مقالات

أرِني الله

| صفوان قدسي

(1)

ليس بالعقل وحده يحيا الإنسان، لكن العقل يظل على الدوام الدليل والمرشد والبوصلة المحددة للاتجاه الصحيح.
وإذا كان هناك، حتى الآن، من لا يرى ما نرى، فتلك مشكلته المطلوب منه مواجهتها من خلال إعادة النظر في طرائق تفكيره، أو ربما لا تفكيره، لأن التفكير يتكئ على العقل. وحين يغيب العقل، يتعذر التفكير.
وأنا هنا أحاول، بقدر ما هو ممكن ومتاح، النأي بالنفس عن اقتحام عوالم خلافية، حيث إن فيها قدرا غير محدود من الإشكالات التي يتشاكل فيها الناس ويتخاصمون، إن لم أزد على ذلك في القول إنهم يتقاتلون. لكن محاولتي هذه سرعان ما تبوء بالإخفاق الذريع.
لماذا؟.
لأني، بطبعي وطبيعتي، وبنشأتي الأولى وثقافتي، منحازا انحيازا واضحا لا يعتوره أي لبس أو إبهام، إلى العقل الذي لا يهديني إلى الحق والحقيقة فقط، وإنما يهديني في الوقت نفسه إلى الله.

(2)
وما زلت أذكر كتابا لتوفيق الحكيم استمتعت بمطالعته أيام كنت في ريعان الصبا، وكان عنوانه: (أرني الله).
صحيح أن الكتاب مجموعة قصص قصيرة، لكنها تتناول حياة الإنسان الروحية والمادية، كما هي موصوفة من ناشر الكتاب. مثلما أنها موصوفة بأنها قصص فلسفية.
والمهم في الأمر هو أن الله لا يُرى بالعين المجردة، ولا بوسائل الاتصال مع الفضاء وأبعاده الشاسعة، لكنه يُدرك بالعقل العاجز عن تفسير الخلق والحياة إلا من خلال تجليات هذا الخالق الموصوف بأنه ليس كمثله شيء.
وبصرف النظر عن محاولات وفيرة وعديدة لإدراك كنه هذا الخالق، فإن الإنسان مدعو إلى إعمال العقل في قراءة موجوداته وتجلياته. وفي القرآن العديد من الآيات التي تحض على ذلك وتحث الإنسان على التدبر والتفكر.

(3)
وما يهمني هو أن مقولة الفيلسوف الألماني (هيغل) القائلة إن كل ما هو واقعي معقول، وكل ما هو معقول واقعي، وهي مقولة بنى عليها (هيغل) هرما شاهقا من المؤلفات التي تختصرها هذه المقولة وتختزلها، ما تزال قائمة في العقل الفلسفي، وإن كان هناك من يقول إن (هيغل) عمد إلى الإعلاء من شأن العقل على حساب الواقع، بمعنى أن (هيغل) كان مثاليا، فجاءت فلسفات من بعده لتقول إن (هيغل) كان يمشي على رأسه، ونحن نريد له أن يسير على قدميه.

(4)
وإذا لم يكن هناك بدٌ من اختتام هذا الكلام، فإني أختتمه بالقول، وهو صفوة القول، إن هذا الشجار وذاك النقار بين أهل العقل وأهل النقل، يمكن أن يؤولا إلى زوال، في حال ما إذا أقرَّ أهل النقل بأنه إذا كان في النقل ما يتعارض مع العقل، فإن العقل يغدو هو الحاكم بأمره.
وفي ذلك فليتفكر المتفكرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى