أبحاث ودراسات

العقل والمنطق… كلام في الرد على سعد الدين إبراهيم

| عبد الجليل حسن

كتاب (أبو الحسن الشاذلي) يبدؤه مؤلفه د. سعد الدين إبراهيم بأنه (اضطر إلى كتابته اضطرارا وحمل على تأليفه حملا)، فقد رأى فيما يرى النائم من (يلبس ملابس شرطي، ويمسك بيده قيدا ويقول له أمرا: اكتب عن أبي الحسن الشاذلي)، هذا في المقدمة، وفي الفصل الأخير (خاتمة واعتراف) نجده يقول إنه مع إحساسه بوضوح بما في مشكلة الكرامات من إشكال عقلي إلا أنه بالرغم من كل ذلك يقول (فإنني لم أرتدد قط في أن أبدأ كتابي هذا، بعد المقدمة، بكرامة لأبي الحسن- تلك التي رواها أبو العباس رضي الله عنه- وما شككت قط في ثبوتها). ولماذا لم يجد حرجا في نقل كل هذه الكرامات- في كتابه هذا الذي لا يعدو أن يكون مجموعة نصوص وكرامات- فإنه يبرر ذلك بأن هناك أسبابا عامة وخاصة تجعلها لا يتحرج من نقل بعض الكرامات.

ومن هذه الأسباب العامة أن خرق عادات الطبيعة أو قوانينها ليس بمستحيل عقلا، وهو يرى أن منكري الكرامات يتميزون بألوان من الغلظة وقساوة القلب أو ملاحدة. يا سبحان الله هل كان ابن تيمية وأبو إسحاق الاسفرايني من أكابر أتباع أبي الحسن الأشعري وغيرهم من الأئمة الذين أنكروا جواز وقوع الكرامات، من الملاحدة!؟. وهل أنا إذا أنكرت الكرامات بعقلي أكون من الملحدين!. فلتسمع ما يقوله الشيخ محمد عبده في الموضوع (فيجوز لكل مسلم بإجماع الأمة أن ينكر صدور أي كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكار هذا مخالفا لشيء من أصول الدين، ولا مائلا عن سنة صحيحة، ولا منحرفا عن الصراط المستقيم) (رسالة التوحيد للأستاذ الإمام محمد عبده- طبعة المنار- ص206).

وأما الأسباب الخاصة التي (يعلنها في غير كبرياء ولا فخر بأنني من الأشخاص الذين لا تلعب بهم الأوهام ولا التخيلات، ولم أكن في يوم من الأيام فريسة أباطيل وخرافات) (هكذا بالنص ص206). ويحكي بعد ذلك كرامة حدثت له بفضل (صيغة مباركة) عكف على قراءتها في غرفة بعد صلاة العشاء واستغرق في تلاوتها (وإذا بي أرى فجأة أن الحروف التي كتبت بها الصيغة تتلألأ نورا. ومع أن الغرفة كانت مضيئة، فإن الحروف كانت تتلألأ نورا في وسط هذا النور) (ص204). ويحكي كرامة أخرى حدثت له.

وقد يمكن أن نجد من يصدق وقوع الكرامات في الزمن الماضي، أما الآن فأعتقد أن العقلاء كفوا عن تصديق وقوعها، ومن المؤكد أنها توقفت هي عن الوقوع.

ولذا يقول (من أجل كل ذلك أثبت في الكتاب كرامات أبي الحسن وبدأته بعد المقدمة مباشرة بكرامة من كراماته رواها أقرب تلاميذه ومريديه إليه) (ص205)، وإذا عدنا إلى الفصل الأول لنعرف هذه الكرامة التي رويت عن أبي الحسن (رضي الله عنه)، لوجدناها كرامة إن صحت كانت تحتاج في وصفها إلى شيء من الذوق (هذا رأي شخصي جدا)، فهو يقول (فذهب الشيخ إلى الجامع وذهبت معه، فلما دخل الجامع وأحرم، رأيت الأولياء يتساقطون عليه، كما يتساقط الذباب على العسل) (ص12).

والظريف كذلك أن المؤلف يقدم لنا تعليلا أسطوريا ظريفا لبعض أحداث تاريخنا الهامة.

فمصر لم تنتصر في موقعة المنصورة التي انتهت بأسر لويس التاسع في دار ابن لقمان في المنصورة بسبب شجاعة واستبسال جنودها وحسن استعدادهم.. ل (إن تعليل ذلك ليس بالأمر الهين على من يقرأ التاريخ على أنه ساسة مدنيون وقواد حربيون وجنود تزيد أو تقل في العدد. إذا نظرنا إلى التاريخ بهذا المنظار، فإن تعليل هذه الظاهرة في موقعة المنصورة لا يتيسر ولا يستقيم). إذن فما السبب؟. السبب في رأي الأستاذ الدكتور هو (وحقيقة الأمر أن مصر إذ ذاك كانت تضم بين أرجائها نخبة ممتازة من العلماء الدينيين الذين أخلصوا جهادهم لله وحده، فلم تغرهم الدنيا بزخرفها وزينتها) (ص63)، هل ما زالت أحداث التاريخ يجري تعليلها على هذا النحو الأسطوري؟. رحم الله شيخنا ومؤرخنا العظيم عبد الرحمن الجبرتي فقد كان مشايخ عصره يقرأون عند النوازل صحيح البخاري ولم يكونوا يقرأون الرسالة القشيرية (نقرأ عليهم وهم يسمعون ويشرحون) (64)، ومع عظيم احترامي لما يسمى بالكرامات ومن دون دخول في تعليلاتها النفسية وما يقوله علماء الأمراض النفسية عنها.

دون دخول في هذا الباب المثير أحب فقط أن أذكر نموذجا واحدا على ما في هذا الكتاب من نزعة منافية لأسس تراثنا وللروح العلمية والمنزع العقلاني في التفكير.

فالفصل الرابع عن (أبو الحسن الشاذلي.. والاستدلال على وجود الله)، ونجد الدكتور الفاضل يقرر بالنص (والواقع أن كل محاولة لإثبات وجود الله إنما هي انحراف عن النهج الإسلامي السليم) (ص94). فهو يرفض التدليل على وجوده– سبحانه وتعالى- عن طريق العقل، وبذا يرفض جهود علماء الكلام وفلاسفة الإسلام الذين نافحوا عن ديننا الحنيف.

ويسمي المؤلف الفاضل إثبات وجود الله بالأدلة العقلية (بدعة شائعة)، ولذا (فإننا نستفيض هنا في شرح هذا الموضوع عسى أن يسود توجيه أبي الحسن فيرجع الناس عن البدعة إلى التوجيه السليم) (ص95).

وقد انتهى من (استفاضته) هذه إلى (أن الآيات الكثيرة التي يظن بعض الناس أنها نزلت لإثبات وجوده، فليست من ذلك في قليل ولا في كثير، إنها تبين عظمة الله وجلاله وكبرياءه وهيمنته الكاملة على العالم) (ص96- 97)، وزيادة في الاستفاضة عاد إلى سب الفلسفة اليونانية ولعنها.

فقال (والفلسفة اليونانية فلسفة وثنية لأنها تصدر عن العقل لا عن الوحي) (ص97)، ويؤكد باستمرار رفضه لها وأنه حتى لا مبرر لوجودها لأنها (وهي حينما تثبت وجود الله عقليا، ليس في ذلك كبير فائدة، ولا يبرر ذلك وجودها، ولا قيمة لما تثبته) (ص97).

ويلخص رأيه فيقول بالنص: (كانت الفلسفة اليونانية فلسفة وثنية بشرية، وقد أرادت أن تجد لجاما يعصمها من الخطأ فاخترعت فنا وثنيا آخر، وهو فن المنطق، فما أجدى ولا أغنى، ولا تقدم بالفكر الوثني في عالم الصواب شروى نقير) (ص98).

وهو يرى أيضا أن الفلسفة اليونانية تسللت- كميكروب خبيث– إلى الجو الإسلامي، تسللت في عهد المأمون، وتولى كبر هذا التسلل المأمون، وشجعه على ذلك معتزلة عصره) (ص99)، ويتابع رأيه الغريب والشاذ معا حول الخليفة المسلم المستنير المأمون، فيقول بالحرف الواحد (ورفع المأمون راية الانحراف والوثنية بجوار راية الهداية المعصومة) (ص100).

هذا هو الكتاب الذي نقدمه نموذجا عجيبا لما يفكر فيه البعض في عصرنا عصر العلم والعقل والتعقل. وقد كنت أحسب أن المنهج العلمي والروح العقلية في تناول قضايانا وثقافتنا العامة قد أصبحت أمرا مستقرا ومسلما به، ولم يعد يماري فيه أحد، ولكنني أدركت سذاجتي المفرطة وأنني كنت واهما وما زلنا بحاجة مرة أخرى إلى إرساء تقاليد فكرياتنا العقلية الأصيلة وبعثها وليس بعث الجانب المظلم من العصور الوسطى.

فلم أكن أتصور أن ينظر إلى الفكر اليوناني وإلى الخليفة المأمون والمعتزلة والتفكير العقلي مثل هذا النظر، فلم يحدث- طوال فترات تاريخنا المزدهر- أن ساد مثل هذا الكلام إزاء ما كانوا يسمونه علوم الأوائل. وأيا كان العصر وتخلفه فلم يناد مفكرون عندنا لهم وزنهم واعتبارهم- أو حتى ليس لهم وزنهم واعتبارهم- بمثل هذا الكلام البعيد عن المنطق أو التفكير الفلسفي في تاريخنا الإسلامي إلا في عصور الجمود والتأخر، ولكن بالرغم من هذا فقد ظل هناك جانب عقلي في كل تراثنا، ونحن الآن أحوج ما نكون إلى بعثه وإحيائه والتأكيد عليه، فهو سند الجانب التجريبي، وعلينا أن نعرف أن الاتجاه العلمي ككل لا يتعايش مع التفكير الخرافي.

وقد أفتى ابن الصلاح (643هـ) فتواه الشهيرة بتحريم الاشتغال بالمنطق والفلسفة تعلما وتعليما (المنطق مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر). وأفتى (بأن على ولي الأمر أن يخرج معلمي المنطق الأرسطاليسي من المدارس، وأن يعرضهم على السيف حتى يستبينوا).

(عن كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي للدكتور سامي النشار- دار المعارف 1967- ص186). وقد يكون من الطريف أن نعرف- مما يذكره ابن السبكي- أن ابن الصلاح حاول أن يتعلم المنطق سرا ففشل ولم يستطع تفهمه (المرجع السابق- ص183).

وإذا كان لأسلافنا عذرهم فليس لأستاذ فاضل معاصر لنا عذر في هذا الذي يقول: ومن تقاليدنا التي يمثلها ابن رشد مثلا الذي كان يقول (يجب أن نعتقد في النظر في القياس العقلي، بل أكثر أصحاب هذه الملة مثبتون القياس العقلي إلا طائفة قليلة من الحشوية وهم محجوجون بالنصوص) (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال- مكتبة صبيح- ص4). ويقول أيضا (فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع إنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له) (فصل المقال ص7). فالحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة على حد تعبيره.

ويحسن بنا، في هذا الهامش، ألا نستطرد وإنما نكتفي بما ذكره الإمام محمد عبده- الذي يستشهد به الدكتور الفاضل في بعض كتبه هذه-عن النظر العقلي، فقد تحدث الأستاذ الإمام عن أصول الإسلام فعلمنا (في مجموعة مقالاته المنشورة بعنوان الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية- طبعة المنار سنة 1373هـ) أن الأصل الأول للإسلام هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان. (فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح) (ص51)، أما الأصل الثاني للإسلام- كما يذكر الأستاذ الإمام- فهو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض (ص52).

ويقول محمد عبده أيضا في مطلع (رسالة التوحيد): (وتقرر بين المسلمين كافة- الأمن لا ثقة بعقله ولا بدينه- إن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود الله وقدرته على إرسال الرسل. أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم، فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل) (رسالة التوحيد ص7- 8)، هذا ما أجمع عليه المسلمون إزاء العقل إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه كما قال الأستاذ الإمام.

وموقف الأستاذ الإمام محمد عبده- ولا شك في مدى تفهمه لروح الإسلام السمحة- هو امتداد أصيل وعصري لتقاليدنا العقلية المضيئة، وهو في موقفه العقلي قد وقف موقفا أكثر تقدما من فرح أنطون الذي أثار ضجة في مطلع القرن العشرين، بعرضه كتاب رينان لابن رشد، وردود الأستاذ الإمام عليه. فقد علق فرح أنطون على الفصل الذي أفرده الإمام عن (أن الإسلام يقدم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض)، فقال: (إن في هذا ضررا عظيما للدين بدلا من الفائدة)، ذلك (لأن الدين متى صار عقليا لم يعد دينا بل أصبح علما). (ابن رشد وفلسفته تأليف فرح أنطون- الإسكندرية 1902- ص182).

ورأى أيضا صاحب مجلة الجامعة أن العدو الحقيقي للأديان جميعا (هو المبادئ المادية المبنية على العقل دون سواه) (ابن رشد وفلسفته- ص143). وأراد فرح أنطون أن يؤيد دعواه بإبعاد العقل عن مجال الأديان بالاستشهاد بالغزالي وابن رشد في كتابي التهافت وتهافت التهافت، ولكن واضح أنه لم يكن على كبير معرفة بأفكار ابن رشد في مثل هذه الأمور.

وموقف مؤلفنا الدكتور الفاضل من المعتزلة الذين أعلوا من شأن العقل وعولوا عليه أكثر من تعويلهم على النقل والنصوص، حتى قيل عنهم إنهم أثبتوا شريعة عقلية، موقف غير مستقيم. فالدكتور يرى أنهم ساعدوا الخليفة المأمون على انحرافه، وأنهم مبتدعة.

وأخيرا واضح إذن أننا ما زلنا في حاجة ماسة إلى إعادة تثبيت تقاليدنا في النظر العقلي ومكانة العقل في تراثنا، وأن ننافح عن ذلك بكل قوة فهذا هو واجبنا ومسؤوليتنا. وعلينا أن ننهض بها في صرامة وصراحة حتى نثبت رايتها في أذهان معاصرينا. وليس يكفي أن نمتدح ونلهج بالمهلج العلمي والفكر العقلي إذا لم يصبح ذلك اتجاها عاما يسود حياتنا، وقد لا يكفي في ذلك مقالة أو كتب وعلينا أن ندفع بالجانب التقدمي من تراثنا ونؤكد على الجانب العقلي والمنزع العلمي والتجريبي فيه، وأن ننفي عنه ما ارتبط به في فترات الجمود التي ضيقت على الأخذ بالنظر العقلي واتهمت كل شيء مستحدث بأنه بدعة، وإذا كانت الخرافة والعقل قد أمكن لهما أن يتعايشا قديما وأن تنتصر الخرافة في بعض العصور، فليس مما يمكن قبوله أو تصوره أن يتعايشا في هذا العصر.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى