أبحاث ودراسات

(فرويد) اليهودي و(فرويد) الصهيوني

صفوان قدسي يستعيد (ماركس) ويسترجع (فرويد)

| صفوان قدسي

 

في بعض ما نقرأ باللغة العربية من كتابات حول الفكر الصهيوني، المعاصر منه وغير المعاصر، نضع يدنا على حقيقة ناصعة في وضوحها، وهي أن ثمة لبسا في فهم جوانب عديدة من هذا الفكر، وهو لبس يؤدي إلى استنتاجات ربما كان من المفيد تحديدها ومناقشتها.

وعلى سبيل المثال، فإن بعض هذه الكتابات يحاول أن يبث لدى القارئ نوعا من الإيحاء بأن الفكر الصهيوني، المعاصر منه وغير المعاصر، هو نسخة مكررة عن الفكر اليهودي في صورته التوراتية، وأن الحركة الصهيونية لا تعدو أن تكون تجسيدا لليهودية، بقدر أو بآخر.

ولست هنا في معرض مناقشة هذا الاتجاه السائد في الكتابات العربية حول الفكر الصهيوني، فأنا أعرف أنه اتجاه تسنده شواهد عديدة وتؤيد دعواه أدلة كثيرة، وهو ليس اتجاها مصطنعا على أية حال، ولكني أعتقد أن هذا الاتجاه قد بالغ بعض المبالغة في المضي بعيدا في الدفاع عن منطقه، وفي توسيع دائرة هذا المنطق بحيث تشمل مساحات واسعة ربما كان من الصعوبة بمكان القول إنها يمكن أن تخضع لهذا المنطق. أي أن هذا الاتجاه ليس مرفوضا بصورة كلية، وإنما هو مرفوض جزئيا باعتباره منطقا يحاول أن يعمم أحكامه تعميما مطلقا.

مثال ذلك، أن كتبا عديدة صدرت باللغة العربية، تحاول جميعها أن تعمم هذا المنطق، أعني المنطق الذي يقوم على المطابقة الكاملة بين ما هو يهودي وبين كل ما هو صهيوني، بحيث يصبح كل يهودي صهيونيا بالضرورة، وكل صهيوني يهوديا بالضرورة.

وقد قرأت منذ مدة كتابا للدكتور صبري جرجس (مصر)، عنوانه: (التراث اليهودي الصهيوني والفكر الفرويدي)، وهو كتاب يقع في حوالي 400 صفحة من القطع الكبير، يحاول فيه مؤلفه أن يعقد صلة بين ما أنتجه فرويد في ميدان علم النفس وبين الديانة اليهودية. وهو ينتهي إلى نتيجة مفادها أن التراث اليهودي الصهيوني قد أسهم إسهاما لا شك فيه على الإطلاق، في كل ما توصل إليه فرويد في مضمار علم النفس التحليلي.

يقول المؤلف إن التحليل النفسي الذي ابتدعه فرويد مع ظهور الحركة الصهيونية منذ زهاء سبعين عاما، لم يكن علما مجردا كما زعم له، ولكنه وثيق الصلة في جوانبه المرضية والحضارية معا، بالفكر اليهودي الصهيوني الذي ظهر في التراث منذ عهد التوراة وما بعدها. وأنه من أجل هذا، سخرت اليهودية الصهيونية أجهزتها الإعلامية والدعائية لنشر مفاهيمه والدعوة لها في أوسع نطاق مستطاع، حتى أضحت الفرويدية من أقوى العوامل أثرا في التوجيه الفكري والخلقي للعالم الغربي.

بل إن المؤلف يمضي إلى أبعد من ذلك عندما يصف فرويد بأنه كان يهوديا قحا، وعضوا عاملا وفخريا في بعض الجمعيات والمنظمات الصهيونية، كما أنه كان صديقا شخصيا لتيودور هرتزل.

وبطبيعة الحال، فإن المؤلف لا يمضي إلى هذه النتيجة من دون تمحيص، بل إنه يقدم لها بمقدمات لا بد منها للبرهنة على هذا الرأي. والمؤلف يجيب في هذا الكتاب عن مجموعة تساؤلات:

– هل كان في مقدور فرويد وهو يخطط للإنسان شخصيته ويرسم له طريق حياته، أن يتحرر من يهوديته ومن أثر التراث اليهودي الصهيوني الذي كان سائدا على نحو قوي في البيئة التي نشأ وعاش فيها؟.

– هل كان التحليل النفسي الفرويدي مجرد فكر علمي موضوعي، أم أنه كان حركة علمانية صاغت روح التراث اليهودي الصهيوني في نطاق الفكر العلمي الذي ساد العصر وبأسلوبه؟.

وإجابة المؤلف عن هذه التساؤلات هي أن يهودية فرويد كانت أقوى بكثير من رغبته في الموضوعية، أو على الأقل من قدرته عليها، لأن حركة التحليل النفسي التي أنشأها فرويد إنما استمدت جذورها، كما يقول المؤلف، من التراث اليهودي الصهيوني. بل إن المؤلف يرى أن المفاهيم الرئيسية لهذه الحركة، أي حركة التحليل النفسي، إنما استقت من نفس النبع الذي استقت منه الحركة الصهيونية طاقتها وتوجيهها، وأن الحركتين سارتا بعد ذلك جنبا إلى جنب لكي تصلا آخر الأمر إلى غاية واحدة: الالتقاء بشعب الله المختار على أرض الميعاد.

هل يعني ذلك كله أن المؤلف ينتهي إلى نتيجة مفادها أن التحليل النفسي يخلو من أية قيمة علمية باعتباره بدعة لا تستند إلى أي أساس؟.

المؤلف يحذر من خطأ استخلاص مثل هذه النتيجة، فهو يرى أن التحليل النفسي قد أسهم بقدر أو بآخر في إخراج هذا الفرع من المعرفة الطبية من جمود ران عليه طويلا. ويقول المؤلف في هذا الصدد إن العديد من المفاهيم الفرويدية قد يختلف العلم معها الآن ومستقبلا في جملتها وتفصيلها اختلافا جوهريا بل وجذريا أحيانا، وقد ينكرها، ولكن يتبقى في رصيد الحسنات لهذه المفاهيم بعد ذلك أنها قدمت لنا الشخصية الإنسانية في صورة دينامية قد لا نستطيع قبولها كلها، ولكنها برغم ذلك تظل أحد المداخل الهامة في فهم الشخصية، كما تظل نقطة تحول في تفهم العوامل الفعالة في سلوك الإنسان وفي الصحة والمرض على السواء.

والكتاب بالغ الأهمية لأنه يطرق بابا يبدو جديدا وطريفا ومثيرا في الوقت نفسه. صحيح أنه جرت محاولات للكشف عن شيء من هذا القبيل لدى مفكرين أو علماء يهود آخرين، غير أن هذه المحاولة الجديدة تكتسب قيمتها الحقيقية من كونها تستند إلى فهم عميق للتراث الفكري والديني اليهودي، ومن فهم عميق مماثل لحركة التحليل النفسي.

غير أن ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب، هو أن المؤلف يؤسس منطقه كله على فكرة مفادها أن فرويد في معظم ما أنتجه في ميدان علم النفس، إنما يصدر عن فكر يهودي، وعن معتقدات يهودية، وعن بيئة يهودية، وأن هذا الذي قدمه فرويد في ميدان علم النفس لا يعدو أن يكون تعبيرا، صريحا أو مضمرا، عن التراث الفكري اليهودي الذي لا يشك المؤلف لحظة واحدة في أنه ترك بصماته الواضحة على فرويد منذ نشأته الأولى.

وما زلت أذكر كتابا قرأته منذ عدة سنوات تحت عنوان: (نهاية إسرائيل والصهيونية)، من تأليف الدكتور عبد الحميد واكد (مصر). وعلى الرغم من أن الكتاب يقع في 700 صفحة، وعلى الرغم من أنه يناقش موضوعات على جانب غير عادي من الأهمية، إلا أن القارئ ما يلبث، بعد أن يطوي الكتاب ويتأمل في هذا الذي قرأه، أن يصادف خيبة عظيمة لشدة ما ينتابه من شعور بأن المؤلف لم يفلح في إقناعه بالفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب وهي أن اليهود هم الذين يصنعون التاريخ. صحيح أن المؤلف يصدر في كتابه عن فكرة أساسية وهي أن مهمة اليهود عبر التاريخ إنما كانت تنحصر في تهديم العالم بوسائل شتى، ليس أولها إشعال نيران الحروب، وليس آخرها هدم مجتمعاته ومعتقداته، لكن الصحيح أيضا هو أن الفكرة التي يصدر عنها المؤلف لم تفلح في إعطاء الكتاب قيمة علمية، ربما لأن المؤلف بالغ بعض الشيء في البحث عن شواهد لفكرته تلك.

وما زلت أذكر كيف حاول المؤلف أن يعقد صلة بين (فرويد) العالم وبين (فرويد) اليهودي. ويقول المؤلف عن الفرويدية إنها نظرية تقوم على اعتبار الغرائز البشرية جميعها كامنة في غريزتين اثنتين هما غريزة الجنس وغريزة حب المقاتلة. وبعد أن يقرر المؤلف بأن علماء النفس جميعهم (لا نعرف من هم علماء النفس هؤلاء الذين يشير إليهم المؤلف) أنكروا نظرية (فرويد) وأثبتوا إخفاقها لمخالفتها الواقع الإنساني والحقيقة البشرية، ينتقل إلى القول إن المخطط الصهيوني قام بالترويج لهذا الشق من النظرية على أوسع نطاق، وبكل الطرق السرية والعلنية التي تعمد إلى إثارة الغرائز البهيمية في أدنى دركاتها، وتستهدف دفع المجتمعات دفعا إلى الانحلال والتردي في الخطيئة والغواية. ويقول المؤلف إن (فرويد) يزعم أن الإنسان لا بد له من مقاتلة الإنسان حتى يستأصله، من دون أي اعتبار للقيم النبيلة، وللأخلاقيات المتأصلة في النفس البشرية. وينشط المخطط مرة ثانية مستهدفا تأكيد روح التمييز العنصري كيما تستأصل بعض الشعوب بعضها الآخر.

وفي جزء آخر من الكتاب، يلح المؤلف على أن اليهود قد شمروا عن سواعدهم دفاعا عن نظرية (داروين) في النشوء والارتقاء، وهي النظرية التي يقول عنها المؤلف إنها نظرية في التاريخ الطبيعي تقول إن الإنسان في أصله قرد، ويرى المؤلف أن المخطط الصهيوني إنما يسعى، عن طريق إلباس هذه الأكذوية اللباس العلمي، إلى زعزعة الإيمان بالخالق وإلى إغفال حقيقة معروفة أكدتها الشرائع السماوية، تقول إن آدم هو أبو البشر جميعا. ويقول المؤلف إن اليهود عمدوا إلى هذه البلبلة دفعا للإنسانية كلها لما وصفهم به الله من قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). وكل موصوم يريد أن يصم كل الناس.

الكتاب في مجمله محاولة لتفسير العالم تفسيرا يقوم على النظر إلى اليهود على أنهم يصنعون التاريخ، وأنهم يقفون وراء كل محاولة مبذولة لهدم العالم، وإنه ما من ثورة في التاريخ إلا وتستطيع العين المدققة أن تلمح فيها وجها يهوديا. وهذا التفسير ليس جديدا على أية حال، فقد ذهبت مؤلفات عديدة إلى القول إن اليهود هم الذين أشعلوا نيران الثورة الفرنسية، وأن اليهود كانت لهم اليد الطولى في نجاح الثورة الروسية، وأن اليهود هم الذين يحكمون العالم ويقومون بتصريف شؤونه. بل لقد قرأت ذات مرة رأيا لكاتب لا أذكر اسمه، يقول فيه إن أينشتاين، وهو يهودي، لم يضع نظريته المعروفة عن النسبية، إلا لكي يتمكن العلماء من صنع القنبلة الذرية التي سوف تفضي لا محالة في نهاية المطاف إلى تدمير العالم.

ولست أريد أن أدخل في مناقشة حول هذا الاتجاه في النظر إلى التطور التاريخي، ولكني أحاول أن أقول إن التاريخ لا يمكن أن يفسر بهذه الطريقة. صحيح أن اليهود يقومون بدور نشط في العالم، لكن اليهود لا يصنعون التاريخ. كذلك فإن اليهودية والصهيونية ليستا بالضرورة حركة واحدة، فما زال ثمة قدر من التمايز بينهما. وقد كتب (آرنولد توينبي) في أحد مؤلفاته: (لست من الذين يعتقدون أن أساس الصهيونية هو الديانة اليهودية. فكثير من قادة الصهيونية غير متدينين. إنهم ليسوا يهودا مؤمنين). كما أن (بن غوريون) كتب ذات يوم قائلا: (إن ما يربط بين اليهود ليس الدين اليهودي، بدليل أن الحركة الصهيونية فيها يهود متدينون ويهود لا دينيون، أي يهود ملحدون لا يؤمنون بوجود إله. وما يربط بين اليهود ليس العنصر الواحد، بعد هذا التشتت الواسع الذي أصاب اليهود في شتى البلاد والقوميات. وما يربط اليهود ليس اللغة الواحدة، بدليل أن اللغة العبرية كادت تختفي تماما قرونا طويلة، ومعظم يهود العالم لا يعرفونها ولا يتكلمونها).

ومهما يكن من أمر هذا الذي يقوله (توينبي) المعادي للصهيونية، أو ذاك الذي يقوله (بن غوريون) العريق في صهيونيته، فإن ما يهمنا من ذلك كله هو ألا نبالغ في تعميم إحكامنا فنعتبر كل ما هو يهودي صهيونيا بالضرورة، فننتهي إلى أن (فرويد) اليهودي، صهيوني لا محالة، مما يؤدي بنا بطبيعة الحال إلى مجابهة إشكالات عديدة كان يمكن تجنبها لو أننا أحسنا التصرف في المادة الموجودة بين أيدينا، ولم ندع لفكرة جاهزة مسبقا أن تسيطر علينا وتقودنا بالتالي إلى نتائج قد يكون فيها قدر من مجافاة الصواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى