مقالات

يهود دمشق المطامع الأوروبية ودور اليهود فيها

د. يوسف نعيسة

علينا أن نعرف أن يهود دمشق شأن يهود الوطن العربي، عاشوا في هدوء واطمئنان في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة وتمتعوا بحريتهم الدينية كاملة، إلى قيام الثورة الصناعية في أوروبا، وما نتج عنها من تغيرات في الحياة الدولية الاقتصادية والسياسية. إذ سعت الدول الصناعية التي فاض إنتاجها عن حاجتها الوطنية، للبحث عن أسواق لتصريفه، وللحصول على مصادر للمواد الخام الأولية الرخيصة التي تحتاجها صناعتها الناهضة.

فبدأت تتدافع بالمناكب باحثة عن مناطق جديدة لاستعمارها. فوجدت في المناطق العربية والعثمانية القريبة منها ضالتها المنشودة. ولتحقيق ذلك كان لا بد لها من خلق العملاء وزرع الركائز القوية فيها.

وتوضحت تلك الاستراتيجية بحملة نابليون بونابرت (ابن البرجوازية الصناعية الفرنسية) على مصر 1798م/1213هـ. ثم حملته من مصر على بلاد الشام، إذ وجه نداءه المشهور إلى اليهود يطلب تأييد حملته واعدا إياهم بإعادة فلسطين لهم.

وقد بلغت المنافسة أوجها بين الفرنسيين والإنكليز آنئذ، وسبق الإنكليز الفرنسيين في مد أسباب المساعدة والدعم لليهود أملا في تحقيق أهداف الإنكليز الاستراتيجية في المنطقة. وكانت لفلسطين أهمية خاصة في تلك الاستراتيجية لأنها بموقعها الجغرافي تشكل مفتاحا للمنطقة التي تقع شرق المتوسط من جهة، ولكونها مفصلا استراتيجيا هاما بين القارتين (آسيا وأفريقيا).

وبرزت في إنكلترا في 1760م/1174هـ، منظمة لليهود الإنكليز تحت اسم (Board Deputies of British Jews)، بإيحاء من الحكومة البريطانية خدمة لاستراتيجيتها في المنطقة العربية. وعندما ارتقى عرش إنكلترا جورج الثاني، قدمت طائفة اليهود السفارديين (سفارديم) كلمة ولاء إلى الملك المذكور، فامتعضت طائفة اليهود الأشكنازيين من هذه المبادرة، وجرت اتصالات بين هاتين الطائفتين تقرر إثرها تنظيم العلاقة بينهما للتشاور في الشؤون المشتركة. ولكن الاجتماعات فيما بينهما ظلت غير منتظمة حتى 1835م/1251هـ. إذ تقرر وضع دستور ينظم كيان الطائفتين في شكل مجلس مشترك. وبادرت الحكومة الإنكليزية إلى الاعتراف بهذا المجلس، وفي عام 1838م/1254هـ، انتخب السيد (موسى) مونتفيوري أحد كبار أغنياء اليهود الإنكليز رئيسا للمجلس المذكور، وظل رئيسا لهذا المجلس حتى 1874م/1291هـ، وكانت للمجلس اليد الطولى في إقامة أولى المستعمرات اليهودية الخيرية في فلسطين، ولم يكتف هذا المجلس بذلك بل دفع بالعديد من يهود أوروبا الشرقية للهجرة إلى فلسطين.

وكان هذا المجلس على صلة ببعض يهود دمشق، فمثلا عندما قتل البادري توما الكبوتشي وخادمه إبراهيم إمارة (عمارة) في بيت داوود هراري وبحضور مئير فارحي وغيره من زعماء اليهود في دمشق، أخذت القضية بعدا دوليا. فتدخلت فرنسا وطلبت معاقبة الجناة على اعتبار البادري توما الكبوتشي كاثوليكيا، وهي حامية الكاثوليك في الدولة العثمانية. ثم ما لبثثت النمسا أن تدخلت في الأمر على اعتبار أن أحد رجال اليهود الجناة من رعاياها. واحتج قنصلها العام في مصر لدى محمد علي باشا، وقام زعماء اليهود الأوروبيين بإثارة ضجة إعلامية في العالم (مستنكرين اضطهاد اليهود في سورية).

إلا أن اليهود الإنكليز كانوا أكثر فاعلية من الجميع، فشكلوا وفدا برئاسة اليهودي الإنكليزي موسى مونتفيوري المذكور، الذي كان عديلا لروتشيلد اليهودي الفرنسي، ووكيل أعماله في بورصة لندن، فذهب الوفد إلى مصر، وقابل محمد علي باشا طالبا منه وقف التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية في دمشق مع اليهود، ونقل القضية برمتها إلى الإسكندرية. ولكن محمد علي باشا رفض ذلك بالنظر إلى توتر الوضع الدولي إذ ذاك، بسبب حربه مع الدولة العثمانية، واكتفى بإصدار أوامره بإخلاء سبيل اليهود المتهمين بالجريمة.

ورأى اليهود في تدخل الدول الأوروبية في تلك الحادثة فرصة لزيادة اتصالهم بها، لاسيما فرنسا وإنكلترا لكسب مساعدتها في استيطان فلسطين. وتكررت زيارات (موسى) مونتفيوري، لسورية للتشاور مع زعماء اليهود فيها. وتذكر الأخبار أنه اجتمع أكثر من مرة في دمشق مع إسحق بن حاييم فارحي، كما تذكر الأخبار أيضا أن اليهود لعبوا دورا بارزا في إشعال الفتنة في 1860م/1277هـ، في دمشق وجبل الدروز (لبنان)، وعندما قامت الدولة العثمانية بمحاسبة المسؤولين عنها قبضت على بعض زعماء اليهود. فطلب اليهود حماية إنكلترا، وأرسلوا مذكرة مطولة إلى السيد موسى مونتفيوري مؤرخة في 23/9/1860م/ربيع الثاني 1277هـ يشيدون فيها بمساعدته لهم، ويحتجون فيها على الحكومة العثمانية، لأنها تعتدي على أفضل رجالهم وأعظمهم شأنا وهو سليمان بن حاييم فارحي.

ويذكر الدكتور ميخائيل مشاقة، المعاصر للحكم المصري لبلاد الشام والذي شارك كعضو في اللجنة الطبية التي كلفت بالتحقق والكشف على جثة البادري الكبوتشي ما يأتي: (إن الطائفة اليهودية يقرب عددها من مائة ألف، أكثرهم في الأراضي المقدسة، مثل القدس الشريف ونواحيها، وهم يزيدون عددا يوما بعد يوم لكثرة الذين يهاجرون إلى هذه البلاد منهم، لاعتقادهم أن هذه البلاد ستعود إليهم بعد حين، ويساعدهم أكابرهم على شراء الأراضي وتعمير القرى والمدن، وقد صارت القدس ونواحي جبل الكرمل والناصرة جلها أملاكهم، وصاروا هم أصحاب النفوذ فيها، وأكثرهم غرباء نزحوا إلى بلاد الشام في هذه السنوات الأخيرة، وينتظر أن يزيد عددهم زيادة كبيرة في الأعوام القادمة).

مما يتقدم نرى أن بعض يهود دمشق، خاصة من كان منهم من أصول غير عربية، كانوا على صلة بالمخططات الاستعمارية التي رسمت لاحتلال المنطقة العربية واستثمارها، وكان ذلك سابقا للمؤتمر الصهيوني الذي عقد في مدينة بال في سويسرا 1897م/1315هـ، والذي وضع الأسس ونظم جهود يهود العالم لإقامة السرطان الصهيوني في جسم الأمة العربية فيما بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى