أبحاث ودراسات

من ماركسيّة ماركس إلى ماركسيّة القرن العشرين

صفوان قدسي يستعيد (ماركس) ويسترجع (فرويد)

لماذا تم اختيار هذا النص بالذات، لإعادة نشره في صحيفة  (الميثاق)، بعد مضي أكثر من ثلاثين سنة على كتابته ؟.

 ربما كانت هناك أسباب عديدة ومتنوعة، لكن السبب الذي يتقدم على كل ما عداه من أسباب، هو أن هذا النص يقدم رؤية كانت تبدو للبعض ممن آثر ممارسة أنواع شتى من الكسل الفكري، والاسترخاء العقلي، نوعا من الهرطقة التي يستحق صاحبها أن ينفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص عند الفجر.

 وحين نشر هذا النص في كتاب ” الهروب من القومية “، الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب عام 1979، فإن هذا البعض ممن أومأنا إليه وأشرنا، تعامل مع النص على أن صاحبه خارج على القانون، من دون بذل أي جهد للتفكير فيما ينطوي عليه النص من أفكار تستحق وقفة تأمل.

 ولعل في اختيار هذا النص لإعادة نشره في هذا الوقت بالذات، معان أخرى عديدة لا تخطئها العين المدققة.

           (الميثاق)

 

(1)

عندما يعلن شيوعيو فرنسا تخليهم عن دكتاتورية البروليتاريا، وعندما يعلن شيوعيو ايطاليا أن في مقدورهم أن يظلوا شيوعين دون أن يكونوا ماركسيين لينينيين، وعندما يرفع شيوعيو اسبانيا شعار الشيوعية الأوربية.. عندما يحدث ذلك كله، فإن معنى ذلك هو أن تطورا حاسما وخطيرا قد طرأ على الفكر الماركسي في أوروبا.

من وجهة نظر قومية عربية، فإن هذا التطور يسهم في تعزيز الفكرة القائلة إن التجارب الأصيلة هي تلك التي تصنعها حكمة الشعوب وفلسفتها وحاجتها إلى التعبير عن نفسها بهذا الشكل أو بغيره، وهي بهذا المعنى لا تصلح للإعارة أو الاستعارة لأنها تختزل في كل حركة من حركاتها الشخصية القومية للأمة.

ليس المقصود أن نصدَّ أنفسنا عن الآخرين بالتعصب، ولا أن نعصب عيوننا ونتحول إلى جياد مفتونة بالدوران حول نفسها. المقصود هو أن تكون لنا عيوننا الخاصة بنا، وعقولنا الخاصة بنا، وتجاربنا الخاصة بنا.

من هذا المنطلق، نحاول فيما يلي مناقشة بعض الأفكار التي تتصل بهذا التطور الحاسم والخطير الذي يشهده الفكر الماركسي في أوروبا.

وهذه المناقشة لا تعدو أن تكون مجرد محاولة في فهم هذا التطور وتقصي أسبابه في الجذر الأعمق للمشكلة.

(2)

يعلن (غارودي):

(إن الماركسية ليست فلسفة اعتقادية، سابقة للنقد).

لماذا؟. لأن المعتقديـة (الدوغمائيـة) هي نقيض النقـد، بالمعنـى الذي كـان (كانط) أول من أعطاه لهذه الكلمة، ولو أنه فعل ذلك في نظرة خارجة عن التاريخ. وطلبا للتبسيط، لنقل إن وجهة النظر النقدية في الفلسفة تعني إدراكنا أن كل ما نقوله عن الواقع إنما نقوله نحن. أما المعتقدية فهي، على العكس، الوهم أو الزعم بوجودنا في داخل الأشياء وبأننا نقول بشأنها الحقيقة المطلقة والنهائية.

لماذا توصم الماركسية أحيانا بأنها معتقدية ؟.

هذا الأمر يعود إلى المرحلة الستالينية التي مرت بها الماركسية، وهي مرحلــة هبطـت فيها الماركـسية إلى شـكل متدن من أشـكال المعتقديـة التي يصفهـا (غارودي) بأنها كانت مركزة كلها في عشرين صفحة خاطفة، يفترض فيها أن تضم الحكمة الفلسفية. وكما كانت هناك كتب تعلمك (اللاتينية بلا دموع)، وأخرى تعلمك (اليونانية وأنت تضحك)، كانت هذه الصفحات تضع الفلسفة في متناول الجميع وفي ثلاثة دروس.

وأكثر من ذلك، فإنه في هذه المرحلة الستالينية (لم يكن هناك من فلسفة ماركسية، بل هذر (مدرسوي) يزعم أن عنده الجواب على كل الأمور دون أن يعرف طبيعتها، من علم الحياة إلى فلسفة الجمال، مرورا بالزراعة والكيمياء. وما تم من انتصارات تحقق لا بفضل هذا اللاهوت الجديد، بل على رغمه : في الفيزياء حيث أخرس (الفلاسفة) ليستطيع أن يعمل العلماء، وفي التقنيات حيث كانت الضرورات العلمية – لحسن الحظ – أقوى من أن تذل للعنات تلك السفسطة، كوصفها علم (السبرانية) في بداياته بأنه علم بورجوازي. إن هذا النحو من فهم الجدل، والفلسفة بصورة عامة، لم يكن عاجزا عن هداية البحث فحسب، بل كان أيضا عائقا له).

ولكن، ألا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان هناك سبب في صميم الماركسية نفسها يجعلها قابلة لأن تسقط في هذه المعتقدية؟. أليس ثمة من سبب يجعل الماركسية تتحول، على يد ستالين، إلى سطور في كتاب مقدس؟. هل هي مجرد مرحلة عابرة في تطور الفكر الماركسي أم أنها جزء من مشكلة تتصل بجوهر الفكرة ذاتها؟. ما الذي جعل الستالينية تصعد هذا الصعود الذي جعلها تضع الماركسية في طريق مسدود ؟. ما الذي جعل ستالين قادرا على أن يجعل الماركسية شكلا مبتذلا من أشكال المعتقدية؟.

عندما تخفق فكرة ما في إثبات جدارتها، كليا أو جزئيا، فإن أنصارها سرعان ما ينسبون هذا الإخفاق إلى سوء في التطبيق. لكن الثابت تاريخيا أن الفكرة التي تكتسب، من خلال تطبيقها، هذا الشكل الذي تنكره هي نفسها، فإن العقل لابد عندئذ من أن يتجه إلى البحث عن العلة في الفكرة ذاتها.

الفكرة المجردة لا تكتسب قيمتها الواقعية إلا بالممارسة، أي بإخضاع هذه الفكرة للاختبار العملي، أي بإنزالها من رؤوس أصحابها إلى أرض الواقع. والخطأ أو الصواب في هذه الفكرة لا يمكن التحقق منه إلا بعد وضع الفكرة أمام وهج التجربة.

(3)

ومن يتأمـل في تطور الفكر الأوروبي في النصـف الثاني من القرن العشـرين، فإنه سوف يضع يده على حقيقة مفادها أن ثمة محاولات مبذولة لتقصي الإمكانيات المتاحة للعثور على صيغة مشتركة بين عدد من التيارات الفكرية التي كانت تبدو لأمد من الزمن عاجزة عن التفاهم والتواصل، وهي محاولات مازالت مستمرة بصرف النظر عن النتائج التي سوف تنتهي إليها.

(4)

وفي وقت من الأوقات، فإن (سارتر) كان يبذل محاولة للعثور على صيغة يتمكن بها من التوفيق بين الوجودية والماركسية، وكان يقول إن غاية طموحه هي أن يجعل الوجودية جيبا من جيوب الماركسية.

وكان (سارتر) يدرك أكثر من غيره طبيعة الإشكالات الفلسفية التي تواجه هذه المحاولة، ومع ذلك فإنه فلم يكف لسنوات عديدة عن متابعة هذا الجهد الفلسفي المضني.

وكانت محاولة (سارتر) هذه صادرة عن طموح عقلي إلى اكتشاف الفلسفة المناسبة لعصرنا. ذلك أن (سارتر) كان يعتقد، في ما هو يحاول المزاوجة بين الوجودية والماركسية، أنه لا الوجودية وحدها، ولا الماركسية وحدها، قادرة على أن تكون هي هذه الفلسفة التي يبحث عنها.

(5)

وكان (سارتر) يأخذ على الماركسية مآخذ شتى. من ذلك مثلا أنه يأخذ عليها كونها فقدت تماما كل إحساس بحقيقة الإنسان. فهي في تعاملها مع الحقيقة البشرية بطريقة علمية مجردة، إنما تهمل من شأن الإنسان. وهو يقول في هذا الصدد إنه يأخذ على الماركسية المعاصرة أنها استبعدت شتى التحديدات العينية للحياة البشرية، وكأنما هي مجرد عناصر تدخل في باب المصادفة البحتة، فلم تستبق من مجموع التاريخ سوى هيكله العظمي المجرد، والنتيجة هي أن الماركسية فقدت كل إحساس بحقيقة الإنسان، فلم تعد تجد أمامها لسد هذا النقص سوى نظرية بافلوف السيكولوجية بكل ما تنطوي عليه من تهافت.

ومن ذلك مثلا أن (سارتر) يأخذ على الماركسية قولها بوجود جدل (ديالكتيك) في الطبيعة. وهو يرى أن الماركسية تخطئ خطأ فادحا لأنها تجعل الإنسان مجرد كائن طبيعي يسري عليه ما يسري على الطبيعة من قوانين موضوعية، وهي بذلك تحيله إلى كائن مسلوب الإرادة وخاضع لقوانين لا يملك أن يتجاوز حتميتها. كذلك فإن هذا القانون الكلي الذي تخضع له الطبيعة والتاريخ والفكر، إنما يحيل الإنسان إلى كائن يعيش خارج التاريخ. بمعنى أن التاريخ يحقق ذاته في غياب الإنسان. غير أن إنكار (سارتر) لوجود جدل في الطبيعة لم يمنعه من القول بوجود جدل في الإنسان وفي التاريخ وفي المجتمع.

 

 

(6)

في مقابل ذلك، فإن (سارتر) كان يدرك جيدا أن المآخذ التي يسجلها على الماركسية تقابلها مآخذ من نوع آخر تسجلها الماركسية على الوجودية. فالماركسية تعتبر تصور (سارتر) للعدم، وربط هذا العدم بالوجود البشري، محاولة لإلغاء وجود الصيرورة في الوجود العام. كذلك فإن الماركسية تنظر إلى الحرية كما يتصورها (سارتر) على أنها مجرد قدرة ذاتية على الاختيار، وهي حرية لا تستطيع الماركسية أن تفهمها.

(7)

وبطبيعة الحال، فإن هذه ليست سوى بعض المآخذ التي تسجلها الوجودية على الماركسية، والتي تسجلها الماركسية على الوجودية، ذلك أن ثمة مآخذ عديدة أخرى ليس هذا مجال الحديث عنها. لكن (سارتر) كان مقتنعا في وقت من الأوقات، بأن هذه المآخذ لا تحول دون التقاء الوجودية والماركسية وانصهارهما في فلسفة واحدة تصلح أن تكون بحق فلسفة العصر.

وبصرف النظر عن الإخفاق الذي منيت به محاولات (سارتر) في هذا الميدان، فإن مجرد بذل الجهد في هذا الاتجاه، يمثل دليلا ناصعا في وضوحه على أن فلسفة بعينها لا تملك أن تدعي لنفسها حق احتكار الحقيقة، ففي كل فلسفة جانب من الحقيقة، وفي كل فلسفة بعض من هذه الحقيقة، أما الحقيقة المطلقة فليس لها من وجود في أية فلسفة على الإطلاق.

فالوجودية، على سبيل المثال، تعترف على لسان أبرز فلاسفتها المعاصرين بأنها تميط اللثام عن جانب من جوانب الحقيقة، وأن هناك فلسفات أخرى تستطيع أن تميط اللثام عن جوانب أخرى من هذه الحقيقة.

(8)

وليس الأمر مقصورا على الوجودية وحدها في اعترافها بأن الحقيقة ليست حكرا عليها ولا حكرا على فلسفة بعينها، وإنما الحقيقة موزعة بنسب متفاوتة على الفلسفات السائدة. فها هي ذي الماركسية، ماركسية القرن العشرين، تتخلى عن وثوقيتها لتعلن بأن الفلسفات الأخرى ليست كلها على ضلال.

وفي وقت من الأوقات، فإن الماركسية كانت ترى إلى الفرويدية على أنها المدرسة النفسية التي تقول إن التاريخ يصنع في غرف النوم. وكان ذلك من باب السخرية بالفرويدية والهزء بها. لكن الماركسية تقول الآن بضرورة العودة إلى الفرويدية ومدرسة التحليل النفسي، لأن في الفرويدية ما يسهم في تفسير بعض جوانب السلوك الإنساني، بل وفي تفسير جوانب هامة من ظاهرة نشوء الحضارات والثقافات والفنون.

وفي وقت من الأوقات، فإن الماركسية كانت تتعامل مع الوضعية المنطقية على أنها فلسفة معادية للعلم، وأنها إحدى افرازات المجتمعات والأنظمة الرأسمالية.

ومازلت أذكر جيدا أن حياتنا الفكرية والثقافية شهدت فصولا من حملة منظمة ضد الوضعية المنطقية وداعيتها الأول في الوطن العربي زكي نجيب محمود. وكانت هذه الحملة تنهض على النظر إلى الوضعية المنطقية على أنها فلسفة معادية للعلم على الرغم مما تقوله عن مناهضتها للميتافيزيقا. وكانت صفحات المجلات الثقافية المصرية تمتلئ في الستينات بهذا النوع من الحملات والمناقشات. ولم يقف زكي نجيب محمود صامتا، بل انبرى يدافع عن نفسه وعن فلسفته. وكان إشرافه على مجلة (الفكر المعاصر) كرئيس للتحرير يتيح له أن يرد على مناهضيه الرد الذي يسهم في جلاء وجهة نظره.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا ملموسا في اتجاه اعتراف الماركسية بما للوضعية المنطقية من قدرة على الكشف عن وجه من وجوه الحقيقة.

(9)

وفي وقت من الأوقات، فإن الماركسية اتسمت بنزعة أوربية محضة. وكان واضحا أن المشكلات التي تتصدى الماركسية لمعالجتها إنما هي مشكلات أوربية، وأن هناك مشكلات أخرى يطرحها العالم الثالث ولا تجد حلا لها في الماركسية.

وفي أعقاب الثورة الاشتراكية في روسيا، اعترف لينين بهذا الطابع الأوربي للماركسية حين خاطب مؤتمر المنظمات الشيوعية لشعوب الشرق قائلا: (ها هنا أنتم تواجهون مهمة لم يواجهها الماركسيون حتى الآن في أي مكان في العالم.. وعليكم أن تكيفوا أنفسكم مع الظروف الخاصة التي لا توجد في البلاد الأوروبية. وعليكم أن تتمكنوا من تطبيق الماركسية على ظروف تعتبر كثرة السكان فيها من الفلاحين، وتعتبر المهمة في هذه الظروف هي توجيه النضال ضد بقايا العصور الوسطى لا ضد الرأسمالية.. هذه هي المشاكل التي لن تجدوا حلها في أي كتاب ماركسي).

قبل ذلك، كان لينين قد قال : (إن بورجوازية الغرب في حالة تدهور، فقد أصبحت تواجه حفار قبرها : البروليتاريا. أما في آسيا، فلا يزال هناك على العكس بورجوازية قادرة على أن تذود عن الديمقراطية. والمثل الرئيسي أو الركيزة الاجتماعية لهذه البورجوازية الآسيوية هو الفلاح) و (إن أكثرية شعوب الشرق تمثل الجماهير الكادحة النموذجية من غير العمال المتخرجين من مدرسة المصانع والمعامل الرأسمالية، بل من أبناء الفلاحين المستغلين الذين يعانون ظلم القرون الوسطى).

لكن القفزة الكبرى التي حققتها ماركسية القرن العشرين تبدو ماثلة في دعوة شعوب العالم الثالث إلى استلهام تجاربها التاريخية واستنهاض تراثها الثقافي والحضاري الحافل بكل ما من شأنه أن يساعد هذه الشعوب على بناء حياتها الجديدة.

إن (غارودي)، على سبيل المثال، لا يكتفي بهذه الدعوة، وإنما يتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يطالب الأوربيين بأن يتمثلوا التراث الثقافي لشعوب العالم الثالث، وللشعوب الإسلامية. فهو يرى أن الماركسية التي تتطلع إلى وراثة كل ثقافة الماضي، لا يعقل أن تقصر هذه الثقافة على الميراث الغربي وحده، من فلسفة مدرسية ألمانية، واقتصاد سياسي إنكليزي، واشتراكية فرنسية، وعقلانية يونانية، وتقنوية ولدت بعد عصر الانبعاث، لأنها لو فعلت ذلك لأصبحت غربية، ولقصرت عن الإحاطة ببعض أبعاد الإنسان.

(10)

ما الذي يجعل (غارودي) ينحو هذا المنحى ؟.

ما الذي يجعله يطالب بهذا الحوار بين الماركسية والثقافات الأخرى ؟.

السبب في ذلك، كما يعرفه (غارودي)، هو أن الماركسية تصبح (ريفية) وتفقد قدرتها على النمو، إذا هي اكتفت بالحوار مع نفسها، وهي لن تنمو إلا بالحوار مع كل مبدعات الإنسان.

يكتب (غارودي): (إن القضايا التي يطرحها انحسار الاستعمار بإعادته إلى الشعوب المستعمرة سابقا تاريخها الخاص، تقودنا إلى استعادة روح الماركسية الحية لنتجاوز بها تلك التبسيطات والنظرات السطحية التي لا تلبث أن يحطمها الاطلاع على عالم أوسع).

محاولة (غارودي) هذه إنما تسعى إلى تحقيق غرض محدد، وهو الارتقاء بالماركسية من مستوى كونها تنتمي إلى التراث الثقافي الأوربي، والغربي على وجه التحديد، إلى مستوى آخر يجعلها في متناول الشعوب الأخرى التي لا تنتمي إلى الحضارة الغربية.

(11)

هل تنجح هذه المحاولة، أم أنه محكوم عليها بالإخفاق المؤكد ؟.

ذلك هو السؤال الكبير الذي سوف تجيب عنه ماركسية القرن العشرين.

(12)

من وجهة نظر قومية عربية، فإن ما يعنينا من الأمر كله هو أن نمتلك، وفي كل الأوقات، المقدرة على متابعة ما يجري من حولنا في العالم، لأن الذين يغمضون عيونهم على فكرة واحدة وثابتة لا يطرأ عليها تبديل أو تغيير، سوف يجدون أنفسهم وقد خسروا ليس باصرتهم فحسب، وإنما بصيرتهم أيضا. وفقدان الباصرة خسارة يمكن تعويضها بتنمية حواس أخرى، لكن فقدان البصيرة هو فقدان لمعنى الحضور البشري.

لكننا، مع الأسف الشديد، نوشك أن نفقد الباصرة والبصيرة معا، لأننا لا نكتفي بإغماض عيوننا على فكرة واحدة وثابتة، وإنما نغمض عقولنا أيضا عما يجري من حولنا في العالم.

هذا التطور الذي يطرأ على المشهد الفكري في العالم هو فرصتنا لأن نعرف العالم من حولنا، وأن نعرف موقعنا من هذا العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى