مقالات

مالئ الدنيا وشاغل الناس

|صفوان قدسي

(1)

ليس صحيحا أن (ماركس (قد طويت صفحته أبد الدهر، وصار نسيا منسيا. بل لعل العكس تماما هو الصحيح. ففي عالم الفكر والسياسة والاقتصاد، تتم عملية قد تبدو للوهلة الأولى ملتبسة، وأعني بها استعادة (ماركس) لإعادة تكريسه في الموقع الذي كان فيه ذات زمان، حين اقتحم عوالم غير مكتشفة ولا مستكشفة، وحلق في فضاءات لم يجرؤ أحد قبله على التحليق فيها. 

(2)

أقول هذا الكلام من قبيل استذكار كم كان لهذا المفكر دور بالغ الأهمية في ميدانين اثنين هما تأسيس علم تطور المجتمعات البشرية، وهو ما يعرف بالمادية التاريخية. وتأسيس ما يعرف بالمادية الديالكتيكية، وهي نفسها المادية الجدلية التي هي علم يقوم على أن الفكر هو نتاج المادة، أما العكس فليس صحيحا على الإطلاق. 

(3)

وإذا كان هناك من يرفض المادية الديالكتيكية بحسبانها علما أو فلسفة تنكر وجود الخالق، وبالتالي فإنها ترى في الديانات مجرد حالات اخترعها الإنسان في مواجهة المجهول، فإن هذا الرفض نفسه لا ينسحب على المادية التاريخية بحسبانها علما لا يقارب الغيب وما وراء الغيب، وبالتالي فإن هناك أبعادا متعددة للماركسية، يمكن الأخذ ببعض منها، ويمكن النأي بالنفس عن بعض آخر. 

(4)

وفي الوقت نفسه الذي نتحسس فيه محاولات جادة لاستعادة (ماركس (، فإننا نتحسس محاولات مماثلة لاسترجاع (فرويد).

صحيح أنه ليس هناك بين (ماركس) و(فرويد) جسور موصولة، لكن الصحيح أيضا هو أن الاثنين كان لهما باع طويل في ميدانين اثنين قد يبدوان للوهلة الأولى متباعدين، لكن النظرة

الفاحصة والمدققة تقودنا إلى استنتاج مفاده أن (ماركس) من جهة، و(فرويد) من جهة ثانية، يتلاقيان من حيث رؤية أحدهما للتاريخ، ورؤية ثانيهما للإنسان والنفس البشرية.

والأهم من ذلك هو أن بعضا من المفكرين الماركسيين لم يعد يقول إن الفرويدية تجعل التاريخ يصنع في غرف النوم.

 

(5)

أعرف أني أتريث، بل وأتردد، في شرح قد يطول لهاتين القامتين الكبيرتين، لكني أعرف في الوقت نفسه أن هذه المساحة الضيقة لا تتسع إلا لكلمات معدودات، لكن إطلاق وصف هذه الكلمات بأنها معدودات، فيه قدر من التجاوز.

وفي الكلام على هذين العالمين والمفكرين اللذين يبدوان متباعدين ومتنائيين، كلام على من كان، وما يزال، كل واحد منهما يصح فيه ما قيل في أحد الشعراء العرب العمالقة، وأعني به المتنبي، من أنه مالئ الدنيا وشاغل الناس. ولعل ما هو مقبل من الأيام يتسع لكلام آخر أوضح وأفصح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى