أبحاث ودراسات

ما هو العلم؟.

هل في الإمكان تعريف العلم؟. ربما يكون الجواب بالنفي، ذلك أن العلم هو من الأفعال الكبرى التي تقوم بها عقولنا، وفي ظل هذا المعنى فإنه يشبه الفن أو الدين أو الفلسفة، وليس في الإمكان أن ندرس واحدا منها من دون أن نربط بينه وبين تاريخه الماضي. كما لا يمكن الفصل بين العلم وتاريخ العلم. وقد ننظر إلى العلم على أنه ميل ذهني نتأمل فيه عالمنا، وما من امرئ هو في نفس الميل الذهني دائما، وما من رجل علم يظل دائما في مزاج علمي. وعند تقييم الأحكام التي يصدرها رجال العلم خارج نطاقهم العلمي، يحسن بنا أن نتذكر هذا الأمر، إذ يتعين علينا أحيانا أن نقلل من قيمة هذه الأحكام وشأنها.

وبمجرد أن نحاول بحث العلم بصفته الكلية، يظهر أمامنا حشد من الصعاب. إن الكلمة اللاتينية scientia لم يقصد بها أكثر من مجرد (المعرفة)، ولكن الاستعمال الحديث لا يشمل سوى أنواع معينة من المعرفة، ومجال هذه الأنواع من عظم الاتساع بحيث لا يستطيع المرء أن يحيط بغير جزء بسيط منها. وحتى الأنواع التي قد تعد (علمية) نلقاها بالغة التباين، فهي تمتد من القوانين الرياضية في الديناميكا إلى اقتصاديات العلاقات العنصرية، ومن نشأة النجوم وفنائها إلى هجرة الطيور، ومن دراسة الفيروسات المتناهية الصغر إلى السدم الخارجة عن طريق المجرة، ومن نشوء الثقافات أو البلورات وانحلالها إلى نشوء الذرات والأكوان وتحللها. إنها تشمل كلا من المعرفة بماهية ما يصيب هذه الأفعال والقوانين من اضطرابات. فهل في الإمكان أن تخضع هذه الموضوعات المتنوعة بصورة لا تعد ولا تحصى، لقاعدة واحدة؟.

هذه الأفعال والنظم الفكرية المختلفة جدا، تنطوي جميعا على ملاحظات مستمرة وغير متحيزة، يؤدي فحص ما يسجل منها بواسطة العقول المدربة إلى التصنيف أو التبويب، ومن أمثال هذه التصنيفات، يجري استنباط قواعد عامة أو (قوانين)، وهذه القوانين قد تطبق على ملاحظات أي مشاهدات، والإخفاق في المطابقة بين المشاهدات الجديدة والقوانين المسلم بها، قد يسفر عن إدخال تغييرات على هذه القوانين تؤدي بدورها إلى إجراء مشاهدات جديدة وهكذا دواليك. هذه السلسلة من الأفعال درجنا على الاعتقاد بأنها تشكل (طريقة)، أي منهج علمي.

ومن المسلم به أن هذه السلسلة لا تتبع بصفة دائمة، فقد يختزلها ضرب من عملية ذهنية يقل علمنا بها، ولكن حتى في أمثال هذه الحالات فإن الملجأ الأخير لنا هو الملاحظة.

وفضلا عن ذلك، فالعلم بحكم طبيعته متطور دائما، وليس مجرد جسم من المعرفة. وعلى سبيل تلخيص النقاش نقول: إن العلم هو البحث عن أحكام يمكن أن تلقى القبول العام، ونقصد بالأخير القبول من جانب أولئك الذين يفهمون الأحكام والقواعد التي تقوم عليها، وهو بحث لا نهاية له ولا حد لإشباع نهمه أبدا.

من الخطر دائما أن نستدل على القيمة الرمزية لمعنى كلمة ما أو على مدى هذا المعنى، بالاستناد إلى اشتقاقها اللغوي. ومع هذا لا يمكن أن نغفل أن كلمة scientifie المركبة أخذت تحل محل كلمات أبسط منها وأقل حروفا مثل sciential- scientic، وذلك منذ بدء القرن السابع عشر.

واستعمال كلمة scientifie (أي صنع المعرفة)، تعني اطراد الارتفاع في مكانة ما أصبح يعرف باسم (العلم)، (وكان يعرف من قبل باسم (الفلسفة الطبيعية). وهذا الربط بين المضمون وصفته يصبح مفهوما إذا أخذنا في الاعتبار انتشار الإدراك بأن العلم هو صنع المعرفة وليس المعرفة بصفتها هذه.

وهكذا أصبح العلم باستمرار أقرب إلى أن يكون مساويا (للبحث)، وأصبح يدل على عملية وليس على مجموعة سكونية من الأفكار والمذاهب.

وهذا الاتجاه واضح بالدرجة الكافية وفي الوسع توضيحه بالأمثلة الكثيرة التي تبين حين تتوقف عملية صنع المعرفة يهبط العلم إلى مرتبة الرواية المأثورة أو التي ترتد إلى الوراء. ولكن من المهم للغاية ألا يفهم من هذا أن العلم يستبعد المأثور إذ العكس هو الواقع، لأن العلم ينطوي بالضرورة على روايات مأثورة متطورة.

إن عددا ليس بالقليل ممن كان لهم نشاطهم وأثرهم في تقدم العلم، أقنعوا أنفسهم بأنهم في غير حاجة إليها أي إلى تاريخ الموضوع الذي يبحثونه. وقد امتنع البعض أحيانا عن دراسة ما قام به حتى معاصريهم من عمل، وفاخروا بذلك. لا شك أن علم طبيعة الذرة مثلا يمكن أن يتقدم بدون المعرفة الدقيقة لحياة ماكس بلانك وألبرت أينشتاين، وإنجازاتهما وعملياتهما الذهنية. وفضلا عن هذا، هناك حوادث بحث يجد الباحث فيها من الحكمة أن يقتصر مؤقتا على أفكاره هو. ولكن هذه الأفكار شكلها التقليد العلمي المأثور. وكوننا ننشئ ذلك التقليد لحظة لا يغير من الحقيقة شيئا، وهي أن رجل العلم ليس إلا جزءا من معرفة تتطور وتنمو باستمرار، وتقوم على أساس التقليد المأثور. إنه لا يستطيع بناء معرفة جديدة إلا بمد نطاق معرفة سبق اكتسابها من قبل، فهو لا يستطيع التخلص من التقليد الذي يمتد إلى الماضي البعيد، بأكثر مما يستطيع أن يحرر نفسه من اللغة التي يتحدث بها أو من الحضارة التي تربى في أحضانها.

انشتاين
انشتاين

إن العلم قادر على أن يعالج موضوع العالم الخارجي على أساس مستواه فقط، أي على مستوى الظواهر أي (الأشياء التي تظهر) أو (المظاهر)، وهذه لا يمكن أن تظهر إلا للحواس التي نملكها. قد تسفر حواسنا عن نتائج متناقضة في نهاية الأمر، أو عن نتائج لا تطمئن إليها عقولنا على الأقل، أو أن عقولنا لا تشعر بالراحة إلا في ظل الإحساس بالتوافق. ولكن تهدئة عقولنا حتى تستريح إلى أمثال هذه الأشياء، هو في النهاية مهمة من مهام الفلسفة أو الدين أو كليهما. ولا يستطيع العلم بصفته هذه إلا أن يكون له نصيب غير مباشر في هذا.

والواضح أنه في دراسة الظواهر، غالبا ما تخدعنا حواسنا. ولكن العلم يسعى دائما إلى تصحيح ما استقرأته حواسنا ومساعدتها ومد نطاقها وإكمالها، وذلك عن طريق الأساليب التكنولوجية. وبهذه الأساليب يمكن أن تظهر لحواسنا كروية الأرض، وانقطاع المادة والقوى، وحركات الذرات، وإحناء الضوء بسبب كتلة الشمس، والتحول المتبادل للمادة والطاقة.

ومن الصحيح أيضا أن العلم غالبا ما يدع الظواهر كلية ليصعد إلى جو من الرموز المجردة هي في العادة من النوع الرياضي. ولكن العلم لا يحلق في هذه الأجواء العليا إلا ليهبط ثانية إلى مستوى الظواهر، يتنبأ بها ويدلل عليها.

إن الحواس يجب في النهاية أن تدركها الحواس، فالاعتبارات الرياضية مهما كانت خفية غامضة، والأدوات العلمية مهما كانت دقيقة، ليست سوى طرق لمد التجربة المستمدة من الحواس.

كان فرنسيس بيكون (1561- 1626) أول فيلسوف للعلم في العصر الحديث، وأرسى دعائم الاعتقاد بأنه في أي ميدان من ميادين المعرفة يمكن جمع الحقائق طبقا لخطة مقدرة ومعدة من قبل، ثم تمريرها خلال عملية منطقية أوتوماتيكية تخرج منها حتما أحكام صحيحة. في التطبيق العلمي لا يمكن استخدام هذه الطريقة، لأن الظواهر لا حصر لها. ولذلك عند استقصاء أي ميدان من ميادين المعرفة، يجب علينا، على نحو ما، أن ننتقي بعض الظواهر، والتي غالبا ما يقال لها الحقائق. وهنا يثور السؤال:

كيف يحسن رجل العلم اختيار الظواهر التي يتولى ملاحظتها وتسجيلها؟.

يبين تاريخ العلم أن الذين أجروا مثل هذا الاختبار بطريقة مجزية، هم أولئك الذين توافرت لهم المعرفة بما حقق أسلافهم من نجاح وما أصابهم من إخفاق. وبعبارة أخرى نقول إن عملية الاختيار هي عملية إصدار حكم من جانب شخص أوتي العلم أو التجربة، أي من جانب عالم. هذا وإن أكثر الناس علما غالبا ما يكونون أشدهم بعدا عن إدراك عمق علمهم.

ورجل العلم، مثله مثل الشاعر الذي ينتقي الألفاظ، والفنان الذي يختار الألوان، يختار الأشياء التي بينها علاقات معينة فكر فيها هو نفسه أو سعى إليها. وقد يجد شيئا لم يفكر فيه أو يبحث عنه، وهذا الاكتشاف قد يقوده إلى مزيد من البحث ومن ثم إلى مزيد من الكشف.

ومع هذا، فالمزاج العلمي مهما كان عميقا، والدراية بتاريخ علمه مهما كانت تامة، والاستدلال مهما كان بارعا، نقول إن هذه جميعا لا تجعل من إنسان مستكشفا علميا، كما أن المعرفة بعلم العروض أو بماهية وتاريخ الشعر لا تخلق شاعرا.

إن الأشخاص العلميين الناجحين، شأنهم شأن الشعراء والفنانين، قد يوجههم التدريب والمران كما يشكلهم التقليد المأثور دائما، ولكن يجب أن يملكوا أيضا تلك القدرة على الحكم التي هي ضرورية في الفنون. وهكذا نجد في خاتمة المطاف أن العلم شأنه شأن الأفعال الإنسانية العظيمة، يقف في مواجهة السر الخفي للعقل، ذلك السر الذي لا يمكن النفاذ إليه.

نعود الآن إلى الظواهر. حين يمارس الرجل العلمي فن الكشف، فإن عليه أن يقوم بسلسلة من أفعال ذهنية مختلفة تماما، وهذه يمكن تصنيفها إلى:

أولا: جمع الملاحظات.

ثانيا: تكوين فرض (أي نظرية افتراضية) ليربط بين الملاحظات.

ثالثا: اختبار صدق الفرض أو بطلانه.

رابعا: استخدام الفرض في فحص ملاحظات جديدة أو إعادة النظر في ملاحظات سبق بحثها.

وحين يجتاز هذا الفرض اختبارات متكررة أو دقيقة بالدرجة الكافية، يكون عالمنا هذا قد حقق (كشفا).

حقيقة، هذه العمليات الأربع وهي الاختبار والفرض واختبار الفرض وإثبات صحته ثم استخدامه لتوجيه عالمية الملاحظة بعد ذلك، غالبا ما لا يستطيع العالم أن يميز بينها تمييزا كافيا في أثناء قيامه بالتفكير. وغالبا أيضا ما يؤدي به إثبات الكشف الذي وفق إليه، إلى إصدار أحكام جديدة تؤدي بدورها إلى اختبار جديد للحقائق وهكذا إلى ما لا نهاية.

ولكن العمليات في أساسها قابلة للفصل بينها، وقد ينمو إحداها بينما تظل الأخريات في خمود نسبي. قد يكون من السهل اختيار علماء أكثر حذقا في بعض العمليات وأقل حذقا في غيرها، ولكن يجب أن تعمل هذه القوى جميعا إذا أريد إظهار الطرق التي تعمل بها الطبيعة.

ومن هذه الناحية فإن المقالات العلمية (والكتب المدرسية بنوع خاص)، تعطى عادة فكرة خاطئة. إنها توضع بقصد إقناع القارئ بصدق أفكار معينة، أو لتزويده بمعرفة معينة. وهي إذ تفعل هذا، تخفى عادة العملية التي عن طريقها أمكن الوصول إلى الأفكار، تلك العملية، على ما رأينا، تتكون عادة من سلسلة أحكام مرتجلة أو فروض يراد استخدامها، وهي سلسلة تتخللها سلسلة مؤقتة من الملاحظات.

وفي العادة يجد الباحث أن الكثير من أمثال هذه الأحكام لا يمكن التدليل عليه، وأن الكثير من الملاحظات أو المشاهدات لا صلة له بالموضوع وأسيء اختياره ويتطلب المزيد من الاختبار. فالمقال أو الكتاب يلتزم الصمت وبحق، بصدد هذه المسائل الجانبية والبدايات الخاطئة، ولولا هذا لتضخم بصورة تتجاوز حدود الاحتمال. وبرغم ذلك، فهذه الأشياء التي لا يذكرها المقال أو الكتاب، تخفى المسالك التي سار فيها الباحث. ولهذا السبب بالإضافة إلى أسباب أخرى، لا يمكن أن نتعلم العلم من الكتب، وإنما نتعلمه عن طريق الاتصال بالظواهر.

وحتى رجال العلم، غالبا ما تغيب عنهم أو يتجاوزون عن العلاقة بين عملية الاكتشاف وعملية الإثبات، وكانوا يتجنبونها في العصور الوسطى. لقد أكد فرنسيس بيكون بحق، أهمية الجمع المستمر للحقائق، ولكنه أخفق في أن يدرك إلى أي مدى بعيد يجب أن يشتمل هذا العمل على عملية الحكم على الحقائق. وأظهر البحث بصورة متكررة أن كل مكتشف عظيم سار في الخط الخاص به وبطريقة تتفق، هذا الخط ووفقا لأسلوبه في التفكير، ومن دون الرجوع كثيرا إلى أية نظرية عن طبيعة العلم نفسه.

لقد أصبح رجال العلم يدركون، بقدر من الوضوح أعظم منه فيما مضى، أنه لكي تكون للمشاهدة العلمية معنى، لا بد من افتراض أشياء معينة وتقبلها وأخذها قضية مسلمة، وهذا هو ما اكتسب أهمية في أوائل القرن العشرين لمناسبة تفسير مشاهدات سيئة عن سلوك الضوء المنبعث من النجوم. هذه المشاهدات كونت الأساس الذي قامت عليه نظرية النسبية التي ترتبط باسم ألبرت أينشتاين، والتي يمكن التعبير عن جوهرها بالقول كلما أمكن تحديد مركز الذرة بدرجة أكبر من الدقة، كان التنبؤ بسرعة أقل دقة، والعكس. وهذا المبدأ يقال له (اللاتعيينية) أو (عدم التأكد). وهذان المبدآن، النسبية واللاتعيينية، يتعارضان مع فكرة الجبرية العلمية والتي يسوى بينها أحيانا، وخطأ، وبين المادية العلمية.

  • (عن دائرة المعارف البريطانية).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى