مقالات

أزمة علم النفس المعاصر

| صفوان قدسي

الكتاب: أزمة علم النفس المعاصر
تأليف: جورج بوليتزر
ترجمة: لطفي فطيم
مراجعة وتقديم: د. مصطفى زيور
الناشر: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة

 

ما هو هذا الكتاب؟.

الكتاب عبارة عن دراستين للفيلسوف الماركسي الفرنسي جورج بوليتزر، سبق أن نشرتهما مجلة علم النفس العياني في عددين متتاليين عام 1929، وهما العددان الوحيدان اللذان صدرا من هذه المجلة. وقد قام عدد من أصدقاء المؤلف في عام 1947، بجمع هاتين الدراستين في كتاب صدر تحت عنوان (أزمة علم النفس المعاصر).

يتساءل الدكتور مصطفى زيور في معرض تقديمه للطبعة العربية من هذا الكتاب عن وجه الحاجة إلى ترجمة مقالين نشرا منذ نحو أربعين سنة، فضلا عن وجه الصواب في الاحتفاظ بالعنوان (أزمة علم النفس المعاصر). ويجيب (إننا نعتقد أن النقد الذي وجهه بولتيزر لعلم النفس الذي عاصره في أواخر العشرينات، لا يزال معظمه يصلح نقدا لعلم النفس في السبعينات). ويشير الدكتور زيور في هذه المقدمة إلى أن اسم بوليتزر ما زال حتى يومنا هذا اسما معروفا من قبل المهتمين بالفلسفة وعلم النفس والطب النفسي والتحليل النفسي. كما يشير إلى أن أكبر دار للنشر في فرنسا قامت عام 1967، بإصدار الطبعة الثانية من كتاب بوليتزر (نقد أسس علم النفس)، أي بعد أربعين عاما من صدور الطبعة الأولى (وهو أمر لا يظفر به إلا أمهات الكتب التي تبقى على مر السنين وتدخل في سجل الإنتاج الفكري الدائم).

سوف نقصر جهدنا في هذا الحيز الضيق على عرض الأفكار الأساسية التي تتضمنها الدراسة الأولى التي يشتمل عليها هذا الكتاب، وهي بعنوان: (علم النفس الأسطوري وعلم النفس العلمي).

يعرض بوليتزر في بداية هذه الدراسة، فكرته القائلة إن السيكولوجيا الجديدة وهي السيكولوجيا التي يقول عنها إنها السيكولوجيا المختلفة عن السيكولوجيا النابعة من محاولات نهاية القرن التاسع عشر، (هي اليوم حقيقة إذا لم تكن ثابتة ثبوتا فهي على الأقل أمل يرتجى). ويمهد بوليتزر لبحثه بقوله إن هذه الدراسة تبدأ من تأكيد عدم كفاية السيكولوجيا القديمة وشرعية أهداف السيكولوجيا الجديدة.

ويرى المؤلف أنه من أجل بناء أي علم، فإنه يلزم تحقيق أمرين:

– الإدراك الواضح لأسس هذا العلم.

– إزالة الأشكال الأسطورية وقبل العلمية التي تمر بها كل العلوم.

ونظرا إلى أن محاولات تأسيس سيكولوجيا جديدة قد نجحت في وضع كل شيء موضع تساؤل ما عدا فرض (الحياة الداخلية)، فإننا يجب أن نبدأ، كما يقول المؤلف، بتأكيد نقد المذهب القائل بالحياة الداخلية في أشكالها كافة. ويعتقد بوليتزر أن من الضروري تقويض الاتجاه القائم على (تركيز التفكير في أسس علم النفس حول عدد معين من القضايا والأبحاث هي بعينها لا تتغير، كما لو كان من المستحيل زحزحة مركز الثقل في علم النفس)، وهو يقول في هذا الصدد أن (المشكلة المطروحة بالنسبة لكل القضايا هي إحلال القرارات الجماعية محل القرارات الفردية أو الإقليمية، وإحلال المنهج محل التقاليد، والأفكار النابعة من العقل محل الأفكار المأثورة، وفي النهاية، خطة عقلية منطقية للعمل الجماعي بدلا من الآراء الفردية أو الإقليمية التي لا تعدو أن تكون محتملة فحسب).

ويلاحظ بوليتزر أن ظاهرة النقد رافقت تطور علم النفس، حتى ليبدو تاريخ علم النفس وكأنه سلسلة من النقد. وهذا النقد يبدأ من نقد الشكل لينتهي في بعض الأحيان إلى نقد الجوهر. وعلى سبيل المثال، فإن (فوندت) وأتباعه وجهوا نقدهم إلى شكل السيكولوجيا القديمة فحسب، من حيث أنها (تتحدث عن النفس وتمارس الاستبطان علنا، إلا أنهم لم يفكروا في نقد الجوهر، أي الخطوات التي أدت- في السيكولوجيا الفلسفية القديمة- إلى المقاصد الميتافيزيقية والاستبطانية). وكذلك الأمر بالنسبة لبرغسون الذي (شرع في نقد السيكولوجيا الكلاسيكية بشكل عام، ولكن لم يبحث استبعاد هذا الاتجاه الذي لا يعرف سوى المشاكل الوظيفية، وإن استبعد أساسها الميكانيكي فقط، وكل ما كان يريده في الواقع هو أن يعيد قول التعاليم الكلاسيكية بألفاظ دينامية).

والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة لـ(بختريف) الذي (لا يعيب على السيكولوجيا سوى وضع تعاليمها في لغة الاستبطان، وكل ما كان يريده هو إعادة صياغة نفس هذه التعاليم ونفس الطريقة في النظر إلى الإنسان بلغة الفعل المنعكس).

ويقرر بوليتزر أن السيكولوجيا التي بدا في وقت من الأوقات أنها انتظمت نهائيا في سلك العلوم، ما زالت في المرحلة قبل- العلمية. وهو يتحدث بشيء من الإسهاب عن (أنصار المهادنة) الذين يشيعون بأن كل ما توخت السيكولوجيا الجديدة تحقيقه والوصول إليه، قد حققته السيكولوجيا القديمة ووصلت إليه بالفعل، وينفون أن تكون ثمة هوة بين سيكولوجيا الأمي وسيكولوجيا اليوم. ويرى بوليتزر أن هذا الموقف الذي يتخذه أنصار المهادنة إنما هو بفعل موقف القائمين بالنقد الجديد أنفسهم، لأنهم وضعوا انتقادات يمكن التغلب عليها بسهولة.

وكما يقول المؤلف فإنه (لما وصلت المسألة إلى تحديد الإدانة، بدا أن هؤلاء السيكولوجيين يخافون من الدرع المدرسي للسيكولوجيا القديمة الذي انهالوا عليه نقدا).

ويقرر المؤلف أن الحركة الجديدة في علم النفس قد أخفقت في حفر هوة بين سيكولوجيا الأمس وسيكولوجيا اليوم، ويقول إن هناك من يرد هذا الإخفاق إلى سبب يعلن المؤلف أنه مرفوض من قبله، (إن الحركة الجديدة لم تفعل شيئا سوى تقديم بعض المطالب التي تستطيع سيكولوجيا الجيل الماضي أن تفي بها تماما). ذلك أن بوليتزر يعتقد أن (عجز السيكولوجيا الجديدة عن حفر هذه الهوة لا يعني كفاية السيكولوجيا القديمة في مواجهة المتطلبات الجديدة، بل يعني في الحقيقة عدم كفاية المحاولات المعاصرة). ويشير المؤلف إلى أن الإصلاح المطلوب ربما لا يتحقق إلا بقطع كل صلة بين السيكولوجيا القديمة والسيكولوجيا المراد إنشاؤها.

ويعترض المؤلف على محاولات نقل علم النفس إلى ميدان العلوم الفيزيائية ويعتبره خطا منهجيا يقضي على فهم الإنسان بما هو إنسان، فالكائنات الإنسانية ليست مجرد تراكيب فيزيائية- كيميائية، ولا هي مجرد لوحات تشريح. وهو يصف الحياة الإنسانية بأنها دراما، ليس بمعناها المأساوي، وإنما بمعناها كظاهرة، كمشهد، (إن خبراتنا اليومية تضعنا أولا وقبل كل شيء موضع الدراما، وما الأحداث التي تحدث لنا إلا أحداث درامية، ونحن نلعب هذا الدور أو ذاك، وأن النظرة التي نرى بها أنفسنا نظرة درامية. فنحن نعلم أننا قمنا بدور أو شاهدنا هذا أو ذاك في التصرفات أو المشاهد، ونحن نتذكر قيامنا برحلة أو رؤيتنا لأناس يتعاركون في الشارع، أو أننا ألقينا خطابا. ومقاصدنا أيضا درامية، فنحن نريد الزواج أو الذهاب إلى السينما، ونحن نفكر في ذواتنا بشكل درامي).

وخبرات الإنسان الدرامية خبرات غنية، وهي تشكل لديه نوعا من (الحكمة) التي هي تعميق لخبراتنا الدرامية المباشرة. غير أن هذه الخبرات الدرامية ليست علما، لأن فيها (كل نقائص التجريبية البدائية. فعملياتها غير منتظمة وتنقصها الدقة، وهي مليئة بالأحلام المسبقة الأخلاقية والاجتماعية. ويبدو أنها لم تحرز أي تقدم منذ قرون مما دعا إلى القول بأن الإنسان ظل كما هو). وكما هو واضح، فإن المطلوب هو الانتقال بهذه المعرفة التجريبية إلى مرحلة العلم الوضعي، وهذا ما تدعي السيكولوجيا أنها أنجزته.

ويلحظ المؤلف بأن السيكولوجيا القديمة تتحدث عن خبرات مختلفة عن الخبرة الدرامية، وكما يقول بوليتزر، فإنه من المستحيل أن نتعرف على أنفسنا فيما ترويه السيكولوجيا، لأنها ليست معطيات عن حوادث إنسانية. ويضرب المؤلف بعض الأمثلة الحية على ذلك. وهو يعتبر أن السيكولوجيا لم تفعل أكثر من إقامة طبيعة أخرى موازية للطبيعة، وفيزياء أخرى موازية للفيزياء. فإذا كانت الفيزياء تدرس الظواهر الطبيعية الكبرى: الحركة، الحرارة، الضوء، والكهرباء، فإن السيكولوجيا تدرس الظواهر الكبرى للطبيعة الروحية: الإدراك، الحس، الذاكرة، الإرادة، الذكاء.

وعدد المؤلف شكلين متعارضين للسيكولوجيا، أحدهما صادق والآخر بعيد كل البعد عن الصدق. الشكل الأول هو الدراسة المباشرة للدراما، والشكل الثاني هو الدراسة غير المباشرة للدراما. (الأول يدرس الدراما ذاتها عن طريق العمليات العادية للمعرفة العلمية بالإنسان، والآخر يدرس (نقلا) للدراما عن طريق عمليات هي- وفقا للهدف الأول الذي يحركها- ملائمة لدراسة نتائج هذا النقل. وفي ثناياها تندس بالصدفة عمليات دراسة الدراما ذاتها). ويرى المؤلف أن الشكل الأول ناتج عن دوافع ميتافيزيقية وليست عملية، في حين أنه في السيكولوجيا العلمية لا بد من العودة دائما إلى الدراما التي هي الخبرة السيكولوجية الحقيقية. غير أن المؤلف يميز بين سيكولوجيا أسطورية وسيكولوجيا قبل- علمية، وهذه السيكولوجيا قبل- علمية تشكل خطوة على طريق السيكولوجية العلمية المطلوب إنشاؤها.

كيف ننتقل بالسيكولوجيا من المرحلة قبل- العلمية إلى المرحلة العلمية؟. يجيب المؤلف عن هذا التساؤل بشرحه لمحاولات إدخال الدقة (الضبط) في السيكولوجيا، وكيف أن هذه المحاولات كانت تتوخى ليس إدخال الدقة على وجه العموم، وإنما دقة من نوع خاص. ويحدد المؤلف معنى الضبط بقوله (إن الضبط يتحدد بمدى مطابقة المعرفة للوقائع المدروسة، كل ما هنالك أن هذا التطابق ليس ميتافيزيقيا ولكنه تجريبي، أي أنه تطابق مع نوع الدقة الملائمة للموضوع). وهو يضرب على ذلك المثال الآتي: إن تأكيدات مثل كل شيء يتحرك، أو الطبيعة عدد لا نهائي، أو الطبيعة مسرح لصراع دائم بين قوى متضادة، هذه التأكيدات غير مطابقة لنوع الدقة الملائم لموضوعها. ومثلها في ذلك مثل الفكرة الشائعة: (إن القانون الشامل للحياة الاقتصادية هو الأنانية الإنسانية. فهي ليست خاظئة خطا مطلقا، ولكنها لا تصل إلى أشكال الحياة الاقتصادية في دقتها الميعنة، فهي ليست تقريرا تنبع عباراته من هذه الأشكال نفسها. وفي الحقيقة فإن الحياة الاقتصادية لا تبين لنا الأنانية بشكل عام وإنما مصالح طبقات. وعندما يصل الأمر إلى أنانية الطبقة، فهي لا تبينها في شكل عاطفة سيكولوجية، ولكن في شكل بنوك واحتكارات ودول. فالتوديك السابق لا يصبح قانونا اقتصاديا إلا إذا أصبح يطابق الأشكال الدقيقة الخاصة بالوقائع التي يتناولها).

ويلحظ المؤلف أن للدراما خاصتين رئيسيتين: أولاهما أن أحداث الدراما (فريدة متعينة في الزمان والمكان) والثانية هي أنه (لا يمكن فهم الدراما إلا بالرجوع إلى الأفراد المعينين، كل في وحدته الفريدة)، بحيث أن أية محاولة للنظر إلى الظاهرة السيكولوجية خارج حياة الفرد المعين، تدمر واقعية هذه الحياة.

وبمعنى آخر فإنه لكي (يمكن اعتبار حقيقة ما متعلقة بالسيكولوجيا يجب أن يكون لها علاقة بالدراما، يجب أن تعبر عن شيء ما لشخص ما) وهو يعترض على المدرسة الشكلية لأنها تستبعد الفردية من الظواهر الدرامية (فهي تستبعد المحتوى الخاص للحلم إذا تناولت الأحلام، ومحتوى الفكر والخصائص الهاهنا والآنية للأفعال ومغزاها الدرامي إذا تعلق الأمر بالأفعال). وهو يعترض أيضا على (الكيات) باعتبارها تهمل فردية الإنسان. كما يعترض على علم النفس العام الشائع الذي (لا يبدأ من الوقائع ليصل إلى المفاهيم والنظريات، بل العكس)، هذه سمة قبل علمية، أما السمة قبل علمية الثانية فهي أن (أبحاث علم النفس العام العادية هي أبحاث تتخبط على غير هدى، فليس لديها أية فكرة عن الخطة التي يجب أن تتبعها..). والسمة الثالثة قبل- العلمية، هي أن أبحاث علم النفس قاصرة عن بلوغ الوقائع المتعلقة بها بالدقة اللائقة.

ويحدد المؤلف الخطيئة الكبرى لما اصطلح على تسميته بالسيكولوجيا العلمية، التي هي في الحقيقة قبل- علمية كما يرى المؤلف، بأنها (تذهب أبعد مما ينبغي وأقل مما ينبغي معا. فهي تذهب بعيدا جدا في الإعداد لتجاربها، ولكنها لا تذهب بما فيه الكفاية فيما يتعلق بالأسلوب الذي تتصور به هذه التجارب).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى