجدت شيئا جديدا يدمي القلب، فقبة جامع السنانية الرائع شوهت بثقب ضخم، ولكن القنبلة التي أحدثت هذا الثقب لم تنفجر بعد سقوطها إلى الداخل لحسن الحظ. كما أن سوق السنانية الصغير الذي تعمم فيه البهجة يوم مولد النبي أغلقت جميع حوانيته بعد أن تضررت.

وقرب بنك سورية، بين سوق الحميدية والسوق الطويل، كان هناك حي آخر تعرض لتدمير رهيب، إذ لم يعد فيه شيء قائم أبدا، كما أن رائحة الموت كانت تنتشر في بعض أمكنته التي دفن فيها الناس تحت ركام بيوتهم. إن هذا الحي- سيدي عامود– قد دمر إكراما لعائلة البكري.

وكانت الأسلاك الكهربائية متداعية في كل مكان، وماء السواقي المهدمة يغمر الشوارع الصغيرة الميتة. وها هو ذا باب مزين بنقوش لطيفة قد بقي وحده قائما بعد خراب البيت الذي كان يتبع له.

25/10/1925

نحو الصالحية.. والمهاجرين

كان شارع الصالحية، منذ الصباح الباكر، يعج بجمهور مذعور أتى من أطراف المدينة المنخفضة، الأكثر بعدا عن غيرها ليصعد باتجاه المهاجرين. وقد حوى هذا الجمهور ألوانا من البشر: كهول مساكين، وعجائز يجرهن أولادهن، وأمهات يصطحبن أطفالهن، وحجاج بعمائم خضراء يحملون مسابح الصندل في أعناقهم.

ومع كل هؤلاء كانت تمشي حمير صغيرة، تقوست ظهورها تحت أحمالها من السجاجيد والمرتبات، وأخرى تخص الأناس الفقراء لا تحمل فوق ظهورها إلا بعض القفف الفارغة.

وكان المارون يحملون على رؤوسهم وفي أيديهم أشياء عجيبة: نارجيلات، بوابير كاز، وسائد مخططة، طاولات صغيرة مطعمة بالصدف، أحذية قديمة، وجرارا من الزيت في غالب الأحيان.

لقد ظل هؤلاء يمرون طوال عدة ساعات، وكان هناك دوما قادمون جدد، وكأنهم الأمواج على شاطئ البحر، تتبع الواحدة منها الأخرى.

وكانت حافلات الترام مكتظة بالركاب، وقد تعلق الناس بجوانبها كالعناقيد، ولذا أخذت سيارات دمشق- بغداد تسير بين الميدان والصالحية وهو طريق أشد خطرا عليها من طريقها الأصلي.

ولكن، لم هذا الاندفاع كله نحو المهاجرين؟. هناك كما قيل لي منازل تكدس في الواحد منها خمسون شخصا، ولا أقل من عشرين أبدا. إن هذا الحي مكتظ بالسكان، ولكن أهاليه يستقبلون القادمين الجدد بإحسان أخوي يتصف به أبناء هذا البلد كله.

23/10/1925

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى