مقالات

من مملكة الطبيعة إلى مملكة الإنسان

| د.بارعة القدسي

(1)

أستعير من مؤلف كتاب (السياسة المسلحة)، وهو الأمين العام لحزبنا صفوان القدسي، كلاما قاله في ذاك الكتاب الصادر عام 1974، سطورا تأخذني إلى الفكرة التي أحاول تثبيتها في هذه الافتتاحية، وهي أن (الحتمية) الحاكمة بأمرها على نحو ما كان يقول علماء الطبيعة، تبدو الآن موضع سؤال وتساؤل يثير العديد من الشكوك حولها.

(2)
كانت الفيزياء التقليدية تعلن أن الحتمية (شرط من شروط وجود العلم)، هذه الحتمية التي يقوم تعريفها في الفيزياء على (إمكان توقع الظواهر توقعا دقيقا، أي انتظار حصولها في مكان معين وفي زمان معين بالضبط، فالحتمية موجودة إن كان الإلمام بشرط بعض الظواهر المشاهدة مع معرفة بعض القوانين الطبيعية، يخول توقع تلك الظواهر أو أمثالها في زمن لاحق).

(3)
العالم الفيزيائي (هيزنبرغ) وضع يده على حقيقة هدمت الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الحتمية في الفيزياء التقليدية. فقد اكتشف هذا العالم أنه (كلما دق قياس موقع الجسيم، غيرت هذه الدقة كمية حركته، وبالنتيجة سرعته، وكلما دق قياس كمية حركته، التبس موقعه. ويمتنع أن يقاس موقع الجسيم وكمية حركته معا قياسا دقيقا، أي يصعب تعيين موقع الجسيم وسرعته الابتدائيين بالمفهوم الميكانيكي الاتباعي، لذلك يصعب معرفة موقعه وسرعته في زمن لاحق).

(4)
ويمكن القول إن قصور أدواتنا ومناهجنا القياسية هو السبب الذي يوحي بوجود هذه الحتمية، وإن هناك بكل تأكيد حتمية ربما كان من الصعب الكشف عنها بسبب هذا القصور في الأدوات ومناهج القياس. غير أن رد هذا القول لا يبدو بالغ الصعوبة، بحسبان أن هذا القول (فرضية ميتافيزيائية ونوع من الإيمان لا يبحثه العالم الفيزيائي ولا يحق له أن يبحثه بعد أن عرف معنى الحتمية في الحوادث الفيزيائية بإمكان التوقع المضبوط). ومع ذلك، فإن علماء الفيزياء الحديثة بذلوا جهودا كبيرة للكشف عما إذا كانت هذه اللاحتمية صميمة أم أنها مجرد حتمية ظاهرية تختبئ وراءها حتمية باطنية. وقد انتهت هذه الجهود إلى حقيقة مفادها (أن اللاحتمية في حوادث الميكروفيزياء صميمة وأنهم يصعب عليهم بمفاهميهم الحاضرة، واعتباراتهم المعتمدة في هذا الوقت، أن يستشفوا إمكان الوصل إلى الحتمية ولو تحسنت وسائل البحث ومناهج القياس لديهم).

(5)
علماء الفيزياء الحديثة، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية، يقرون بالنتائج التي انتهت إليها هذه الأبحاث والدراسات، ويعلنون أن هذه الكشوف الباهرة تحرر الإنسان مرة أخرى من قيود الطبيعة التي سجن داخلها، بمثل ما تؤكد أن الحرية حاضرة في قلب الوجود، لكن هناك فريقا عزّ عليه أن يجد قناعاته القديمة تتساقط أمام ناظريه، فلجأ إلى أسلوب هو أقرب إلى التحايل على هذه الاكتشافات.
والتحايل، بطبعه وطبيعته، مآله إلى زوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى