مقالات

من محاضر اجتماعات جمال عبد الناصر

| الياس سحاب

هناك نوع من الكتب يعرفه القارئ جيدا، يشبه الفخ، ما أن يقع القارئ في الصفحة الأولى منه، حتى لا يستطيع فكاكا إلا وقد انتهى من الكلمة الأخيرة في الصفحة الأخيرة. وهناك نوع آخر من الكتب التي يصعب تقديم فكرة واضحة وكاملة عنها بمجرد الحديث عنها، أو كتابة مراجعة لها، فلا يتم الاطلاع الحقيقي عليها إلا بمطالعتها مطالعة كاملة. وكتاب (محاضر اجتماعات عبد الناصر العربية والدولية 1967/1970) لعبد المجيد فريد، ينتمي إلى هذين النوعين من الكتب في آن.

فأما انتماؤه للنوع الأول، فلأنه يتحدث عن جانب من جوانب فترة من التاريخ العربي المعاصر، تجمع بين الحد الأقصى من الأهمية والحد الأقصى من المعلومات المجهولة، هي فترة النكسة وما سبقها وما تلاها، وقد اختار صاحب الكتاب زاوية محددة يساهم منها في إلقاء الضوء على هذه الفترة. هي تصرفات جمال عبد الناصر، مصريا وعربيا ودوليا، للرد على الواقع المرير الذي كشفت عنه وخلفته نكسة 1967.

وأما انتماؤه للنوع الثاني من الكتب، فلأن الكتاب ليس في حقيقته تأليفا لأفكار وتحليلات، بل هو نمط من أنماط الكتب الوثائقية، يقدم فيها واضع الكتاب شهادات شبه حرفية عن أحداث هامة كان قريبا منها، مع الحد الأدنى من الشرح الذي يمزج موضوعية الشاهد وموقفه، وإن كان عبد المجيد فريد قد اجتهد في أن يكون موقفه أقرب إلى الإيماء والإيحاء منه إلى اقتحام سطور الكتاب بشكل مباشر وفج.

والحقيقة أن صدور هذا الكتاب يسد ثغرة صغيرة بقدر ما يكشف عن ثغرة أكبر بكثير. فمن أي زاوية نظرنا إلى المرحلة الناصرية في التاريخ العربي المعاصر (سواء في ذلك الزاوية القومية أو السياسية أو التاريخية أو الأكاديمية العامة أو غيرها)، فإن هناك إجماعا موضوعيا- من الأعداء والأصدقاء والمحايدين- على أنها أخصب مراحل التاريخ المعاصر بالنسبة للعرب وبالنسبة للعالم الثالث ولمجوعة عدم الانحياز. وهذا الإجماع يقترن بإجماع آخر مشابه عن ضخامة دور قيادة جمال عبد الناصر في هذه المرحلة بالذات. ومع ذلك، فإننا نجد أن المراجع الموثوقة أو شبه الموثوقة أو المعقولة عن تلك الفترة متوافرة باللغات الأجنبية، أكثر بكثير من توافرها باللغة العربية.

فإذا استثنينا نصوص الوثائق الفكرية الأساسية (فلسفة الثورة، ميثاق العمل الوطني، بيان 30مارس) ونصوص الخطابات العلنية لعبد الناصر، ونصوص محاضر محادثات الوحدة الثلاثية (1963)، فإننا لا نجد أمامنا سوى الكتب العديدة التي وضعها الصحفي الشهير الذي كان قريبا من عبد الناصر طوال فترة حكمه، محمد حسنين هيكل.

ومع تمتع بعض هذه الكتب بقيمة وثائقية وتحليلية لا يستهان بها، فإنها- في معظمها- قد وقعت في فخ الذاتية المتشعبة الأهداف والدوافع. فبعض الكتب يقصد منه الهجوم الذاتي، وبعضها يقصد منه الدفاع الذاتي، وبعضها يلون شخصية عبد الناصر ومرحلته كلها بالفلسفة السياسية للكاتب تلوينا قسريا مكشوفا (خاصة الكتاب الأول: عبد الناصر والعالم).

كل ذلك لا ينفي ما لهذه الكتب من قيمة نسبية، ولكنه يكشف عن الحاجة الماسة لنوع آخر من هذه الكتب. وقيمة كتاب عبد المجيد فريد أنه يدشن مرحلة صدور نوع آخر من هذه الكتب.

يتألف الكتاب من أحد عشر فصلا، الفصلان الأولان مخصصان للعلاقات مع السوفييت، ثم تتناول الفصول الأخرى نشاطات عبد الناصر العربية من خلال المقابلات الثنائية ومؤتمرات القمة (من مؤتمر الخرطوم الذي عقب النكسة مباشرة، حتى مؤتمر المقاومة الفلسطينية الذي انتهى برحيل عبد الناصر). وخطط عبد الناصر الاستراتيجية والتكتيكية لإدارة الصراع مع إسرائيل (بما في ذلك فصل واف عن مشروع روجرز الشهير وآخر عن حرب الاستنزاف)، ومعركة عبد الناصر مع أمريكا وفصل أخير عن توجه عبد الناصر الداخلي نحو التغيير الجذري في أعقاب النكسة.

بإمكان القارئ بعد الانتهاء من القراءة المتأنية الحقة لهذه الفصول أن يكون ملامح وافية عن شخصية عبد الناصر وفكره وأسلوبه في العمل في سنوات حكمه الأخيرة. من هذه الملامح عبد الناصر– على عكس ما ورد ويرد في بعض التحليلات- لم يفقد صلابته كثائر يظل التغيير في العمق والصمود أمام التحديات الكبرى معياره الأول والأخير في الحكم. ومنها أيضا نضوج عبد الناصر كرجل دولة، بل ونضوجه كزعيم للأمة العربية. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي الأجدر بالتوقف عندها في هذه المراجعة السريعة للكتاب.

إن بالإمكان طبعا- لمن يهمه الأمر- اقتطاف عبارات معينة من لقاءات عبد الناصر بالملك حسين والملك فيصل، ليثبت بهذه الجمل أن عبد الناصر بعد 1967 هو غير عبد الناصر قبل 1967، وأنه تحول من ثائر إلى مجرد رجل دولة، تخلى عن كل طموحاته بالتغيير الثوري واستسلم لألاعيب الواقع السياسي بغير خطة استراتيجية أو هدف استراتيجي.

هذا ممكن طبعا، باقتطاف بعض العبارات من سياقها، ولكنه يدخل في باب المعارك السياسية، ولا يدخل أبدا في باب التأريخ الموضوعي. ذلك أن قراءة متعمقة للكتاب ككل، تؤكد بغير شك أن موقف عبد الناصر المبدئي من الشعارات والأهداف التي رفعها كطريق للتغيير الاجتماعي والسياسي العميق في الوطن العربي، وكأسلوب في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لم تتغير قيد أنملة، وإنما أساليب المواجهة هي التي تنوعت (ولا أقول تبدلت لأنها أقل دقة).

موقف عبد الناصر من حتمية الحل الاشتراكي على الصعيد الاجتماعي، ومن حتمية الوحدة العربية، ومن عروبة فلسطين، ومن التحالف الأمريكي- الإسرائيلي، وتقييمه للدور الحقيقي لأمريكا، عالميا وعربيا، ومن احتمالات وآفاق التحالف مع المعسكر الاشتراكي، كل هذه القوانين في استراتيجية عبد الناصر لم تزدها هزيمة 1967 إلا تعمقا وترسخا وتبلورا.

الشيء الجديد الذي يلاحظه المحلل الموضوعي في الصورة العامة للوثائق التي يعرضها الكتاب، هو أن عبد الناصر قد أصبح بعد النكسة يدرك بوضوح تام أنه زعيم الأمة العربية بالمعنى الجماهيري للكلمة، ولكنه ليس كذلك دستوريا. من هنا أصبح بعد 1967 يمارس مسؤوليته السياسية العربية (ببعدها القومي) بأسلوب أكثر تنوعا من أسلوب ما قبل 1967. إن الملامح الأولية لهذا الأسلوب (كما يمكن جمع خيوطها من الكتاب)، هي اعتبار مصر القوة العربية الأساسية. لذلك فالنقطة المركزية في الأسلوب والخطة هي تدعيم قوة مصر العسكرية وتماسكها الداخلي (اجتماعيا)، ثم محاولة استخراج ما يمكن استخراجه من الأوضاع العربية التفافا حول هذه النقطة المركزية، من غير أن يمس ذلك التحليل الأساسي للنفوذ الاستعماري في المنطقة، وامتداداته المحلية.

نقطة أخرى جديرة بالتوقف عندها في هذه المراجعة السريعة للكتاب، هي موقف عبد الناصر الحقيقي من الديمقراطية. هذه النقطة يمر عليها الكتاب مرورا هاما ومركزا في موقعين:

الأول عندما يحلل واضع الكتاب مشاعر وأفكار عبد الناصر خلال التحضير لمؤتمر الخرطوم الذي عقد عقب النكسة مباشرة. يقول عبد المجيد فريد في الصفحتين 87 و88 ما معناه إن أشد ما كان يخشاه عبد الناصر فيما لو ذهب إلى الخرطوم، هو التعرض لسماع شعارات معادية من الجماهير، وأنه أعاد النظر في موقفه لعدة اعتبارات، منها أنه يحسن به- على كل حال- الاستماع مباشرة إلى حكم الجماهير مهما كان.

وإذا كان هذا النص يكشف عن الأفكار الدفينة، فإن الفصل الأخير من الكتاب (وهو في رأيي أهم الفصول وأعمقها وأكثرها طرقا لجوانب غير معروفة تماما من شخصية عبد الناصر وفكره)، يكشف عن خطوات عملية كان عبد الناصر يفكر بها وهو في صميم الانشغال بالرد على الهزيمة العسكرية. ففي الفصل الحادي عشر (صفحة 283- 306) وقائع إحدى أخطر جلسات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، التي ألغى فيها عبد الناصر جدول الأعمال، وخصص الاجتماع لإعادة النظر في النظام من أساسه. في هذا الاجتماع سمى عبد الناصر نظامه بـ(النظام القديم)، الذي انتهى في حزيران 1967، ولا بد من قيام نظام جديد مكانه. كما وصف النظام القديم في أكثر من موقع بأنه (نظام مغلق).

في هذه الجلسة كبر هم الديمقراطية عند عبد الناصر، لدرجة اقتراح إجراء تغيير جذري في النظام يسمح بظهور القوى المعارضة الحقيقية، ويرفض قيام معارضة شكلية لمجرد امتصاص النقمة. ومن غرائب هذه الجلسة أن عبد الناصر رفض اقتراحا بإقامة معارضة داخل الاتحاد الاشتراكي ووصفها بالمسرحية المكشوفة. وظهور أنور السادات كأقوى معترض على اتجاه المجتمع المفتوح تحت شعارين: الثقة المطلقة بشخص جمال عبد الناصر، والخوف من تحول المجتمع المفتوح إلى إتاحة الفرصة أمام (الكلاب الذين يريدون نهش النظام).

كتاب عبد المجيد فريد، يفتح الشهية أكثر مما يشبع، لأنه يلمس أطراف مواضيع عديدة، بالغة الأهمية والخطورة، وينتقل إلى غيرها قبل أن يشبعها إشباعا وافيا. فبعض محاضر الاجتماعات مبتورة بشكل واضح، كما أن اجتماعات كثيرة غابت عن الكتاب، ولا شك في أن لذلك أسبابا كثيرة منها رغبة المؤلف- ربما- في إعطاء فكرة عامة عن تلك المرحلة الختامية من حياة عبد الناصر، أكثر من رغبته بتقييم كتاب وثائقي بالمعنى الكامل للكلمة.

وعلى أية حال، فهذا الكتاب (سواء بالنسبة للمؤلف أو لدار النشر) ليس الأول والأخير في موضوعه، ولعل اختيار (مؤسسة الأبحاث العربية) لهذا الكتاب كباكورة لإنتاجها، دليل على اتجاه ومؤشر على خطة. لذلك نتمنى أن يتم استدراك نواقص الكتاب الأول في الكتب التالية، وأهمها الانتقال من أسلوب العرض العام للأفكار العامة، إلى تخصيص كل كتاب إما لموضوع معين أو لفترة معينة، بحيث تكون التغطية أكثر دقة ومنهجية، وبالتالي أكثر فائدة وأكثر قدرة على اكتساب ثقة القارئ، سواء كانت أغراضه المطالعة العامة، أو البحث عن الحقائق، أو الهم الأكاديمي بتجميع وثائق فترة من تاريخنا المعاصر معلومة جدا ومجهولة جدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى