أبحاث ودراسات

23 يوليو/تموز وعروبة مصر

| د. صابر فلحوط

(1)

كان العصف السياسي والاجتماعي في ذروته على مستوى الأمة العربية كما كانت النكبة الفلسطينية تتقلب على جمرها المتفجر في النفوس وعلى الأرض، وقد كان معظم الدول العربية يباشر لملمة حصاد جهاده وتضحياته التي حققت الجلاء الناجز، والاستقلال العزيز، وفي الوقت ذاته كانت أضمومة من الدول العربية تضمد جراحها على عجل إثر النكبة الفلسطينية والحرب العربية الصهيونية الأولى. وعبر هذه الأجواء المدلهمة ولدت ثورة (23 يوليو/تموز ) في مصر، لتقول للدنيا كلها: إن العروبة تستعصي على الجمود والركود والعناء، وإنها كالسنديان في صلابته واخضراره وديمومته، وكان قائد هذه الثورة وفارسها وحارسها بقلبه وعصبه، الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، الذي أعطى جزءا من دمه في شبابه لتراب فلسطين المقدس خلال معارك الفلوجة، ثم أعطى البقية الباقية من دمه دفاعا عن الثورة الفلسطينية ومقاومتها حماية لها من أنياب أيلول الأسود- وملوك الطوائف- وأمراء ومشيخات النفط والقحط الذين بدأت مؤامرتهم مبكرة على فلسطين يوم كان أحد هؤلاء الملوك يقود جيوش التحرير في 15/5/1948 صباحا على أضواء عدسات التصوير، ويقضي الليل في السهرات الحمراء مع بن غوريون وغولدا مائير. وكان هؤلاء الملوك أنفسهم يتابعون المؤامرة عبر وضع عمائمهم، وعباءاتهم ولحاهم تحت أقدام التطبيع مع العدو الصهيوني الذي استباح المقدسات وأبرزها القدس وأقصاها.

لقد صححت ثورة يوليو/تموز وقائدها الخالد أخطاء التاريخ، حيث أعادت لمصر عروبتها الأصلية بعدما انتزعتها من براثن ملوكها المستوردين إبان الزمن الأسود لحكم أرض الكنانة منذ زمن كافور الأخشيدي، ضائع النسب، حتى بقايا أبناء المماليك وضائع الاستعمار التركي فاروق.

فقد بشرت ثورة يوليو/تموز بالوحدة مع سورية، ووجدت في حزبنا، حزب البعث العربي الاشتراكي، السند المتين والحليف الأكبر الذي ضحى بتنظيمه في سورية- كرمى- لعيون الوحدة هدف أهداف الحزب.

إن الإحاطة بإنجازات ثورة يوليو/تموز في ذكراها، وبمواقف قائدها الاستثنائي في مقال بجريدة يومية ضرب من المستحيل، إلا أننا نكتفي بعناوين بارزة كانت مصادر لقرائح الشعراء وإبداعهم في التاريخ المضيء لجماهيرنا القومية.

فها هو الشاعر الناسك والمتعبد في محراب العروبة، الشاعر القروي، يقول بعد اغتراب خمسين عاما  في البرازيل، مخاطبا قلبه بعد الوحدة:

حتام تحسبها أضغاث أحلام                    

                                      سبح لربك وانحر أنت في الشام

أنا العروبة في كل مملكة                     

                                     إنجيل حب ولي قرآن إنعام

ما اخضوضر الشرق إلا تحت أعلامي   

                                      وازهوهر الغرب إلا تحت أقدامي

بناصري وبأسواني فخرت إذا 

                                      باهى الدعي بفرعون وأهرام

أما الجواهري، متنبي العصر، فقد رأى في تأميم قناة السويس أبرز إنجازات الثورة حيث يقول:

وصنعت معجزة القناة ورعثهم                

                                       وسقتهم حمم الجحيم الماء

ولففت رأس الأفعوان بذيله  

                                       وقطعته وخطبتها بتراء

أما القولة المتوهجة للقائد الخالد والمتمثلة بـ (ارفع رأسك يا أخي) فقد ترجمتها دولة الثورة كرامة للمواطن ومساواة وعدالة بعد عصور الذل والعبودية والهوان خلال أزمنة القهر والقمع (والأسلحة التي تطلق للخلف في معارك تحرير فلسطين)!.

وقد كانت ثورة يوليو/تموز مؤلفة من مجموعة من الثورات في آن واحد.

ففي مجال الزراعة كان الإصلاح الزراعي الذي أعاد للفلاح المصري أرض آبائه وأجداده التي سرقها الإقطاع، كما سرق اللقمة من أفواه الأطفال الكادحين في مصر يوم كان الفلاح المصري عبدا للإقطاع في جنات وادي النيل، وقد أصبح الغلابة سادة أرضهم بفضل الثورة وقوانينها ومسارها الاجتماعي، وكان الجيش المصري حكرا على أبناء البشوات والملاكين فأمسى بعد الثورة ميدانا لأبناء الفقراء أصحاب المصلحة في انتصار الثورة وإعزاز الوطن.

أما معامل حلوان للصناعات المتعددة ولاسيما الحديد الصلب فقد ارتقت لتصبح الأولى في العالم والثالثة لإنتاج السلاح بأنواعه إضافة إلى السيارات والجرارات الزراعية وكل إفرازات الحديد في مجال البناء والتطوير.

أما صفقات السلاح في الاتحاد السوفيتي الصديق، فقد كانت الحدث الأبرز في برنامج ثورة يوليو/تموز، تنفيذا لشعار قائدها (نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا). كما كانت مصر جامعة واحدة لها فروعها، فأصبحت عائلة من الجامعات في معظم المدن الكبرى في مصر يتقدم المنتسبون إليها من أبناء الفلاحين والعمال وصغار الكسبة وجماهير الشعب العربي.

وقد أمسى السد العالي في أسوان، ومعركته الخاسرة مع الغرب الأمريكي، والرابحة مع الشرق السوفيتي، أنموذجا في التعاون الشريف والنضالي المتكافئ بين الدول، قد وطَّن السد ملايين الفلاحين ويسر العمل لآلاف المهنيين والصناعيين في مختلف حقول البناء الاجتماعي في مصر الثورة.

وعلى الصعيد القومي، حققت مصر المعجزة القومية بقيام الجمهورية العربية المتحدة التي وصفها قائدها بأنها (تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تشد أزر الصديق، ترد كيد العدوان، تنشر السلام والأمن والكرامة لها أو لغيرها، وللبشر جميعا). وقد برزت ثورة يوليو/تموز كحاملة لراية حركات التحرير من الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما أصبح، قائدها النجم الأسطع في حركة عدم الانحياز إلى جانب عمالقة تلك الفترة (تيتو- نهرو- شوإن لاي- أحمد سوكارنو).

وكان دور ثورة يوليو/تموز مفتاحيا في دعم ثورة الجزائر العملاقة، وتحرير اليمن من (إمامية) الظلام والتخلف.

ولعل أبرز استطلاعات الثورة إدراكها المبكر خطر الفكر الإرهابي التكفيري الرجعي المتمثل بـ (الإخوان المسلمين)، حيث لقنتهم الثورة ما يستحقون من دروس، ووضعتهم في الركن المعتم من المجتمع المصري طوال عهد القائد الخالد.

لقد كانت إشراقات قائد ثورة يوليو/تموز قراءات عبقرية في تاريخ السياسة المعاصرة، وجيلنا يذكر كيف لخص مشهد العمل القومي والصراع في المنطقة وفرز الأعداء عن الأصدقاء والحلفاء، يوم وصف دمشق بأنها قلب العروبة النابض، وأن جيشها البطل يستحق الإجلال والإكبار، وأن (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة). وكذلك يوم قال إن الرجعية النفطية عميلة الصهيونية غابرا وحاضرا، (وإن جزمة جندي عربي أشرف من كل تيجان ملوك النفط وأمرائه)، وتأكيده الدائم عدم التفريط بذرة واحدة من أرض مصر والتي هي (مثل القرآن لا ينقص حرف منه). وهنا لا بد من التذكير بما فرط السادات من حقوق شعبنا، يوم رهن النيل والأهرام وتراث عبد الناصر، وأمجاد شعبنا وعظمته لمشيئة هنري كيسنجر وأفخاخ كامب ديفيد التي يراد منها ذبح القضية المركزية والوحدة العربية من الوريد إلى الوريد؟!.

إن الغيوم الملبدة برذاذ النفط والحقد، الذي يشوش الرؤية مؤقتا بين بردى والنيل، لن نسمح لها أن تنال من رهاننا الكبير على شعب مصر العظيم، وجيشه البطل، وعروبته عميقة الجذور في تاريخ الأمة.

(2)

التاريخ قنديل خالد الضياء، يسير أمام الشعوب قيادات وقواعد، يشع بالعبر والدروس، ويمنح التفاؤل والعزم والحزم والإرادة والثقة بالحاضر والمستقبل، كذلك كانت ثورة يوليو/تموز 23 في أرض الكنانة، ثورة العروبة والوحدة التي قادها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر عام 1952، حيث صنعت المعجزات التي قهرت المستحيل، وتحالفت مع الخلود.

الأولى: إلغاء الملكية في مصر، بعد دهر من الاستبداد والفساد.

الثانية: تأميم قناة السويس واستعادة حق شعبنا في مصر.

الثالثة: التحالف التاريخي مع جماهير سورية العربية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حل تنظيمه في سورية عربونا للوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي.

الرابعة: إقامة السد العالي الذي وفر لشعبنا في مصر الرغيفين الأغليين في حياة الشعوب، رغيف الكرامة ورغيف الخبز، إضافة لتحقيق شعار عبد الناصر الأشهر(ارفع رأسك يا أخي).

وإذا كانت القاعدة السياسية (قل لي من هم أعداؤك أقل لك من أنت) فحسب ثورة 23 تموز وقائدها إن إخوان الشياطين وحراس الرجعية والتخلف قد حاولوا اغتيال قائد الثورة عدة مرات:

الأولى: غداة كان يلقي خطابه في ذكرى الثورة حيث أطلقوا النار عليه وعندما رأى بعض الحشود في المنشية قد ارتعشت أعصابها خوفا على قائدها قال كلمته المشهورة: (أيها الرجال اثبتوا في أماكنكم فإذا مات جمال فكلكم جمال) واستمر في إلقاء خطابه الذي ختمه بقوله: (ارفع رأسك يا أخي فلا إقطاع ولا استعمار ولا استعباد ولا رجعية بعد اليوم).

والمرة الثانية: – يوم دفع الملك السعوديملايين الدولارات رشوة لأحد مسؤولي الأمن السوري كي يتم قصف طائرة عبد الناصر وهي في الطريق من القاهرة إلى دمشق لتوقيع الوحدة عام 1958.

والمرة الثالثة: يوم استعانت إسرائيل وحشدت صانعيها وأجراءها عبر العدوان الثلاثي) إثر تأميم قناة السويس بهدف إجهاض الثورة والقضاء على قائدها.

وهنا لابد أن نشير إلى إنجاز ثورة- يوليو- الهام بالتوجه شرقا لشراء السلاح السوفييتي- من تشيكوسلوفاكيا- عبر الصفقة الشهيرة والتي كانت خميرة قتالية لأبطال العبور العظيم في حرب تشرين التي كادت تحرر الأرض وفلسطين كاملة لولا خيانة- السادات- غداة سلّم مصر ونيلها وأهرامها وتراث ناصرها إلى عزيزه (هنري كيسنجر).

وما أشبه الليلة بالبارحة فكما واجه عبد الناصر إخوان الشياطين على طريقته من الحزم والحكمة والجسارة والعدل، فإن مصر اليوم تواجه الشيطان الأكبر وعملاءه في مصر بالقضاء في المحاكم وبالحديد والنار في سيناء.

وقد كانت ثورة يوليو/تموز جسر عبور وفاتحة طريق لاستقلال العديد من الدول، كما كانت الشرارة التي أشعلت الكثير من الثورات في القارات الثلاث (آسيا- وإفريقيا- وأمريكا اللاتينية) إضافة إلى الدعم الهائل لحركة عدم الانحياز التي كان أبرز قادتها (ناصر، تيتو، ونهرو، وسوكارنو) كما أن الثورة قطعت أعصاب العدو الصهيوني الذي هرع للارتماء في أحضان فرنسا لتقيم له المفاعل النووي في ديمونة.

كما نشبت في ظل- يوليو/تموز- ثورة الجزائر 1954-1964 كذلك كان استقلال الجزائر واستقلال السودان واعتراف اسبانيا باستقلال الريف المراكشي.

ولا يمكن لشعبنا أن ينسى استشراء العدوانات والأحلاف في المنطقة إثر ثورة- يوليو/تموز- بعدما أدرك العالم أن قيام الوحدة القومية بين سورية ومصر سيكون القاطرة للعمل العربي في الاتجاه الصحيح حيث قام حلف بغداد ومشروع أيزنهاور المسمى بالفراغ في الشرق الأوسط والاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن والإنزال البريطاني الفرنسي على شواطئ بورسعيد التي دخل صمودها التاريخ إلى جانب ستالينغراد في روسيا، وهنا لا يمكن للمناضلين نسيان الإنذار السوفييتي بتدمير لندن، وباريس، وتل أبيب، إذا لم يوقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1957.

إن شعبنا الذي يستذكر ثورة- يوليو/تموز وفارسها عبد الناصر فإنه يخوض حربه الوطنية العظمى على مدار اللحظة القتالية ضد الإرهاب التكفيري الوهابي الداعشي الذي يستهدف العروبة والوحدة وفلسطين، وحرية القرار العربي الذي قضى عبد الناصر والقائد الخالد حافظ الأسد وهما يمارسان الفعل النضالي من أجله.

إن الملايين في الشارع القومي التي تتلفت بقلوبها والعيون إلى بطولات جيشنا العقائدي وتضحياته ونهر شهدائه الهادر بالشهامة والبسالة والقيم ليتابع بألم واهتمام معاناة الجيش المصري شريكنا في ميدان الدم في تشرين وهو يعدد ويدفن شهداءه من العسكريين والمدنيين في سيناء والقاهرة والذين يقضون بسلاح إخوان الشياطين الذين يستهدفون تدمير العروبة والإجهاز على الإسلام الوسطي الصحيح والعادل الذي يعمر الأرض والنفوس والأخلاق والمثل.

كل تحايا الإجلال لشعبنا العظيم وقيادتنا الحكيمة وجيشنا العقائدي المفولذ العزائم والجبار البسالة، والعزة والرحمة لأرواح شهداء شعبنا وجيشنا والمقاومة الوطنية اللبنانية رفيقة الهم والدم والمصير.

وتحية الاحترام والتقدير لروح الزعيم القومي جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو/تموز في أرض الكنانة واثقين أن النصر لن يكون إلا لشعبنا العربي في تحقيق أهدافه القومية، واستعادة رسالته القومية الحضارية الخالدة مهما تعددت المعارك وارتفع منسوب نهر الفداء.

عن (البعث) السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى