مقالات

لمصر لا لعبد الفتاح السيسي

| عبد المنعم علي عيسى

من الصعب على المتابع أن يقرأ السياسة المصرية الراهنة في عمقها، ولو أسبغ عليها ميكيافيلية مفرطة أيضا، فالقاهرة تبدو منكفئة عن شرقها الحيوي، في سورية وفلسطين، والذي مثّل عبر التاريخ مداخل الأمن والاستقرار أو رياح التغيير العاصفة إليها.

من الشام جاءت المسيحية، وكذلك الإسلام ومعه اللغة العربية، وفي كل المرات التي كانت دمشق (تسقط) فيها، كانت القاهرة هي التالية، فإثر سقوط الشام على يد الرومان سنة 64 قبل الميلاد، لم تصمد القاهرة لأكثر من ثلاثة عقود لتسقط العام 31 قبل الميلاد. وعندما فتح المسلمون الشام 634، فتحت القاهرة على أيديهم في العام 636، وبعد عام من سقوط دمشق على يد العثمانيين سنة1516، سقطت القاهرة، على حين أن هذه الأخيرة لم تصمد لأكثر من 29 يوما بعد سقوط دمشق بيد الحلفاء في تشرين الثاني 1918.

صحيح أن مصر كانت في عهود تمتعها بدور قوي وحيوي، كما في عهد محمد علي باشا ما بين 1815– 1840 أو عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ما بين 1952– 1970، تمددت إلى ما وراء البحر الأحمر، إلا أن ذلك، مرة ثانية، لم يكن إلا في مراحل القوة وحيوية الدور.

مصر دولة دور وليست دولة موارد، والجغرافيا السياسية المصرية تلعب دورا ضاغطا على غرف صناعة القرار السياسي، فتدفعه نحو الخروج من القمقم، أو أقله عدم الانكفاء للداخل، وتلك حالة بالتأكيد تفترض التلاقي مع البوابات التي تأتي، أو تعصف، بالأمن والاستقرار، وهذه الضغوط تصل إلى أضعافها في حالات الخطر، فكيف الأمر إذا ما كانت المخاضات التي تمر بها المنطقة حاليا هي الأهم منذ العام 1516، وهي لن تفضي قياسا على حجم التدخل وسعاره، إلا إلى نسف سايكس بيكو 1916 إن استطاع المحاولون إلى ذلك سبيلا، على الرغم من أن هذه الأخيرة قد أثبتت قوتها وصمودها تجاه محاولات القفز فوقها، بدليل أن جميع المحاولات قد باءت بالفشل على امتداد قرن كامل

في كل مرة غابت فيها دمشق عن أي تنسيق أو تكامل يمكن أن ينشأ بين القاهرة والرياض، كانت الأخيرة تمارس دورا تخريبيا كارثيا مسعورا، كما في حالة الانفصال في 28 أيلول عام 1961، أو في حالة التحريض على حرب حزيران عام 1967.

ما تغامر به القاهرة اليوم، هو الدور الإقليمي المصري برمته، أو إفقاده لمقومات القوة والحضور على أبعد تقدير، الأمر الذي لم نشهده منذ تموز العام 1952، وحتى في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بين عامي1981 – 2011، وعلى الرغم مما انتابه من وهن وضعف، إلا أنه لم يصل بمصر إلى الدرك الذي نراه فيها الآن.

تقول التقارير إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان رافضا لحضور قمة الرياض في 22 أيار، وهو لم يحضرها إلا بطلب قوي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قيل إنه أنهى مكالمته مع الرئيس المصري بكلمة (ستأتي) قبل أن يغلق سماعة الهاتف، والرفض هنا له دواعيه أو موجباته العديدة، فالحضور المصري بشخص الرئيس، سيعني بالضرورة انصياعا مصريا لزعامة سعودية وبدرجة لا تحتملها التركيبة المصرية، أو هي ستكون بمنزلة المفجر أو الشرارة لكتلة البارود التي تمثلها الحالة المعيشية في الشارع المصري. ومن الواضح أن الرياض تتلاعب بدقة متقنة مع هذه الأخيرة، فلا دعمها يمكن أن يشكل دواء لأمراض الاقتصاد المصري المزمنة، ولا هو يترك هذا الأخير لكي يصل إلى حالة الانهيار، وصولا إلى انهيار النظام القائم، الأمر الذي لا يشكل مصلحة سعودية انطلاقا من أن هذا الوليد الأخير كان قد جاء على يد القابلة السعودية بالتأكيد، وإن كان ليس مفروضا عليه الإنصات للصوت الذي سمعه لأول مرة حتى مماته.

حضر السيسي ظلا، وهو لم يكن قادرا على أن يمارس شراكة في رسم ما يجري، فمجرد الحضور الجسدي كان يعني نزعا لمخالب القائم بالفعل، ولذا فقد سارت الأمور في منحيين مهمين خطرين: الأول نحو شطب 69 سنة من تاريخ المنطقة وإلغائها من الذاكرة الجماعية لشعوبها، والثاني نحو حشد الطاقات للصراع مع إيران، وكلا المنحيين يشكلان انقلابا جذريا في توجهات الشعوب والمنطقة، ولما كان أي انقلاب بحاجة إلى دوافع وموجبات، وكذلك إلى آليات، ولأن جميع هذه الأخيرة غير موجودة، فلذا لابد من خلقها، لأن التغيير في الحالة الراهنة يحتاج إلى رياح عاصفة تحمله فتنسف البنى الفكرية السائدة، وصولا نحو عاصفة ثقافية تطال الشارع بالدرجة الأولى، لكي ترسخ الحالة ولا يعود الخطر قائما بتغييرها إذا ما تغيرت الأنظمة. ومن تابع التغطية الإعلامية للإعلام السعودي أو من يلف لفه، وتحديدا قناة العربية، التي أعقبت صدور البيان القطري، الذي لا يزال إشكاليا حتى اللحظة، سوف يلحظ أن هناك غرفة عمليات إعلامية مصرية جاهزة لأي طارئ، فالبيان السابق الذكر أعلن عنه الساعة12.30 من فجر يوم 24 أيار، وعلى الفور انطلقت الحناجر المصرية لتشن حربا مضادة. وفي الساعة الأولى من التغطية، استطاعت إحدى القنوات المصرية في هذه الساعة المتأخرة، أن تحظى بـ 9 حناجر مصرية كانت جاهزة كما يبدو كسهام في جعبة تنتظر وضعها على القوس لكي تسير نحو هدفها، على حين لم يكن هناك سوى حنجرة سعودية واحدة بدت هزيلة، ولربما وضعت حرجا من النكهة المصرية التي طغت على غرفة العمليات السابقة الذكر. وهذا الزخم بالتأكيد، مؤشر كبير على أن هناك حالة جاهزية مصرية قصوى منخرطة في المخطط الذي رسمته قمة الرياض، والكارثة أنه في جزء كبير منه، لا يتلاقى مع المصالح المصرية لا على المستوى الشعبي ولا القيادي، فالتلاقي ربما ينحصر فقط في الموقف من الإخوان المسلمين انطلاقا من أن الرياض لا تريد لأحد أن ينازعها زعامتها الإسلامية، فيما ترى القاهرة فيهم منغصا أمنيا خطيرا، وخصوصا إذا ما حظي هذا الأخير بدعم خارجي.

لا يملك تحالف الرياض مقومات النجاح لأداء المهام المنوطة به، ولوحظ غياب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن القمة الذي أرسل وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو، وللأمر اعتباراته المهمة، وفي العرف السياسي فإن غياب أردوغان ولو كان جسديا، يعني عدم اعترافه بالزعامة السعودية، والشواهد على ذلك كثيرة، لربما في الذروة منها، حال التناقضات القائمة بين مصر والسعودية أو بين الإمارات وهذه الأخيرة، في اليمن، أو صراعها هي أيضا مع الأردن الذي بدا في خلال القمة، وكأنه وعاء قد احتقن حتى لم تعد موجوداته تستطيع البقاء فيه، ومن الممكن حصر العديد من التناقضات التي إن لم تكن قائمة راهنا، فهي قابلة في كل لحظة لكي تصبح واقعا لابد من التعاطي معه، كحال العلاقة السعودية الكويتية التي يصيبها الخلاف الحدودي والذي يتضمن خلافا حول حقول النفط، بشرخ عميق، وإن بدا هذا الأخير في مراحل معينة وكأنه قابل للالتئام إلا أن الوقائع تقول عكس ذلك.

ولربما يبرز هنا السؤال الأهم: لماذا حشدت واشنطن كل تلك الحشود إذا ما كانت تلك التناقضات هي الحاكمة للعلاقات القائمة بين أطراف ذلك الحشد؟. وفي الإجابة يمكن أن نقول: إن أي مشروع أمريكي، أو عالمي، لا يمكن له النجاح من دون أذرع أو أجنحة إقليمية تتولى نقل المهام الموكلة إليها من صيغتها الدولية إلى صيغة توافقية تأخذ بعين الاعتبار الحيثيات التي قد لا تطالها الحالة الأولى، ولذا لابد من إيجاد تلك الأذرع أو الأجنحة بغض النظر عن إمكان نجاحها أو فشلها. فالغرب، مثلا، أنشأ حلف بغداد عام 1955 والذي كانت دواخله تعيش حالة تناقض، لربما تفوق نظيرتها في حلف الرياض الراهن، وفي الذروة منها كانت محاولة إخراج العراق من محيطه للعب دور رأس حربة في جناح شرق أوسطي لحلف الناتو، وهو ما لم يكن للتركيبة العراقية أن تحتمله طويلا، إلا أن كم التناقضات القائم آنذاك، لم يكن مبررا كافيا لعدم المحاولة، فالفراغ الإقليمي أمر غير مسموح في الأجندة الدولية، ومن المفارقات أن مصر اليوم، هي بديل العراق في حلف بغداد، ولربما تزداد الأمور خطورة بتوسيع ثقوب الشبكة لكي تصبح قادرة على إدخال الإخطبوط الإسرائيلي، وتلك مهمة من الصعب أن تحققها دولة أخرى غير مصر.

في مقابل كل ذلك تقوم الشام بقرع ناقوس الخطر شأنها في ذلك في جميع المراحل السابقة، فيما رهاناتها ستظل على مكنونات التاريخ والثقافة والحضارة المصرية، والتي لابد لها أن تلقي بأي محاولة للخروج عليها خارجا في سياق آخر، هو بالتأكيد غير السياق الذي ينسجم معها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى