مقالات

من (فلسفة الثورة)

الاستعمار هو القوة الكبرى التي تفرض على المنطقة كلها حصارا قاتلا غير مرئي، أقسى مائة مرة من الحصار الذي كان يحيط بخنادقنا في (الفالوجة) وبجيوشنا جميعا وبحكوماتنا في العواصم التي كنا نتلقى منها الأوامر.

ولقد بدأت بعد أن استقرت كل هذه الحقائق في نفسي، أؤمن بكفاح واحد مشترك، وأقول لنفسي:

(ما دامت المنطقة واحدة، وأحوالها واحدة، ومشاكلها واحدة، ومستقبلها واحدا، والعدو واحدا مهما حاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة، فلماذا تتشتت جهودنا؟).

ثم زادتني تجربة ما بعد ثورة يوليو/تموز إيمانا بهذا الكفاح الواحد وضرورته.

فقد بدأت خبايا الصورة تتكشف، والظلام الذي كان يحيط بتفاصيلها ينقشع.

وأعترف أني كذلك بدأت أرى العقبات الكبرى التي تسد الطريق إلى الكفاح الواحد، ولكني بدأت أؤمن بأن هذه العقبات نفسها ينبغي أن تزول، لأنها من صنع ذلك العدو الواحد نفسه.

ولقد بدأت أخيرا في اتصالات سياسية من أجل توحيد الكفاح مهما كانت وسيلته، وخرجت بعد شهر من هذه الاتصالات بنتيجة هامة، هي أن العقبة الأولى في طريقنا هي (الشك)، وكان واضحا أن بذور الشك قد بذرها في نفوسنا ذلك العدو الواحد نفسه، لكي يحول بيننا وبين الكفاح الواحد!.

وأذكر أني جلست في الأيام الأخيرة أتحدث مع أخ من ساسة العرب، وكان معنا زميل له، وبدأت أتكلم، وبدأ هو يرد على الذي أقوله.

وكان يقول العبارة ثم يلتفت إلى زميله ليرى أثر الذي يقوله في وجهه، بدل أن يحاول استكشاف أثره فيَّ أنا.

وبدأت أقول له: (تغـلَّب على كل ما في نفسك من شكوك، وقل لي كل ما في قلبك، وانظر إليّ وفي عينيّ ولا تدر وجهك!).

ولست أريد بذلك أن أهون من أمر العقبات التي تحول بيننا وبين توحيد الكفاح، فلا شك أن بعضها معقد تمتد أصوله إلى طبيعة البيئة وظروف شعوبها التاريخية والجغرافية، ولكن المؤكد أنه يمكن مع شيء من المرونة القائمة على بعد النظر، لا على التفريط، إيجاد الخط الذي يستطيع الجميع أن يقفوا فيه، بلا تحرج، وبلا عنت، لمواجهة الكفاح الواحد.

ولست أشك دقيقة أن كفاحنا الواحد يمكن أن يعود علينا وعلى شعوبنا بكل الذي نريده لها ونتمناه.

ولسوف أظل دائما أقول إننا أقوياء ولكن الكارثة الكبرى أننا لا ندرك مدى قوتنا!.

إننا نخطئ في تعريف القوة، فليست القوة أن تصرخ بصوت عال، إنما القوة أن تتصرف إيجابيا بكل ما تملك من مقوماتها.

وحين أحاول أن أحلل عناصر قوتنا، لا أجد مفرا من أن أضع مصادر بارزة من مصادرها يجب أن تكون أول ما يدخل في الحساب.

أول هذه المصادر، أننا مجموعة من الشعوب المتجاورة، المترابطة، بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب، وأن لشعوبنا خصائص ومقومات وحضارة انبعثت في جوها الأديان السماوية المقدسة الثلاثة، ولا يمكن قط إغفالها في محاولة بناء عالم مستقر يسوده السلام.

هذا هو المصدر الأول.

أما المصدر الثاني، فهو أرضنا نفسها ومكانها على خريطة العالم، ذلك الموقع الاستراتيجي الهام الذي يعتبر بحق ملتقى طرق العالم، ومعبر تجارته، وممر جيوشه.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى