مقالات

الماركسية لم تأتِ من الشرق

 

| د. بارعة القدسي

(1)
كنت ذات يوم عابرة سبيل بين فرنسا وألمانيا، من خلال جزء صغير من إمارة اللوكسمبورغ، مستخدمة السيارة

وسيلة للعبور. ولحسن الحظ فإني توقفت بطريق الصدفة في مدينة ليست كبيرة ولا صغيرة هي مدينة (ترير) على نحو ما يلفظها الألمان، و(ترييه) على نحو ما يلفظها الفرنسيون. وحين كنت أتجول في مركز المدينة، لفت انتباهي ما يشير إلى أن البيت الذي أمضى فيه كارل ماركس ردحا من حياته، يقع في مكان قريب من المكان الذي كنت فيه. فما كان مني إلا أن توجهت إلى حيث يشير السهم واللوحة، لأجد نفسي أمام بيت لم يكن يخطر لي على بال أنه البيت الذي يخص ماركس على وجه التحديد.

 

(2)
البيت متواضع
لكنه واسع، وموقعه من المدينة في حي تجاري، وفيه عدد من الغرف التي تحمل كل غرفة منها رقما يدل عليها، فيما عرفت في وقت لاحق أنه كان للرجل تسعة إخوة يقيمون معه في هذا البيت. ولست راغبة هنا في الاسترسال في الكلام على البيت الذي كان يقطنه، فالكلام في هذا الشأن لا تتسع له هذه المساحة الضيقة المتاح لي أن أكتب فيها، ذلك أن هناك مراجع عديدة يمكن العودة إليها من حيث وصف البيت وصفا مسهبا ودقيقا، وإنما رغبتي منصبة على فكرة بسيطة، لكنها ذات معانٍ ودلالات، هي أن سكان هذه المدينة يفخرون ويفاخرون بأن مدينتهم احتضنت مفكرا من طراز رفيع هو (كارل ماركس(، وكانت هي مسقط رأسه، قبل أن ينتقل من مدينة ألمانية إلى أخرى، ومن دولة أوروبية إلى أخرى، حيث استقر به المقام في نهاية المطاف في مدينة لندن التي أمضى فيها بقية حياته، ودفن فيها. وأكثر من ذلك، فإن جمهورية الصين الشعبية قدمت عام 2017 تمثالا برونزيا إلى مدينة (ترير) ليصار إلى وضعه في مكان يليق بمقام الرجل وتاريخه.

 

(3)
أغلب الظن أني أسهبت في هذا الجانب من الموضوع، في حين كان كل همي هو أن أصل إلى فكرة مفادها أن الماركسية لم تأت من الشرق على نحو ما يذهب الظن بمن لا يعرف، وهم كثيرون، وإنما هي الابنة الشرعية للبيئة الفكرية والسياسية في ألمانيا خصوصا، وفي أوروبا عموما. ثم إن كثيرين آخرين يذهب بهم الظن إلى أن (فريدريك إنجلز) الذي تشاطر مع ماركس في إصدار (البيان الشيوعي (عام 1848، هو من أصول إنكليزية، في حين أنه ألماني صرف، ولد في مدينة (بارمن)، لكنه توفي، شأنه في ذلك شأن (ماركس)، في مدينة لندن.

 

(4)
أحاول أن أقول إن لدينا العديد من المعلومات والأفكار المغلوطة التي اعتدنا على عدم التدقيق فيها لمعرفة مدى صحتها وهذه حالة شاذة وغير مقبولة بكل المعايير، وإلا فما معنى أن يذهب بعض منا إلى الخلط بين (فرويد (النمساوي اليهودي، وبين مؤلفاته الفريدة في علم النفس، وأبرزها من وجهة نظري، كتابه المسمى (تفسير الأحلام)، ويقع في حوالي 500 صفحة، لكنه تفسير يستند إلى علم أنشأه (فرويد) وفق معايير وجدها صالحة، وليس تفسير الذين يسعون إلى تغييب العلم والعقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى