أبحاث ودراسات

الفكر النقدي العربي… وضرورة تصويب الأسئلة

| د. كريم أبو حلاوة

انفرد التراث العربي عن سواه من القضايا التي شغلت الفكر العربي المعاصر، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، بتكوين بؤرة اهتمام مركزية استقطبت في معركة امتلاك التراث، ومن ثم فهمه وتأويله وتوظيفه، التيارات الفكرية الرئيسية السلفية منها والحداثية. وجاء التفكير في التراث، من حيث كونه رأسمالا رمزيا وذاكرة جمعية للأمة، لا لتعزيز مرجعيته، كما يعتقد المهتمون بالاطلاع على ما خلفه الأجداد ومعرفة قيمته الحقيقية وإمكانية الاستفادة منه، بل من أجل امتلاك ذلك الرأسمال الرمزي واحتكار التعبير عنه والنطق باسمه لتحقيق أهداف وغايات غير معرفية وغير بريئة (إيديولوجية وسياسية) بالرغم من توسل أدوات المعرفة وأساليبها.

وأبعد من ذلك، يدرك معظم الذين جمعتهم معركة التراث وعلى اختلاف انتماءاتهم وتباين غاياتهم، أنه لا قيمة لفهم التراث واستيعاب ثرائه الفكري وعمقه الحضاري بمعزل عن أسئلة الحاضر ورهاناته، لأن الخلاف ليس من أجل التراث بل الخلاف على التراث من أجل الحاضر، فالمنتصر في معركة تأويل التراث واحتكار تمثيله هو الأقدر على امتلاك الحاضر. لهذا السبب الوجيه يعتقد (عبد الإله بلقزيز) أن القضية في جوهرها هي (معركة تأويل الحاضر وامتلاكه وصوغه). وذلك بهدف السيطرة عليه بالاستعانة بما يمكن أن يقدمه التراث من معطيات إيديولوجية أو أفكار تعبوية، أو بما يقوم به من وظائف رمزية واجتماعية تفسر مجتمعة الطلب المتزايد على الدراسات التراثية.

وليس فيما سبق أية إيماءة أو محاولة للتقليل من شأن المقاربات المختلفة للتراث، فالمقصود هو توصيف تلك المقاربات لتوضيح الفروق غير الشكلية فيما بينها سواء من حيث أدواتها وأساليبها في تناول المسألة التراثية، أو من حيث غاياتها وأهدافها المعلنة والمستترة. فالمقاربة الإيديولوجية تختلف جوهريا عن المقاربة الابستمولوجية (المعرفية) بمقدار اختلاف الاثنتين عن المقاربة السوسيولوجية، وليس من الصعب اكتشاف مفكرين سلفيين وحداثيين، في مستوى التعاطي مع التراث، داخل كل واحد من أشكال التناول السابقة.

تصويب الأسئلة:

إذا كانت الأسئلة الخاطئة تفضي بالضرورة إلى إجابات خاطئة حتى لو كان الجواب صحيحا على السؤال الخاطئ من الناحية المنطقية، فسرعان ما تكتسب مسألة طرح الأسئلة المناسبة والجوهرية المتصلة بالموضوع المعني الذي يتجاوز التراث، تكتسب أهمية استثنائية لاتصالها بمنهجية وعلمية التناول المطلوب عند التعامل مع قضايا متعددة الأبعاد والمستويات، علاوة على كونها شديدة الحساسية والتعقيد كقضايا التراث، والنهضة، والعقل العربي، والحداثة، وسواها.

من بين الأمثلة العديدة على الأسئلة الخاطئة التي يمكن الاستشهاد بها، والتي تتكاثر في الكتابات النقدية العربية المحدثة، يجدر التوقف عند بعض النماذج الدالة على شاكلة: هل تكمن المشكلة في المصطلحات والمفاهيم النقدية المتكاثرة التي يستعملها النقاد الحداثيون العرب؟. ثم كيف يمكن أن نتخلص من الشعور بالنقص والدونية إزاء الغرب؟. وهل تشكل الترجمة بكل ما يمكن أن تنطوي عليه من ثغرات وعيوب لب المشكلة؟. وهل تسبب الدعوة إلى إجراء قطيعة معرفية مع التراث عقبة في طريق التعرف عليه؟. وأخيرا هل يملك العرب نظرية نقدية مكتملة في البلاغة على ما يرى (عبد العزيز حمودة) في كتابه الأخير (المرايا المقعرة)؟.

بينما نعتقد أن الأسئلة الحقيقية أعمق وأبعد من تلك الأسئلة الزائفة بكثير ومنها: هل يمكن إنتاج نظرية نقدية عربية في الأدب والفلسفة والفكر من دون الاستعانة بالاتجاهات والمدارس النقدية المعاصرة؟. ثم هل يتحدد موقع الأمم في العالم المعيش طبقا لما تملكه من نظريات في التراث، وحتى طبقا لما قدمته للحضارة الإنسانية في ماضيها، أم أن موقعها يتشكل وفقا لما تنتجه في مجالات العلم والأدب والثقافة والتكنولوجيا؟. أي في درجة امتلاكها لعناصر وأسباب القوة المختلفة العملية والنظرية والاستحواذ النقدي عليها؟.

وهل يعني مفهوم (القطيعة المعرفية) (Epistemological Break) مع التراث النقدي العربي، سواء في نظرية البلاغة أو في مجالات الفكر الفلسفي والفقه والعمران البشري، إهمال هذا التراث أو التنكر له، أو حتى اعتباره من أسباب التخلف على ما يفهم (ابن حمودة) في استنكار الدعوة إلى إجراء قطيعة مع التراث؟.

ثم ما الذي يبقى من الفكر العربي المعاصر، إذا حذفنا منه الدراسات النقدية التي أحسنت الاستفادة من المناهج الحديثة ووظفتها في فهم وتحليل التراث العربي والعقل العربي والفكر الإسلامي وقضايا الاستشراق والمجتمع العربي والنهضة؟.

وقبل محاولة الإجابة على الأسئلة السابقة عبر استحضار أبرز الإسهامات العربية المعاصرة في مجال النقد الفكري والأدبي، سنحاول إيضاح بعض الالتباسات المنهجية المتصلة بالمفاهيم ومدلولاتها كمفهوم القطيعة المعرفية، وتحديث العقل العربي، ووظائف الفكر النقدي، وسواها.

إذ لا يعني مفهوم القطيعة المعرفية مع التراث النقدي العربي، سواء في نظرية البلاغة أو فيما أنجزه الفكر الفلسفي والصوفي، إهمال هذا التراث أو التنكر له، ولا حتى الموافقة على اعتباره من أسباب التخلف، بل يعني أن الأفكار الصحيحة والصالحة في النظرية التراثية العربية، قد أصبحت متضمنة في نظريات النقد الحديث وأن الإصرار على العودة إليها مجتمعة- أي بصحيحها وخاطئها- يتجاهل أن القطيعة المعرفية تعني استنفاد التقدم المعرفي انطلاقا من نفس الأسس والمبادئ وتؤكد على ضرورة استبدالها بمبادئ وأسس جديدة، تشكل من وجهة النظر الابستمولوجية العناصر المكونة للنموذج الإرشادي. فحسب (توماس كون) يصعب تفسير الثورات العلمية المتلاحقة من دون تغيير نظرتنا إلى تاريخ العلم، فلا نراه وعاء لأحداث متتابعة زمنيا ومن ثم تراكميا. فالصورة المقترحة هي التمايز والقطيعة بين مرحلتين من تطور العلم داخل إطار حاكم يشكل نموذجا إرشاديا قوامه شبكة محكمة من الالتزامات المفاهيمية والمنهجية تتغير معه وبسببه صورة الوقائع معايير الرفض والقبول. وعندما تستنفد إمكانيات التطوير انطلاقا من نفس الأسس والمعايير يبدأ الهيكل النظري والمرجعي للقواعد بالتغير فيستبدل نموذج إرشادي بآخر أقدر على معالجة الثغرات والنواقص والعيوب التي لم يتمكن سابقه من معالجتها، وتولد نظريات جديدة إما على نحو تدريجي متسلسل وتراكمي أو على شكل انقطاع وانقلاب طفروي يوفر إمكانيات أفضل للإجابة على الأسئلة المتوالدة أو المعلقة. وتاريخ الفكر مليء بالأسئلة على القطائع المعرفية في الفلسفة والفيزياء والرياضيات والفلك وغيرها. فالقطيعة المعرفية التي أجراها (أينشتاين) مع فيزياء (نيوتن) تعني التغلب على العوائق المعرفية التي كرسها التصور النيوتيني للعالم وتتجاوزه مع تضمين كافة القوانين والمبادئ الصالحة عند نيوتن في نظرية النسبية.

ولم يخطر ببال أحد قط أن يعترض على هذه القطيعة الحاسمة انتصارا لنيوتن أو ثقافته أو بلده وأن يعارض كشوف (أينشتاين) المثيرة لهذا السبب!.

هكذا يتضح أن القطيعة المعرفية إجراء منهجي لا غنى عنه عندما يستنفد التقدم انطلاقا من أسس ومبادئ قديمة، وهو ما يعني استبدالها وتضمين ما بقي صالحا منها في النظرية الجديدة التي توسع قدراتها التفسيرية وتثبت بأنها أقدر على حل المشكلات والأسئلة التي بقيت من دون جواب، وذلك بغض النظر عن منشأ هذه الأفكار أو القواعد طالما أنها السبيل لفتح آفاق جديدة للتطور.

وبتطبيق النقد التفكيكي على ما أنتجه (ابن حمودة) من دراسات ونصوص يتضح أن ما قام به وما كتبه فعلا يعود في معظمه إلى النظريات الغربية الأساسية (البنوية- التفكيكية- السيمولوجيا- التأويلية)، وذلك على الرغم من دعوته الصريحة إلى عدم الانجرار وراء الفكر الغربي، وتأكيده الحثيث على ضرورة عدم إهمال التراث العربي، بينما يعود جزء يسير من إنتاجه إلى إحياء النظرية العربية في البلاغة والنقد كما فعل في كتابه الأخير (المرايا المقعرة). وهو ما يعني أن التركيز والأولوية تعطى لما يقوم به الباحث والمفكر لا إلى ما يعلنه وينادي به، وخصوصا إذا كان هناك تفارق واضح بين الشعارات المرفوعة والممارسات المطبقة كما في حالة ابن حمودة.

لكن هذا لا يقلل من إنجاز الرجل ومن صحة العديد من الملاحظات والمآخذ التي سجلها على الكيفية التي انبهر فيها الفكر العربي في محاولته لتقليد واستنساخ أساليب ومناهج وخبرات الفكر الغربي رغم الفوارق في درجة تطور المجتمعين اللذين أنتجا هذه الأفكار واختلافهما في المهام والتحديات والأدوات التي تستخدم في كل منهما لمواجهتها وترتيب أولوياتها وفقا للخصوصيات الثقافية والحضارية ولدرجة إلحاحها المختلفة في المجتمعين المذكورين.

نماذج نقدية:

والأسئلة التي تواجه هذا النمط من النقد هي: هل كان من الممكن لمحمد عابد الجابري مثلا إنجاز ثلاثية (تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي) في نقد العقل العربي على النحو الذي قام به من دون أن يستعين في قراءته بمنهج التحليل الابستمولوجي، فجاءت متحررة من القراءات الموجهة للتراث من استشراقية وسلفية ويسارية والتي كانت محملة بشحنة إيديولوجية كثيفة حجبت الكثير من جوانب التراث ولم تر فيه إلا ما تريد هي اكتشافه وإثباته. علاوة على أن المعالجة الابستمولوجية قد أتاحت له إمكانية النظر لا في ما ينتجه الفكر من آراء وتصورات ومذاهب، بل في البحث عن أصول التفكير ومعاييره وأدواته، والاهتمام بتحليل الآليات والأساليب والأدوات التي يستخدمها العقل في إنتاج معارفه.

لكن ذلك لا يعني أن التحليل النقدي المعرفي لمكونات الثقافة العربية والعقل العربي قد جاء مكتملا، بل على العكس، فهو ككل قراءة منتجة قد حل من المشكلات والأسئلة بقدر ما أثار من التحفظات من خلال ترك الكثير من المناطق والمساحات داخل الثقافة العربية في موضع العتمة وفي إطار اللامفكر فيه.

ومثالنا على ذلك موقع التصوف والمعرفة العرفانية في الثقافة العربية وموقف الجابري منها. ففي سياق تجاوزه للتصنيف التقليدي لضروب المعرفة في الثقافة العربية القائم على تقسيمها إلى علوم نقلية وأخرى عقلية، أو إلى علوم أصيلة وأخرى دخيلة، اعتمد الجابري تصنيفا آخر يقوم على أساس البنية الداخلية للعلم، وصنف علوم الثقافة العربية إلى ثلاث مجموعات: علوم البيان من نحو وفقه وكلام وبلاغة، يؤسسها نظام معرفي واحد يعتمد قياس الغائب على الشاهد. وهي علوم مارس فيها العقل العربي إبداعه. وعلوم البرهان من منطق ورياضيات وطبيعيات وإلهيات وميتافيزيقيا ويؤسسها نظام معرفي يقوم على الملاحظة التجريبية والاستنتاج العقلي. أما المجموعة الثالثة فهي علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وتفسير باطني وفلسفة إشراقية وكيمياء وطب. ويضيف الجابري إليها علم النجوم والسحر والطلمسات والتنجيم وهي علوم دينية ويؤسسها نظام معرفي يقوم على الكشف والوصال والتجاذب والتدافع وقد سماها (العقل المستقيل)!.

وإذا كان للتصنيف السابق الكثير من المحاسن والفوائد من الناحية التحليلية، فإن أهم نواقصه أنه استبعد التصوف والكثير من الاجتهادات الدينية والفلسفية لمؤلفين عظام أمثال ابن عربي والحلاج والسهروردي وابن سينا والنفري، أي أنه استبعد قارة فكرية كاملة من العقل العربي وهي التصوف. والسبب الأساسي الذي أوقع الجابري في الخطل السابق هو اتخاذه عقلانية أرسطو مقياسا للفكر فما وافق أرسطو عقلاني، أما ما خالفه فهو لا عقلاني. في حين يكشف النظر إلى الفكر الصوفي بعين المتصوفة أنفسهم أو حتى بعين هيدغر وهيغل، عن عقلانية مدهشة ومركبة وتنطوي على توسيع لمعنى العقل بانطوائه على الاختلاف والمغايرة، فالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي هو صاحب أول نظرية للخيال في التاريخ وصاحب نظرية وحدة الوجود.

فهل يعقل أن نتجاهل كل ما سبق ونوافق مع الجابري على القول إن كل ما أنتجه ابن عربي ليس سوى نتاج يمثل (اللامعقول) الوافد على الإسلام من الثقافات والديانات السابقة؟.

يبدو لي أن المطلوب منا هو استكشاف عقلانيتنا كي نعيد تعريف العقل من محاكمة عقلانيتنا من خلال سواها، خصوصا أن أدبيات ما بعد الحداثة قد كشفت عن العديد من الفعاليات والطاقات التي أهملها العقل باسم عقلانية حصرية واستبعادية استند إليها الجابري في تصنيفه السابق، وتم اليوم تجاوزها نحو توسيع صلاحيات النشاط العقلي لتشمل الأحاسيس والعواطف والرغبات التي يمكن تحليلها على أساس هذا الفهم الموسع للعقلانية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى