مقالات

الانفصال وبداياته الجنينية

| صفوان قدسي

(1)

حين وضعت كتابي (تشريح الثورة المضادة)، فإني قلت، في جملة ما قلت، إن القومية العربية موجودة بالقوة أكثر مما هي موجودة بالفعل. وكان الفلاسفة يقولون إن هناك ما يمكن أن نطلق عليه اسم الوجود بالقوة، وهو وجود سابق على وجود آخر يأتي بعده وهو الوجود بالفعل.

 

(2)

وكان هؤلاء الفلاسفة يقولون إن الوجود بالفعل هو الوجود المتحقق، في حين أن الوجود بالقوة هو الوجود الممكن. وبهذا المعنى يمكن القول إن الوجود الممكن لا يمكن أن يتحقق إلا في شروط معينة. وكان هؤلاء الفلاسفة يقولون إن الوجود بالقوة يعدُّ مرحلة لا بد منها للانتقال إلى المرحلة الأخرى التي هي مرحلة الوجود بالفعل.

 

(3)

وحين أستعيض هنا عن كلمة القومية بكلمة الوحدة، فإني أستطيع أن أقول إنه حين نقرر بأن الوحدة العربية موجودة بالقوة أكثر مما هي موجودة بالفعل، فليس في هذا أي انتقاص من شأن الوحدة. إنه لا يعدو أن يكون محاولة لتشخيص حالة واقعية وملموسة. وحين نقول إن الوحدة موجودة بالقوة أكثر مما هي موجودة بالفعل، فإنه لا يجوز لأحد منا أن يسارع إلى الاستنتاج بأن هذه الحقيقة إنما هي حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل. فالأمر على العكس من ذلك تماما. أي إن هذا الوجود بالقوة لا يعدو أن يكون وجودا مؤقتا. وحين نقول عن الوحدة إنها موجودة بالقوة، فإن هذا يجب أن يقودنا إلى الاستنتاج الصحيح، وهو أنه يجب علينا أن نبذل كل الجهد الممكن من أجل أن تكون الوحدة موجودة بالفعل أكثر مما هي موجودة بالقوة.

 

(4)

ولأن الوحدة حقيقة تاريخية، فإن التجزئة سوف تبقى، مهما طال الزمن، أمرا طارئا وعارضا ومؤقتا، وبالتالي فإنها سوف تبقى واقعا زائلا. لأن التجزئة تتعارض هنا مع الحقيقة التاريخية. وحين يقع أي تعارض من هذا القبيل بين حقائق التاريخ وبين أية مسألة أخرى، فإن النصر لا محالة من نصيب حقائق التاريخ، لأن كل ما يتعارض مع هذه الحقائق أو يتناقض، سوف يؤول لا محالة إلى زوال.

 

(5)

وإذا كان هناك من كلام آخر يمكن أن يضاف إلى هذا الكلام، فإن الأولوية سوف تكون لفكرة مفادها إن الوحدة من المحظورات الدولية.

لماذا؟.

لأنها تتعارض مع مصالح قوى دولية كبرى وتتناقض. ولعل هذا ما يفسر دواعي المؤامرة الكبرى على الجمهورية العربية المتحدة التي بلغت مآربها وغاياتها في 28 أيلول 1961، وإن كان الإعداد لهذه المؤامرة يجري على قدم وساق منذ البدايات المبكرة لقيامها، إن لم أزد على ذلك فأقول إن هذه المؤامرة كانت لها بداياتها الجنينية حتى قبل قيام الوحدة. والقصة معروفة، والحقائق ناصعة في وضوحها وجلائها.

 

(6)

وإذا كان التاريخ محكوما بإرادة عاقلة، فإن هذه الإرادة قادرة لا محالة على تجاوز ما كان، وصولا إلى ما ينبغي أن يكون، من دون أن نغفل عن الشرط الإنساني، أي الإرادة السياسية الحرة والطليقة والقادرة على أن تفعل فعلها في التاريخ.

وإني على ذلك لمن المراهنين. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى