مقالات

العلم والفلسفة، من هو التابع ومن هو المتبوع؟

| صفوان قدسي

(1)

أقتطع من دراسة لي سوف تنشر لاحقا، أجزاء يسيرة أقوم من خلالها بإطلالة على العلاقة التي تبدو ملتبسة بهذا القدر أو ذاك، وأعني بها العلاقة التي هي على درجة عالية من التعقيد، بين العلم والفلسفة، حتى إن هذا الالتباس وذاك التعقيد ذهبا إلى تخوم العراك الفكري بين من يرى أن العلاقة بين العلم والفلسفة هي علاقة تابع ومتبوع، ومن يرى أن هذه العلاقة لا وجود لها على الإطلاق، من حيث أن العلم عالم قائم بذاته، وأن الفلسفة عالم آخر ليس بينه وبين عالم العلم أية جسور موصولة، أو طرق ممدودة.

(2)
ومثال ذلك أنه في عام 1965، ظهر في فرنسا كتاب من تأليف (جاك مونو) بعنوان: (الصدفة والضرورة… مقال في الفلسفة الطبيعية للبيولوجيا الحديثة).
وتقول دراسة عن هذا الكتاب، إن (مونو) يعلن هجومه على لاهوتيتي التقدم الذين ينشرون الأوهام المخدرة، ويستخدمون في منطقهم مبادئ زائفة. إنهم يؤكدون أن الكائن الحي لا يمكن أن يتخلص من القوانين الطبيعية والكيميائية، وقوانين الحرارة الديناميكية، وقوانين ارتباط الجزئي، وهي قوانين لا تبشر بالخير للإنسانية، لأنها تفرض نوعا من الحتمية لا فكاك منه. ولكن (مونو) يؤكد أن العلم الحديث قد هتك الحجاب من حيث أنه أوضح كيف أن الكائن العضوي، في ظهوره وإنتاجه يقوم، على الصدفة.
وقد حاول (مونو) تفنيد الفلسفات التي بنيت على خطأ وامتلأت بالأوهام، مهملة الأمور التي تكمن في أساس هذا الكيان الذي يعتمد على آلية لإعادة إنتاج الحياة واستمرارها.
يقول (مونو) إنه في ظل هذه الفلسفات، لا بد من تصوير الفرد على أنه مجبر على القيام بأنواع من النشاط تتفق مع قوانين المادة، الأمر الذي يفرض نوعا من الحتمية.

(3)
والإشكال الأهم في هذه العلاقة الملتبسة بين العلم والفلسفة هو وجود محاولات تبذلها العلوم الطبيعية بغرض احتواء العلوم الإنسانية، إما بإلغاء دورها، ووصمها بالعجز والتخلف، أو بإرغامها على الخضوع لمنطق العلوم الطبيعية بما يعني إلغاء خصوصيتها، وانتزاع فرديتها وتحويلها إلى علوم صماء أشبه ما تكون بحجارة المختبرات.

(4)
وحقيقة الأمر، على نحو ما تقوله الفلسفة، هي أن العلوم الإنسانية ما تزال محتفظة بالقدر الأعظم من استقلالها، وسوف يبقى لها منطقها الخاص وقواعدها وأدواتها، من دون التنكر للفائدة التي يمكن أن تنجم عن البحث عن أرض مشتركة تقف عليها، جنبا إلى جنب مع العلوم الطبيعية، تأخذ منها وتعطيها.

(5)
المهم في الأمر هو أن الكشوف الحديثة في مضمار الفيزياء، تسمح للعلوم الإنسانية بأن يزداد تحررها مما علق بها من تأثيرات العلوم الطبيعية التي تدعي القدرة على سحب البساط من تحت أقدام علوم أخرى لا تخضع لمنطقها وقوانينها.
فهل من قائل، من بعد ذلك كله، إن الفلسفة مجرد تابع من توابع العلوم الطبيعية؟.
ذلكم سؤال تجيب عنه دراستي التي أومأت إليها في السطر الأول من هذا المقال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى