مقالات

حين اقتحم جمال عبد الناصر عوالم العروبة

|صفوان قدسي

قلة قليلة من مفكرينا انتبهت إلى حقيقة ما كان ينبغي لها أن تغيب عن أحد. هذه الحقيقة هي أن مصر من الدول العربية القليلة التي لا حدود لها مع غير العرب. أو قل، الدولة الكبيرة الوحيدة، لأن لبنان وتونس دول صغيرة المساحة ولا تمثل إلا أجزاء من وحدات حقيقية أكبر. فهذا العمق الجغرافي لم يمنح مصر الأمن والسلامة الاستراتيجية فحسب،
بل جعلها طوال التاريخ تتعامل وتتفاعل مع عرب وعروبة بعكس أطراف الوطن العربي نفسه حيث تعرضت للمؤثرات الأجنبية
المتاخمة.
وبعض من أطراف العروب تعرف ملامح خلط ثقافي وحضاري بل وجنسي خطير. ولكن، من كل هذا ومثله، نجت مصر بحكم أنها دائما جزيرة عربية يحيط بها العرب من كل الجهات.

(2)
وقد وقعت ذات يوم على نص لعالم الجغرافيا السياسية الأول في الوطن العربي، هو جمال حمدان، مثير للانتباه حقا. فهو يقول إنه من ناحية المسافة الجغرافية البحتة، نجد أن مصر بموقعها الأوسط، وبمساحتها وحدودها المعروفة، قريبة بالفعل من الرقعة  الكبرى في الوطن العربي.بل إن بعض البلدان العربية- وهنا بيت القصيد- ، أقرب مسافة إلى مصر منها إلى بعضها البعض.

(3)
وقد راجت أضاليل كثيرة غزت بعض المثقفين في  المشرق العربي، وكادت تصبح من المسلمات حتى بين البعض منا.
والواقع أن هناك سوء فهم بقدر ما هناك من مغالطة في هذا الصدد. فأولا ينبغي أن نفرق بين الاتجاه الحقيقي للشعب، والمصالح العابرة للرجعية الحاكمة. ثم لابد من أن ننتبه إلى الواقع الاستعماري المفروض.

(4)
حقائق التاريخ والجغرافيا سوف يكون لها شأنها دائما في رسم تضاريس أي مشهد سياسي.
وحين يقع شيء من التعارض بين هذه الحقائق التي هي من حقائق الطبيعة البشرية والجغرافية، وبين أي مشهد سياسي، فما ذلك إلا وضع عابر ومؤقت، قد يطول به الزمن وقد يقصر، لكنه في النهاية محكوم عليه بأن تلحق به الهزيمة الكاملة أمام حقائق الطبيعة ذاتها.
هذه المحاولات المحمومة لجعل مصر تتنكر لعروبتها ولانتمائها القومي، محكوم عليها، في نهاية المطاف، بأن تهزم أمام وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا. وهذا الكلام ليس من قبيل التعبير عن رغبة مضمرة في أن تعود مصر إلى أمتها العربية، وإنما هو من قبيل تحصيل الحاصل.

(5)
ولعل القيمة الكبرى لثورة جمال عبد الناصر هي أن قائدها أدرك هذه الحقائق مجتمعة، فكان ذاك الذي كان من اقتحامه عوالم العروبة المحكومة بسلاطين الحاكمين بأمرهم، وتلكم مسألة أخرى سوف يتسع الكلام عليها لاحقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى